تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الاستثناء الإسرائيلي دولة استعمارية وعنصرية أيضا

الاستثناء الإسرائيلي دولة استعمارية
صورة تم التقاطها يوم ٢٧ يوليو ٢٠٢١ لقوات الأمن الإسرائيلية وهي تستخدم جرافة لإزالة بيوت أولية غير قانونية أنشأها مستوطنون عند حاجز بيت درور الاستيطاني بالقرب من مدينة الخليل بالضفة الغربية. المصدر: HAZEM BADER/ AFP.

ماجد كيالي

لم يكن أمراً مدهشاً، بمعنى الكلمة، ولا مستغرباً، قيام جلعاد أردان سفير إسرائيل في المنظمة الأممية بتمزيق تقرير لجنة حقوق الإنسان في الجلسة الخاصة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة (29/10)، إبان كلمته التي هاجم فيها التقرير السنوي لتلك اللجنة، بدعوى إدانتها اسرائيل ب 95 قرارًا مختلفًا، من أصل 142 قرار أصدرتها بحق دول أخرى، علما أن التقرير تناول وضع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوضاع حقوق الإنسان في الضفة الغربية وهضبة الجولان وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. واللافت أن السفير اعتبر بأن مكان التقرير سلة مهملات “معاداة السامية”، وهو ما باتت تنتهجه إسرائيل في إدراج أي مناهضة لسياساتها الاستعمارية والعنصرية ضد الفلسطينيين كنوع من اللاسامية!

أما اعتبار ما جرى بأنه ليس مدهشا ولا مستغربا فلسبب بسيط مفاده أن إسرائيل لا تبالي بأية منظمة دولية، وهي كانت، قبل أيام قليلة، اعتبرت ست منظمات حقوقية تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني خارجة عن القانون، معتبرة إياها منظمات إرهابية (مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان والحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فلسطين ومؤسسة الحق واتحاد لجان العمل الزراعي واتحاد لجان المرأة العربية ومركز بيسان للبحوث والإنماء).

ومعلوم أن إسرائيل كانت مزقت، منذ قيامها (1948)، كل القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، سواء مجلس الأمن أو الجمعية العامة او الهيئات المنبثقة عنها، علما إن الاعتراف الدولي بها كدولة عضو في الأمم المتحدة (وفق القرار 273 لعام 1949) جاء مشروطا بموافقتها على قراري الجمعية العامة رقم 181 لعام 1947 الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، و194 لعام 1948 الخاص بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذا لم يحصل البتة، لا دولة الفلسطينيين سمحت إسرائيل بقيامها، ولا عودة اللاجئين تمت وذلك بسبب رفض إسرائيل.

طبعا، فيما بعد قامت إسرائيل (1967) باحتلال أراض من مصر (شبه جزيرة سيناء) وسوريا (هضبة الجولان) والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي مازالت حتى اليوم ترفض تنفيذ القرار 242 (لعام 1967) القاضي بعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وبضرورة انسحابها من الأراضي التي احتلتها، وضمنها هضبة الجولان السورية والضفة وقطاع غزة، وتمكين الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير.

حتى عندما وافقت قيادة منظمة التحرير على التسوية مع إسرائيل، بموجب اتفاق أوسلو (1993) فإن إسرائيل لم تنفذ حتى الآن الاستحقاقات المطلوبة منها، رغم مضي قرابة ثلاثة عقود على ذلك الاتفاق، بل إنها ظلت تقوم بكل ما من شأنه ترسيخ وجودها كدولة محتلة في الأراضي الفلسطينية، من خلال تعزيز اعمال الاستيطان وتغيير الطابع الديمغرافي لمدينة القدس، ومن خلال فرض سيطرتها الأمنية والإدارية والاقتصادية على الفلسطينيين.

في الغضون فإن إسرائيل، وعدا عن كونها دولة احتلال، فهي تمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، سواء كانوا من مواطنيها داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية أو قطاع غزة (الذي يخضع لحصار مشدد منذ 14 عاما)، بدليل إصدارها قانون إسرائيل كدولة قومية لليهود (2018)، والذي ينص على أن اليهود فقط من يحق لهم تقرير المصير لأن الدولة دولتهم. وفوق سياساتها التمييزية العنصرية، فهي تستخدم القوة الغاشمة للسيطرة عليهم، واضطهادهم، على ما بينت تقارير حقوق الإنسان، الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية.

طبعا ما كان يمكن لإسرائيل أن تتحدى كل تلك القرارات والمواثيق الدولية لولا امتلاكها قوة عسكرية هائلة، ولولا القوة المضافة المتأتية من الدعم السياسي والمعنوي والاقتصادي والعسكري الذي تلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية، في كل المجالات، ولولا استغلالها لعقدة “الهولوكوست“، ودمجها عن قصد بين معاداة سياسات إسرائيل الاستعمارية والعنصرية، وهو أمر مشروع وينطوي على معياري الحقيقة والعدالة، ومعاداة اليهودية، أو اللاسامية، التي هي أحد أهم مصادر التحريض عليها؛ وهو ما فعله السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة كما ذكرنا.

بنتيجة كل ذلك بات ثمة مسار متزايد في الرأي العام الدولي، في الغرب وضمنه في الولايات المتحدة الأمريكية، يشي بانحسار التأييد لإسرائيل، ويتجه نحو عزلها، ويرفض الخلط بين ذلك وبين معاداة اليهود، بدليل التقارير الدولية التي باتت تصدر تباعا، والتي ترصد انتهاكات إسرائيل لحقوق الانسان الفلسطيني، وارتكابها جرائم حرب بحقه، وضمن ذلك منظمات مثل هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وتقارير الأمم المتحدة ولجانها المختصة، بل إن أحدى أهم التقارير التي رصدت ذلك صدر من إسرائيل ذاتها، عن منظمة بيتسيلم، الذي أثار ضجة كبيرة قبل أشهر قليلة، سيما أنه صادرة عن منظمة إسرائيلية. كما يأتي ضمن ذلك البيانات والتقارير التي باتت تتوالى بالصدور عن شخصيات عامة، من أكاديميين وفنانيين وأدباء ومفكرين، تدين السياسات القمعية والعنصرية التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين.

فوق كل ذلك ثمة يهود، أو يهود إسرائيليون، ضد سياسات دولتهم التمييزية، وهذا، مثلا، الموسيقار اليهودي العالمي دانئيل برانبويم عبّر صراحة عن خجله من كونه إسرائيلياً، بقوله: “بعد مرور 70 عاما…أقرّت حكومة إسرائيل قانوناً جديداً يستبدل مبدأ المساواة والقيم العالمية بالقومية والعنصرية…لدينا الآن قانونا ًيحوّل العرب في إسرائيل إلى مواطنين من الدرجة الثانية. هذا شكل واضح جداً من الفصل العنصري… لذا أخجل بأن أكون إسرائيليا.ً” (“هآرتس”،2018/24/7) ويؤكد الشاعر الإسرائيلي ب. ميخائيل أن “مشروع سحق حقوق العرب (تمييز في الاراضي، البنى التحتية، التعليم، الفرص، التمثيل، التشغيل، التطوير والثقافة)…بدأ غداة الإعلان عن إقامة الدولة واستمر حتى ايامنا هذه”. أما الجديد، بالنسبة إليه، فهو أن التمييز الذي بات “أخيراً مشروع قانوني وحلال تماماً”. (“هآرتس”،14/8/2018)

وهذا يشمل مثلا أبراهام بورغ وإسرائيل شامير وعميره هس وجدعون ليفي وإيلان بابيه ونورمان فلكنستاين وأوري أفنيري وعاموس عوز وأ. ب يهوشواع وإسحاق ليئور وأمنون راز وإيللا شوحط وجوديث بتلر وهنري سيغمان ويوسي بيلين الذي دعا أبا مازن إلى عدم بعث الرسالة وحلّ السلطة وكشف إسرائيل أمام العالم باعتبارها دولة احتلال.

وبحسب أبرهام بورغ (أحد زعماء حزب العمل السابقين، ورئيس كنيست سابق) يقول في مقابلة معه لمجلة “قضايا إسرائيلية” (مركز “مدار”، شتاء 2012) بمناسبة ترجمة كتابه “لننتصر على هتلر”، إن إسرائيل “تحوّلت متحدثة باسم الموتى… باسم كل أولئك غير الموجودين، أكثر مما تتحدّث باسم كل أولئك الموجودين”. وعنده فإن “الدولة التي تحيا على سيفها، والتي تسجد للموتى، مآلها أن تحيا في حالة طوارئ دائمة”. وبالنسبة إلى تعريف إسرائيل لذاتها بأنها “دولة يهودية” يرى أن ذلك “يستحيل أن يتعايش تحت سقف واحد مع تعريفها بأنها ديمقراطية”. وفيما يخصّ الفلسطينيين فإن بورغ يؤكد على “أنَّ اليهود الذين كثيرًا ما كان يتم في السابق تشريدهم، يشكِّلون هم بالذات سبب تشريد الفلسطينيين”. وفي رأيه إذا كان “يتعين على الإسرائيليين ألاَّ ينسوا المحرقة… ينبغي لهم أن يتعلموا ضرورة عدم تكرار ما حدث” لهم ولغيرهم.  أما جوديث بتلر، وهي أكاديمية يهودية أميركية عضو في الهيئة الاستشارية لـ “الصوت اليهودي من أجل السلام”، واللجنة التنفيذية لـ “أساتذة من أجل السلام الفلسطيني الإسرائيلي، في الولايات المتحدة”، وعضو مؤسّس في مؤسسة راسل حول فلسطين (في بلجيكا)، وفي حركة مقاطعة إسرائيل، فهي تؤكد على ضرورة التمييز بين نقد إسرائيل وسياساتها الوحشية والعنصرية والاستعمارية ضد الفلسطينيين وبين معاداة السامية (في مقالة نشرتها في London Review of Books، أغسطس/آب 2003). ولطالما انتقدت بتلر محاولات إسرائيل احتكار مكانة الضحية الأبدية، مستخدمة في ذلك أطروحات مدرسة فرانكفروت من فالتر بنجامين وأدورنو حتى حنه آرنت وبريمو ليفي. حتى استغلال إسرائيل للمحرقة (الهولوكوست) بات يلقى نقدا حادًّا من قبل كتاب إسرائيليين، فهذا إسرائيل شامير يقول: “إجرامنا تجاوز إجرام روسيا في الشيشان، وأفغانستان، وإجرام أميركا في فيتنام، وإجرام صربيا في البوسنة، وعنصريتنا -ضد الفلسطينيين- ليست أقل انتشارا من عنصرية الألمان”. (هآرتس 14/7/2011)

ثمة عدة عوامل أدت إلى هذه التطورات، وضمنها نشوء مسار في الرأي العام العالمي لعزل إسرائيل، الأول، الثورة في وسائل الإعلام والاتصالات والمعلوماتية، التي أتاحت للعالم مشاهدة ما تقوم به إسرائيل بحقّ الفلسطينيين. والثاني، صعود دور شبكات المجتمع المدني على الصعيد العالمي، بفعل مسارات العولمة، فهذه الشبكات باتت تلعب دورا كبيرا في الانتصار لقيم الحرية والعدالة والمساواة ومكافحة التمييز والعنصرية والظلم. والثالث، تفاقم التناقضات الداخلية في إسرائيل نتيجة صعود التيار القومي ـ الديني، والتصدع العلماني ـ الديني.

وفي الواقع فإن إسرائيل، منذ قيامها قبل أكثر من سبعة عقود، مثلت بطبيعتها وسياساتها ومواقفها نوعا من دولة استثنائية، فوق الدول العادية وفوق الأعراف والمواثيق الدولية.

وبمعزل عن ظروف قيامها الاستثنائية (الهجرة، والقوة، والدعم الدولي)، فإن إسرائيل التي تحتل أراضي الآخرين، منذ العام 1967، تصرّ على «حقها» بالاحتلال. فهي تعتبر أراضي الضفة الغربية، مثلاً، جزءاً من الوطن أو «أرض الميعاد» (بتعابيرها التوراتية!) لا يجوز الانسحاب منها. وإسرائيل هذه هي الوحيدة بين دول العالم التي ما زالت تتهرب من تعريف حدودها الجغرافية، والأدهى أن «حدودها» البشرية، أيضاً، تخترق حقوق المواطنة في كثير من دول العالم، حيث ثمة جماعات تدين باليهودية!

هكذا، وعلى رغم تجلي إسرائيل على شكل دولة استعمارية وعنصرية ودينية، في الوقت عينه، إلا أنها تروج لذاتها كدولة ديموقراطية وحداثية أو كواحة في الصحراء! وعلى رغم كونها دولة محتلة وقوية وعدوانية، وتمارس السيطرة على شعب آخر، إلا إنها تقدم نفسها كدولة مستهدفة وضعيفة وتدافع عن ذاتها، بل بات ينظر إليها في بعض الدوائر الأميركية والغربية وكأنها ضحية لمقاومة الشعب الذي تحتله وتصادر أرضه وحقوقه!

الأنكى من ذلك أن المجتمع الدولي، المتمثل بالدول الكبرى، يقوم بتقديم المكافآت والاعتذارات والتشجيعات لإسرائيل لدى أي تجاوب منها، ولو محدود، مع المطالب الدولية. وكأنها تنازلت عن حق لها(!) بدلا من أن تتعرض للمساءلة والمحاسبة جراء احتلالها (على الأقل) لأراضي الفلسطينيين (وغيرهم) وهيمنتها عليه بواسطة القوة العسكرية.

 

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles