فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / فلسطين / من الماضي الى الحاضر / الحصار / مصر وغزة والأنفاق

مصر وغزة والأنفاق

بعد الحرب العربية الإسرائيلية في 1948-1949، بقي قطاع غزة تحت إدارة مصر العسكرية إلى أن قامت إسرائيل باحتلاله في حرب حزيران/يونيو عام 1967. في تلك الفترة، كان بدو سيناء والفلسطينيون يختلطون من خلال التزاوج والعلاقات الاجتماعية. وانتهى كل هذا بعد تقسيم مدينة رفح الجنوبية الحدودية في أعقاب معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، والتي تركت جزء منها في غزة والآخر في مصر. بعد تنفيذ المعاهدة، تم حفر أنفاق في أقبية المنازل عبر الحدود بين غزة ومصر البالغة 14 كم. عام 1983، اكتشفت إسرائيل النفق الأول.

بعد توقيع اتفاقات أوسلو، بنت إسرائيل حاجزاً مرتفعاً حول قطاع غزة. وأصبح دخول قطاع غزة مراقباً من خلال معابر. لكن عندما اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، قامت إسرائيل بإغلاق المعابر وتدمير ميناء ومطار غزة، مما دفع الفلسطينيين إلى البحث عن بدائل. تم تحديث الأنفاق القائمة لتعويض النواقص التي جاءت كنتيجة مباشرة لفرض إسرائيل رقابة صارمة على حركة السلع والمواد. بعد أن عرف الجيش الإسرائيلي أن الأنفاق كانت تستخدم أيضاً لتهريب الأسلحة، بدأ بهدم المنازل التي فيها الأنفاق. ولاحقاً توسعت عمليات الهدم، مما شكّل منطقة عازلة بين الحدود ومدينة رفح. وفق هيومن رايتس ووتش، بين عامي 2000 و 2004 تم تدمير حوالي 1700 منزل لإقامة منطقة عازلة عرضها 100 م على طول الحدود بين غزة ومصر (ما يسمى بممر فيلادلفيا). بالإضافة إلى ذلك، عند تنفيذ خطة الانسحاب أحادية الجانب من قطاع غزة عام 2005، قامت إسرائيل ببناء جدار ارتفاعه 8 م. دعم نظام مبارك في مصر بناء الجدار وهدم الأنفاق، كما الحماية من أي نوع من النشاط الذي قد يهدد القطاع السياحي المربح على طول البحر الأحمر. وبالإضافة إلى ذلك، خشيت مصر أن تكون نية إسرائيل الحقيقية من وراء انسحابها هو تحميل مصر مسؤولية 1,7 مليون نسمة في قطاع غزة وفصله عن الضفة الغربية، مما يعيق إقامة دولة فلسطينية متكاملة.

في كانون الثاني/يناير عام 2006، وبعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية العامة، ردّت اسرائيل بتشديد مراقبة حدودها منهجياً وفرض حصار شامل على قطاع غزة. أغلقت إسرائيل معبر إيريز أمام عمال غزة الذين يعملون في إسرائيل (70% من القوى العاملة في غزة). كما عمدت إلى إغلاق معبر المنطار، المعبر الرئيسي للسلع في غزة، ومنعت استخدام معبر رفح لحركة المسافرين. دفعت القيود الإسرائيلية المفروضة على التجارة وحركة الأفراد داخل وخارج قطاع غزة، إلى جانب الهجمات الإسرائيلية المنتظمة، بالفلسطينيين إلى حفر أنفاق أعمق وأطول وتحسين بنيتها التحتية. كان يتم نقل تشكيلة واسعة من البضائع عبر الأنفاق – من مواد البناء والمواد الغذائية إلى الأدوية والملابس، ومن الوقود وأجهزة الكمبيوتر إلى الماشية والسيارات. وعلى أساس سنوي، أصبح يتم نقل سلع يتراوح ثمنها بين 500-700 مليون دولار عبر الأنفاق (تقرير مجموعة الأزمات الدولية).

بالنسبة للمهربين، تجلب أعمال حفر الأنفاق معها مخاطر كبيرة. كان الكثيرون يعملون 12 ساعة لستة أو سبعة أيام في الأسبوع، وفي مساحات ضيقة. منذ عام 2006، تسببت  انفجارات الغاز والصدمات الكهربائية وانهيار الأنفاق والغارات الجوية الإسرائيلية بمقتل 232 فلسطينياً وإصابة 597 آخرين بجروح، وفق مركز الميزان لحقوق الإنسان.

بعد سقوط نظام مبارك واستبداله بحكومة الإخوان المسلمين برئاسة محمد مرسي، توقعت حماس حدوث تغيير جذري في السياسة تجاه قطاع غزة. وبالفعل، قام العديد من الوفود المصرية رفيعة المستوى بزيارة غزة، بما في ذلك الزيارة التي قام بها الإخوان المسلمون، تلتها زيارة أعضاء في البرلمان وحزب النور السلفي. في أواخر عام 2011، سُمح لرئيس وزراء غزة، اسماعيل هنية، بمغادرة غزة للمرة الأولى منذ عام 2007، وقام بجولات إقليمية. وسُمح لحماس بفتح مكتب لها في القاهرة ولقاء مسؤولين في وزارة الخارجية والرئيس مرسي نفسه، وليس فقط ضباط المخابرات. وفي شباط/فبراير عام 2012، ألقى هنية خطبة الجمعة في مسجد الأزهر، وكانت خطوة قوية ورمزية لآلاف المصلين في القاهرة.

بعد هجوم على مدنيين إسرائيليين في آب/أغسطس عام 2011 من قبل مسلحين مصريين، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم مقتل ستة جنود مصريين على أيدي القوات الإسرائيلية، تظاهر الآلاف في القاهرة أمام السفارة الإسرائيلية واقتحموها، مطالبين مصر بقطع كافة العلاقات مع إسرائيل. في آذار/مارس عام 2012، وبعد التصعيد الإسرائيلي ضد غزة، أقر البرلمان المصري اقتراحاً بوقف بيع الغاز لإسرائيل وطرد السفير الإسرائيلي والمصادقة على تقرير اللجنة البرلمانية الذي يقترح تغيير مسار عمل مصر مع إسرائيل. بقيت العلاقات متوترة بين مصر وغزة حول حصار غزة – مما خيّب آمال حماس والفلسطينيين.

منذ سقوط نظام مبارك، استغل السلفيون في شبه جزيرة سيناء الفراغ الأمني وصعّدوا المقاومة المسلحة ضد الحكومة المركزية. فقتلوا بعض زعماء القبائل الذين كانوا ينادون بالتعامل مع الحكومة. أهمل لنظام السابق سيناء إلى حد كبير على مدى عقود، فبالكاد شهدت المنطقة أية استثمارات حكومية. وتعاني سيناء من الفقر وقلة الموارد والبطالة.

بدأ السلفيون بمهاجمة المواقع العسكرية في شمال سيناء بشكل منتظم. في 5 آب/أغسطس عام 2012، قتل 16 جندياً مصرياً على الحدود مع غزة. وردّت الحكومة بهجمات قاسية. وفي 24 أيلول/سبتمبر عام 2012، حُكم على 14 سلفي بالموت بتهمة قتل رجال الشرطة المصرية. وفي أيار/مايو عام 2013، تم اختطاف سبعة من رجال الأمن المصري من قبل سلفيين طالبوا بالإفراج عن الذين حُكم عليهم بالإعدام. تم الافراج عن رجال الشرطة بعد جهود وساطة من زعماء القبائل والجيش. وفي محاولة لاستعادة النظام، طلبت السلطات المصرية من إسرائيل السماح للجيش المصري بنشر المزيد من القوات في سيناء.

بالتالي، بدأت وسائل الإعلام المصرية حملة تشويه ضد الفلسطينيين، محملة حركة حماس مسؤولية عدم السيطرة على جانبها من الحدود، مما أثار قلق الفلسطينيين في غزة. ومنذ أن قام الجيش المصري بخلع حكومة مرسي في 3 تموز/يوليو عام 2013، وصلت هذه الحملة الإعلامية ضد الفلسطينيين مستويات غير مسبوقة، إذ روّج مسؤولون على فضائيات مصرية إشاعات، مثل: الفلسطينيون يريدون احتلال سيناء؛ ويتدخلون في شؤون مصر الداخلية؛ ويثيرون الفوضى؛ وحتى أنهم كان وراء الهجمات على قوات الأمن المصرية من قبل مجموعات مسلحة في سيناء. وطالت هذه الادعاءات الفلسطينيين بشكل عام وحماس بشكل خاص.

مما لا شك فيه، تم تغذية الشائعات بتقارير صحفية في 17 حزيران/يونيو عام 2013 – أي قبل أسابيع من الإطاحة بالرئيس مرسي – أفادت أن حماس أرسلت 3000 مسلح إلى مصر لدعم مرسي.

استخدمت مثل هذه الادّعاءات الشعواء لتبرير الجهود المصرية في تدمير الأنفاق بين غزة ومصر، شريان الحياة بالنسبة للفلسطينيين في قطاع غزة في ظل الحصار الإسرائيلي المكثف. قال روبرت سيري، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، في مجلس الأمن الدولي في 24 تموز/يوليو عام 2013 إن 80% من الأنفاق من مصر إلى قطاع غزة “لم تعد صالحة للاستخدام” بسبب الاجراءات الصارمة من قبل الجيش المصري. وأضاف أن قطاع غزة كان يعاني من “نقص كبير في الوقود ومواد البناء الأساسية التي كانت الأنفاق النقطة الرئيسية لدخولها بسبب القيود المشددة على الواردات عبر المعابر الرسمية وارتفاع تكلفة الوقود المتوفر من الضفة الغربية وإسرائيل”. ارتفعت أسعار المواد الغذائية وخلق نقص الوقود طوابير لساعات طويلة.

هناك إجراء آخر اتخذه الجيش فور الإطاحة بحكومة مرسي: حظر الفلسطينيين من دخول مصر عبر مطار القاهرة، فتقطعت السبل بالآلاف منهم في جميع أنحاء العالم، مما منعهم من العودة إلى غزة عبر معبر رفح – نقطة الدخول والخروج الوحيدة بالنسبة للغالبية العظمى من سكان غزة.

أنفاق مصر-غزة
Egypt-Gaza border
أنفاق مصر-غزة
نقل المواد الغذائية غبر أنفاق مصر-غزة Photo HH / اضغط للتكبير

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.