الصفحة الرئيسية / فلسطين / وُجوه / سلام فياض والمشهد السياسي الفلسطيني

سلام فياض والمشهد السياسي الفلسطيني

Salam Fayyad Palestine
سلام فياض , مارس 2010 Photo Stephen Sizer

متى سيعود سلام فياض إلى الساحة السياسية الفلسطينية؟ ففي منتصف شهر أبريل لعام 2013 قدم د. سلام فياض إستقالته إثر خلاف بينه وبين الرئيس الفلسطيني محمود عباس. كانت ما يقارب من سته أعوام قد مضت لرئاسته للحكومة الفلسطينية بتكليف مباشر من الرئيس بعد وقتٍ قصير من سقوط حكومة حماس وأحداث الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس منتصف عام 2007.

ولد فياض عام 1952 في قرية دير الغصون قضاء طولكرم. حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة تكساس الأمريكية عام 1986 ومن ثم عمل في كلٍ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعدة سنوات، حيث أصبح يُسمى “إبن المؤسسات الدولية”.

وفي عام 2002، تعرّض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى ضغوطٍ خارجية مارستها كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي من أجل إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، مما أدى لدخول سلام فياض المعترك السياسي من أوسع أبوابه وزيراً للمالية تحت رئاسة كلٍ من محمود عباس لمدة ستة شهور، وأحمد قريع حتى نهاية عام 2005. آنذاك، قدم فياض إستقالته للترشح لعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني، حيث شكل السياسي المستقل الذي لا ينتمى للحركتين الأكبر في فلسطين، قائمة “الطريق الثالث“، التي حازت على ثقة مقعدين فقط من قبل الجمهور الفلسطيني، كانتا كافيتين لتمكينه مع السيدة حنان عشرواي في نفس القائمة من عضوية التشريعي بداية عام 2006.

بعد إتفاقية مكة بين حركتي فتح وحماس في فبراير عام 2007 تم إختيار فياض مرة آخرى وزيراً للمالية في حكومة الوحدة الوطنية تحت رئاسة إسماعيل هنية والتي إستمرت ثلاثة شهور فقط، حيث تم إقالتها من قبل الرئيس الفلسطيني إثر الإنقسام الفلسطيني الداخلي، وعليه تم تكليف سلام فياض بتشكيل حكومة الطورائ التي أدت اليمن الدستوري بتاريخ 17 يونيو لعام 2007 أمام الرئيس الفلسطيني فقط دون نيل ثقه المجلس التشريعي للحكومة كما ينص القانون، مُسطرة بذلك إنتهاكاً صارخاً للقانون الأساسي.

كان تكليفه برئاسة ثلاث حكومات متعاقبة منذ منتصف عام 2007 ولغاية منتصف عام 2013 المحطة الأبرز سياسيا للسيد فياض. خلال تلك الفترة إستطاع كسب ثقة كل من الولايات المتحدة، والإتحاد الأووربي والمؤسسات الدولية وإلى حد ما إسرائيل، حيث وافقت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على تقديم المزيد من المعونات والمساعدات السنوية للسلطة الوطنية الفلسطينية.

شخصية فياض القيادية لم تكن كسابقاتها الفلسطينية، حيث لم يتميز فياض بلسان وخطابة ثورية وبإستخدام المفرادات الرنانة، وإنما أكتفى دوماً بإظهار نفسه بشخصية السياسي المهني الذي يهتم بإفتتاح مشاريع جديدة كمدرسة هنا أو بئر مياه جديد هناك. منذ بداية توليه لمسؤولية الحكومة أهتم فياض في بناء مؤسسات الدولة، وقدم عام 2009 عقب توليه رئاسة الحكومة الثالثة عشر خطة سياسية بتغليف إقتصادي، مبنية على رؤية حل الدولتين وإنهاء الإحتلال وتقرير المصير، وبناء نظام إقتصادي حر بعيداً عن الهيمنة والتبعية لإقتصاد الإحتلال، وتحدثت الخطة أيضاً عن التزام الحكومة بمساندة المقاومة الجماهيرية السلمية، كما تطرقت الخطة الى محاربة كافة أشكال الفساد والمحسوبية .

البرنامج الحكومي الذي إتبعه فياض يبتعد بشكل كامل عن أسلوب القيادة الفلسطينية على مر الأجيال والتي أتسمت عادةً بالبعد الثوري والنضالي المسلح أو في العقدين الأخرين بالبعد الإسلامي المقاوم للإحتلال كما ظهر من قبل حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبات يُعرف في المجتمع الفلسطيني والدولي “بالفياضية”.

اعتمد أسلوبه في المقام الأول على الدفع قدماً لتحقيق نواة التنمية الإقتصادية عن طريق توفير الخدمات وبناء البنية التحتية من أجل تعزيز صمود المواطنين، وخاصة في تلك المناطق خلف الجدار.
المتابع للشأن الفلسطيني يرى أن منتصف عام 2009 كان فترة تحول مهمة في نهج سلام فياض السياسي، فبالإضافة الى تبنيه برنامج حكومي قائم على خطة متكاملة الأركان ببعدها السياسي والاقتصادي والإجتماعي، سميت فيما بعد بإسم خطة (1000 مشروع) ، أظهر فياض تبنيه لمفهوم المقاومة السلمية أو كما تسمى أيضا “بالمقاومة اللاعنفيه”، حيث كان يحرص على جني ثمار الزيتون في المناطق الفلسطينية المصنفة تحت الإدارة الإسرائيلية. هذا النهج السياسي أوجد له إطراء من قبل العديد من كبار الساسة الأوروبيين والدوليين الذين أهتموا بلقائه بشكل منتظم.

الصراع مع القيادة الفلسطينية

بناءً على ما حققه فياض من بناء لمؤسسات الدولة، صدرت ثلاث تقارير في بداية عام 2011 من كلٍ من الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تفيد بإكتمال الجاهزية الفلسطينية لإقامة الدولة . هذه التقارير، وإن كان بها نوع من المحاباة، إلا إنها شكلت منعطفاً مهماً للقضية الفلسطينية بشكل عام و بالنسبة لفياض بشكل خاص وقدرته على تحقيق إنجازات على الأرض فشل الآخرين في تحقيقها.

التوجه الدولي المتزايد نحو فياض، أوجد نوع من حالة عدم الرضا لدى القيادات الفتحاوية الذين بدأو يشعرون بالتهميش. فبالإضافة إلى محاربة حركة حماس لحكومة فياض ولشخصه منذ تشكيل حكومته منتصف عام 2007، بدأ هناك لأول مرة نوع من التناغم الفتحاوي الحمساوي منتصف عام 2011 لإزالة فياض من مركزه خوفاً من النجاحات التي يمكن أن يحققها ليس فقط على المستوى المحلي في بناء المؤسسات، وإنما بسبب إرتفاع وتيرة العلاقة المتناغمة بين فياض والمجتمع الدولي.

الإنتقادات الحادة بدأت تطفو على السطح من قبل القيادات الفتحاوية ضد حكومة فياض، متهمه إياه في توريط السلطة بالديون المالية . في حقيقة الأمر السبب الأساسي للإنتقادات من قبل هذه القيادات كانت بسبب تشكيلة لحكومة تتكون غالبتها من شخصيات تكنوقراط مهنية لا تستطيع حركة فتح التحكم بها وتجييرها لمصالحها. وبالتالي حثت فتح أتباعها على الخروج إلى الشارع ضد فياض وحكومته.

إضطر فياض للتوليح بالإستقالة عدة مرات بسبب الضغوط التي مورست عليه من قبل القيادات الفتحاوية والمظاهرات العارمة التي خرجت ضده، مما جعل فياض يُسرع في تقديم إستقالته بشكل نهائي لا رجعة عنه .

فياض الذي قرأ الواقع الفلسطيني ويعلم طبيعة العوامل الإقليمية والدولية بشكل جيد، لم يختفى ولم يترك الساحة السياسية الفلسطينية بعد تركه لمنصبه، فلقد أوجد لنفسه موطأ قدم حيث أسس مؤسسة أهلية تحت اسم “فلسطين الغد” تهتم بالتنمية المجتمعية والمحافظة على البيئة، وبالتالي أقترب أكثر فأكثر نحو المجتمع، و أصبح يشارك في في أنشطة مجتمعية ويخاطب المجتمع عن قرب، بالاضافة الى تواصله بنفسه مع المجتمع.

في الحقيقة، هذا هو بالضبط ما أفتقده فياض أثناء توليه رئاسة الحكومة لمدة ستة سنوات متتاليه، حيث أُعتبر من قبل منافسيه ومن المجتمع أيضاً بأنه نزل من “البرشوت” ليتولى رئاسة الحكومة الفلسطينية. فلم يكن معروف كالقادة الآخرين، وتم التشكيك في ولاءه للوطن وتم نعته بأنه “إبن المؤسسات الدولية”، الذي يسعى لتنفيذ أجندة مخفية لا تخدم الوطن .

فياض الذي ينظر الى دور مرموق في المستقبل، سواء في رئاسة الحكومة مرة أخرى أو رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية وربما دولة فلسطين، يعلم بأن الظروف ممكن أن تكون مواتيه له. فهو يعلم حق العلم بأن المجتمع الفلسطيني مؤطر حزبياً لصالح حركتين سياسيتين، فتح وحماس، ولكنه أستطاع أن يقرأ إستطلاعات الرأي في السنوات الأخيرة بشكل مغاير، والتي أظهرت بوضوح جنوح نسبة كبيرة من المجتمع رافضة لسياسة فتح ولسياسة حماس. حيث أظهرت نتائج إستطلاعات الرأي أن النسبة الأكبر في المجتمع الفلسطيني هم من “لا رأي لهم”، ولقد بلغت في عدة مناسبات أكثر من 30% حسب مركز القدس للإعلام والإتصال، أو حسب المركز الفلسطيني لاستطلاعات الرأي، أما مركز الشرق الأدنى للاستشارات فلقد أوجد في بعض نتائجة أن من لا رأي له أو سوف يمتنع عن التصويت قد بلغت 38%.

بعض العوامل الجانبية يمكن أن تكون مؤثرة لصالح مستقبل فياض أيضاً. فبالإضافة للتغيير في التوجهات لدى بعض فئات المجتمع الفلسطيني لتبني نهج سياسي مغاير لحالة التوهان التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ اكثر من 20 عاماً، فحالة الترهل التي أصابت حركة فتح في السنوات الأخيرة أوجدت إمكانية للإنشقاق في اليوم الأول بعد غياب عباس (مواليد عام 1935). ومن الناحية الأخرى ستبقى حركة حماس خارج السياق وعدم القبول الدولي في ظل وجود تزمت فكري لدى بعض قيادتها. أما بالنسبة لليسار الفلسطيني فلقد أثبت قدرته الوحيدة على الشعارات الرنانة الخالية من المضمون الفعلي على الأرض.

فياض يخرج في أوقات معينة بموقف سياسي بإمتياز، فأثناء الحرب على غزة القى محاضرة نهاية شهر يوليو لعام 2014 أمام مجلس أتلانتيك في واشنطن تحدث فيها حول رؤيته لكسر “الحلقة المفرغة” التي يدور بها الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، محدداً كيفية توظيف الجهد الدبلوماسي الدولي لحل القضية وكيفية معالجة جوهر الخلل في العلاقة بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي المتمثلة في صلاحية وأهلية الاطار من الناحية البنيوية تصلح لإيجاد نهاية النفق، وهو يقصد هنا أطار أسلو.

هذه الرؤية مهدت الطريق لفياض ليظهر على المجتمع الفلسطيني بصاحب رؤية إستراتيجية، ولكنها في نفس الوقت أثارت العديد من المخاوف لدى قيادة حركة فتح بأن المجتمع أصبح ينظر لفياض على أنه إحدى الشخصيات المرشحة لخلاقة عباس، وعليه بدأت الإجهزة الأمنية بالتضييق على طاقم العمل في مؤسسة “فلسطين الغد” في رسالة غير مباشرة له.

مقالة أخرى تداولتها له العديد من وسائل الاعلام في الثامن من شهر مارس لعام 2015 تحت عنوان “الطريق إلى الدولة يبدأ من غزة” أظهر فيها رؤية سياسية شاملة وعميقة، وتناولت جميع القضايا الجوهرية، ونوه إلى كيفية تحويل الضعف الفلسطيني مقابل القوة الإسرائيلية الى أداة تأثير، حيث يرى فياض بأنه إذا ما أريد لمسألة إحلال السلام في الشرق الأوسط أن تستعيد قوة جاذبيتها وسط الموجة الكاسحة من التطرف، من الأهمية بمكان المحافظة على أهم مقوم لعملية السلام ألا وهو الدولة الفلسطينية، ويرى أهمية البدء بغزة، الطرف الأضعف في المعادلة لرفع حالة المعاناة من ناحية، ولضم غزة الى الحظيرة الفلسطينية من ناحية آخرى كشرط أساسي لدرب السيادة. بالإضافة الى تفعيل الإطار القيادي الموحد الذي تم الاتفاق عليه لإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتفعيل المجلس التشريعي المعطل منذ سنوات لكي تتمكن الحكومة الفلسطينية من تأدية مهامها كاملة .

من الملاحظ بأنه تم نشر المقالة بعد عدة أيام فقط من إجتماع المجلس المركزي الذي شارك به شخصياً، ولكن مقالته فُهمت على أنها صيغة رد واضح وصريح على قرارات المركزي التي تجمدت في إطار الأسس التقليدية في القرارات، ولم تخرج برؤية إستراتيجية في ضوء المتغيرات على الأرض.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الأيام ليس متعلق إذ سيعود سلام فياض الى المشهد السياسي أم لا، وإنما متى ستحين الفرصة الذهبية لذلك.