تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

في صعود وهبوط حركة فتح بمناسبة ذكرى انطلاقتها الـ 57

صعود وهبوط حركة فتح
صورة تم التقاطها يوم ٣٠ مارس ٢٠٠٠ لفلسطيني ملثّم ينتمي لحركة فتح وهو يحمل بيده رشاشاً أثناء مظاهرة تم تنظيمها بمناسبة يوم الأرض في بلدة بيت لحم. المصدر: AWAD AWAD / AFP.

ماجد كيالي

لم تتمكن حركة وطنية الحصول على مكانة متميزة، بفترة زمنية وجيزة، مثلما استطاعت حركة فتح، التي تمكنت في سنوات معدودات أن تلهب عواطف الفلسطينيين، وأن تداعب مخيّلة ملايين من الشبان العرب المتعطشين إلى نوع من تغيير يكسر البيئة السياسية السائدة والراكدة.

في حينه، أي في منتصف الستينيات، ولاسيما بعد معركة الكرامة (1968)، بدت هذه الحركة وكأنها بمثابة “مخلّص” منتظر، فهي طرحت نفسها كحركة وطنية تحررية، وبدت وكأنها تنافس حركات سياسية إسلامية ويسارية وقومية، أكثر عراقة منها، بفضل ثوريتها وديمقراطيتها وتنوعها. وكان المشهد العربي الرسمي والشعبي (وقتها) بحاجة لمشهد “الفدائي”، وللكفاح المسلح الفلسطيني، كبديل للجيوش العربية العاجزة، وكرد على الهزيمة، أو النكبة الثانية (1967)، التي اصطلح على تسميتها بالنكسة (تلطيفا)!

أيضا، وخلال تلك الفترة، لم يتوقف المثقفون العرب (إلا قلة) أمام هذه الظاهرة الصاعدة، إذ سرعان ما أخذتهم بوهجها، وحيويتها، فشاركوا في صياغة أسطورتها، في الشعر والقصة والرواية والموسيقا والرسم والمقالة السياسية.

مع مرور الزمن لم تصمد هذه “الثورة” في امتحان الواقع تماما، فسرعان ما اتضح أنها محكومة بسقف معين، وبارتهانات سياسية محددة، لاسيما أنها تعمل من خارج أرضها، وتعتمد على المساعدات الخارجية، أكثر مما تعتمد على شعبها. وسرعان ما تبيّن، أيضا، بأن ثمة تعقيدات كبيرة، ليس لها علاقة بموازين القوى فقط، بقدر مالها علاقة أيضا بظروف الفلسطينيين الخاصة، وأيضا بمستوى نضجهم، ونضج الأوضاع المحيطة بهم، لهذه النقلة الكبيرة.

ولعل الاشتباك الفلسطيني مع سياسة عبد الناصر (إبان مشروع روجرز 1969)، والصدام بعد ذلك مع النظام الأردني (1970)، ثم الانخراط في الحرب الأهلية اللبنانية (1975)، وما تلاه من اشتباك سياسي أو عسكري مع النظام السوري (1976)، لم يشكّل علامة على عدم ملاءمة الأوضاع العربية للعمل المسلح الفلسطيني، فقط، وإنما دلّ أيضا على ضعف أهلية القيادة الفلسطينية للتعامل بمسؤولية ومرونة مع تعقيدات الأوضاع العربية.

لكن الدلالة الأساسية الناجمة عن كل ذلك تمثلت بوجود ميول لدى القيادة للتحول إلى قضية أخرى غير تلك التي انطلقت من أجلها لحسابات فلسطينية، الأمر الذي دفعت ثمنه باهظا بخروجها من الأردن (1970) ولبنان (1982).

المعنى من ذلك أن تحول الحركة الوطنية إلى نوع من سلطة (بالمعنى السلبي/ التسلطي)، مستندة في ذلك إلى ميليشياتها المسلحة ومواردها المالية وعلاقاتها الإقليمية، كان على حساب تمسكها بطابعها كحركة تحرر وطني، وبالتالي على حساب صورتها المتخيلة والمفترضة، المنزهة والمشرقة والمبشرة بأمل جديد.

هكذا، خمد وهج الثورة، وأفُلت الصورة المتخيلة عنها، وباتت “الثورة” قرينة على التسلّط والتدخل في شؤون الغير واستخدام العنف في غير محله ومصادرة الرأي والوصاية على القضية وتهميش المجتمع. أما صورة الفدائي المتخيلة فحل مكانها صورة الرجل المسلح، الذي يحاول إقحام ذاته وشخصيته ونزواته، حيث أمكنه ذلك، بفضل السلاح الذي يحمله في غير محله.

المعضلة أن هذا الوضع لم يتغير كثيرا عندما انتقلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الداخل (بعد اتفاقات أوسلو 1994)، فقد باتت “الثورة” بمثابة سلطة مشوهة عرجاء ومقيدة، وبات الفدائي أو المناضل بمثابة موظف أو رجل أمن، مهمته الحفاظ على السلطة، والدفاع عنها، وكذا تبرير تصرفاتها والانتفاع بميزاتها. وفي هذه الحال باتت السلطة هي الشرعية والشرعية هي السلطة، وباتت المقاومة عملا نافلا وخارجا عن الشرعية.

وللإنصاف، فثمة ظروف عديدة أسهمت في تحول الحركة الوطنية الفلسطينية عن طبيعتها، ضمنها عدم ملاءمتها مع الوضع العربي، وشراسة الهجمة الإسرائيلية عليها، والظروف الصعبة والمعقدة للعمل الفلسطيني. لكن مع ذلك فثمة عوامل ذاتية داخلية اضطلعت بدورها في تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، وخبو روحها النضالية، وموات السياسة فيها.

فهذه الحركة عاشت ونمت على الشعارات، ولم تلق بالا لضغوط الواقع وموازين القوى والمعطيات المحيطة، وهذه الحركة بالغت بإشاعة التوهمات برغم ضعف الإمكانيات. وباختصار فإن هذه الحركة التي يفترض أنها حركة جماهيرية تحولت إلى حركة فصائلية (للمتفرغين فيها)، وهذه الحركة التي يفترض إنها انطلقت لنقد الوضع الفلسطيني والعربي، إذا بها تنبذ المراجعة والمحاسبة والنقد، وهذه الحركة التي انطلقت على الضد من الواقع الفلسطيني والعربي الراكد والعاجز والفاسد، إذا بها تتمثل كل هذه العناصر في بنيانها وعلاقاتها.

ومعنى ذلك أن هذه الحركة انقلبت على ذاتها، وعلى مبرر وجودها، وما بعد ذلك فهو تحصيل حاصل، أو هي مجرد مظاهر للعطب الذي استفحل في الجسم الفلسطيني، بمعنى أن الاختلاف والاقتتال والانقسام، وبعدها التسخيف والاتهام والتخوين إنما هي مظاهر لهذا العطب، أو هي كلها كناية عن حال التفسخ التي تعشعش في الجسم الفلسطيني، أو هي كناية عن التحول (أيضا بالمعنى السلبي) الذي تشهده الحركة الوطنية الفلسطينية، التي باتت منشغلة بالتحول إلى سلطة (تحت الاحتلال)، وهذا ينطبق على فتح كما ينطبق على حماس؛ التي وصلت إلى حيث انتهت فتح (خصوصا بعد سيطرتها الأحادية على قطاع غزة (2007).

على أية حال فإن مآل حركة التحرر الوطني الفلسطيني، والحركات السياسية، التي تفتقد للبني المؤسسية والعلاقات الداخلية والحراك الديمقراطي، والتي تتخلى عن طبيعتها، ليس نسيج وحده، فقد سبق أن انتهت حركات تحرر وطني وحركات سياسية إلى ذات النتيجة السلبية، في انقلاب أحزاب على ذاتها وتحولها عن منطلقاتها وأهدافها، بسبب موات السياسة وسيادة علاقات الفساد وغلبة امتيازات السلطة والميل لتعزيز الشرعية بالقوة والعنف.

ولابد أن نختم بأن ما من حركة وطنية أعطاها شعبها هذا القدر من الثقة ومن الصبر على المعاناة وتقديم التضحيات وبذل البطولات، من دون مساءلة، مثلما منحت حركة فتح والحركة الوطنية الفلسطينية عموما، ولا شك أن شعبا يعطي كل ذلك يستحق من قيادته التمتع بالحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والوطنية والأهلية القيادية. والمفارقة أن حركة فتح التي دشنت الوطنية الفلسطينية المعاصرة هي ذاتها دشنت مرحلة جديدة، بالتحول من حركة تحرر وطني إلى سلطة في جزء من أرض لجزء من الشعب مع جزء من الحقوق.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.