الصفحة الرئيسية / فلسطين / من الماضي الى الحاضر / صفقة المصالحة الفلسطينية تداعب آمال غزة

صفقة المصالحة الفلسطينية تداعب آمال غزة

Palestine- Gaza Strip
فلسطينيون ينتظرون وصول رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله وحكومته في معبر ايريز شمال قطاع غزة. Photo AFP

في الشهر الماضي ( سبتمبر 2017 ) وفي تحول درامي مذهل، تواردت أنباء عن أنه سيتم السماح لحركة حماس بفتح مكتب لها في العاصمة المصرية القاهرة.

ووضع هذا الإعلان الكثيرين في حيرة شديدة، ليس فقط لأن المحاكم المصرية كانت -منذ عامين فقط- على وشك إدراج حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، بل لأن حماس أيضا كانت من قبل قد وُجهت إليها أصابع الاتهام بدعم الجماعات الإرهابية التي تشن حربًا على الجيش المصري والشرطة في منطقة شمال سيناء المتاخمة لقطاع غزة والواقع تحت سيطرة حماس منذ إطاحتها بغريمتها السياسية (فتح) عام 2007.

وعلاوة على ذلك، لم يأت هذا التقارب الواضح بين القاهرة وحماس إلا بوساطة محمد دحلان أحد رموز حركة فتح الذي شغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني السابق والذي كان يومًا عدوا لدودا لحركة حماس نفسها. سنتحدث لاحقا عن محمد دحلان عراب هذه المصالحة.
.
ولكن ما سرُّ هذا التحوُّل؟ تكمن الإجابة في شبكة معقدة من العوامل المختلفة من بينها تقارب المصالح بين مصر وحماس والديناميكيات الحالية للسياسة الفلسطينية وكذلك تغير في موازين القوي الاقليمية.

فمن جانبها، كانت مصر في حاجة إلى شريك أمني يمكن الثقة به على الجانب الأخر من الحدود مع غزة حتى تتمكن القاهرة من رفع كفاءتها القتالية ضد المسلحين الإسلاميين الذين استغلوا الإقليم في تهريب المقاتلين والأسلحة لشن هجماتهم على قوات الجيش والشرطة المصرية. لكن حماس لم تكن أبدًا موضع ثقة بالنسبة للقاهرة نظرا لتبعيتها إلى جماعة الإخوان المسلمين المصرية والتي صنفتها مصر، عقب الإطاحة بالرئيس الإسلاموي محمد مرسي عام 2013، ضمن المنظمات الإرهابية.

بينما كانت ترغب حماس، من الجانب الآخر، في تخفيف الحصار المفروض على القطاع من خلال إعادة فتح معبر رفح الحدودي، ويمثل المعبر شريان حياة لمليوني مواطن يعيشون في غزة ممن لا يمكنهم السفر من أجل تلقي العلاج الطبي أو الدراسة بالخارج إلا عبر مصر. ودائما ما اعتُبر إغلاق معبر رفح، والذي كان بالنسبة لسكان غزة أكثر إيلاما من إغلاق المعابر الأخرى الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، سببًا رئيسيًا لمعاناة القطاع.

وكانت مصر قد شرعت منذ تدشين عملية مكافحة الإرهاب في شمال سيناء عام 2013، في تشديد رقابتها على حدودها مع غزة هادمةً مئات الأنفاق المستخدمة في تهريب البضائع والأسلحة من وإلى القطاع. وظلت تجارة التهريب تمثل حجرًا أساسيًا في اقتصاد القطاع
وإلى جانب الحصار المصري، ساهم رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في تضييق الخناق على قطاع غزة من خلال منع صرف الرواتب إلى موظفي القطاعات الحكومية بقطاع غزة والتوقف عن دفع فاتورة الكهرباء لاسرائيل التي تمد القطاع بالطاقة محاولا إجبار حركة حماس على التخلي عن سيطرتها على القطاع وعلى التصالح مع حركة فتح. وحملت هذه الإجراءات مزيدا من الصعوبات على سكان القطاع، وأثّر انقطاع الكهرباء معظم اليوم على كفاءة توفير المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وجعل إدارة المستشفيات أمرا شبه مستحيل. وثمة عامل رئيسي آخر يُعزى إليه هذا التحول الدرامي؛ وهو ديناميكيات السياسة الفلسطينية نفسها.

ففي مايو 2017، أعلنت حماس عن اعادة كتابة ميثاقها، وهو ما فُسِّر باعتباره قبولا للاشتراطات الأساسية اللازمة لإتمام عملية السلام مع إسرائيل (بما في ذلك الاعتراف بدولة إسرائيل مقابل دولة فلسطينية على حدود 1967)، وهو إجراء اختصر المسافة بين حماس وفتح ومهد الطريق لإتمام مصالحة نهائية بين الجانبين.

وبرز إلى صدر المشهد السياسي الفلسطيني تقدمُ الرئيس عباس في العمر وتدهور حالته الصحية، وهو ما فتح باب التنافس على خلافة جيل عرفات الذي بدأ رحلة الكفاح من أجل قيام الدولة الفلسطينية منذ نصف قرن.

ونعاود الحديث عن رجل الأعمال وقُطب السياسة الفلسطينية، محمد دحلان نفسه، والذي احتفظ بعضويته ضمن طليعة رجال حركة فتح لفترة طويلة وشغل منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي مسبقا وتراكمت بحوذته ثروة هائلة تُقدر بعشرات ملايين الدولارات ودائما ما يُطعن في مشروعيتها. فإثر سيطرة حماس على القطاع، فر دحلان إلى الضفة الغربية ولم يغادرها إلى عام 2011 بعد أن دب الخلاف بينه وبين الرئيس عباس الذي يتهمه بالتآمر عليه للاطاحة به من رأس السلطة.

ومن الإمارات، محل إقامته الجديد، سعى دحلان إلى استعادة دوره السياسي مجددا. وهو ما تزامن مع اندلاع صراع القُوى الإقليمية داخل المنطقة.

وسعت الإمارات، مدفوعة بالسخط على الدعم القطري لحماس وللإخوان المسلمين، وشأنها في ذلك شأن مصر، إلى اتباع سياسة خارجية أشد صرامة بغرض عزل قطر وتقويض نفوذ الإسلاميين في مختلف أنحاء المنطقة. كما أعدت أيضا محمد دحلان نفسه لخلافة عباس في منصبه.

ومع إغراءات أموال النفط الإماراتية، تم التوصل إلى اتفاق بعد أن رضخت حماس الواقعة تحت الحصار إلى مبدأ عودة حكومة وحدة وطنية إلى غزة وهي الخطوة التي فشلت في تحقيقها جهود الوساطة بين الحركتين عدة مرات منذ اندلاع الحرب الأهلية القصيرة بينهما منذ عِقدٍ كامل. ويقال ان الإمارات شرعت في دفع قرابة 15 مليون دولار شهريا لإبقاء القطاع على قيد الحياة من أجل إجهاض فرص لجوئه مجددًا إلى قطر أو إيران.

وبحلول منتصف سبتمبر/أيلول 2017، أعلنت حماس عن شروعها في حل إدارتها تمهيدا لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ولطالما رغبت مصر، التي لم تعترف أبدا بادارة حركة حماس، في تحقيق هذه المصالحة كي تمسك القيادات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بزمام الأمور مجددا في غزة وتؤمن حدودها مع مصر بدلا من القوات التابعة لحماس التي لم تتمتع ابدا بثقة النظام المصري.

وقد يسهم نجاح هذه الصفقة في إعادة تقديم دحلان في زيّ الرمز السياسي الموثوق به وأيضا في تهدئة الوضع داخل شبه جزيرة سيناء المجاورة للحدود مع القطاع. بل وقد يتمكن دحلان من إعادة تسويق نفسه في ثوب المنقذ الوطني للقطاع الذي شهد مولده ونشأته الأولى. ومع ذلك تظل قدرته في الفوز على باقي أقطاب حركة فتح في الضفة الغربية، خلال المنافسة المحتومة على خلافة عباس، رهانًا غير محسوم.

وقد تعثرت كافة الجهود السابقة لحل الخلاف بين فتح وحماس أمام إشكالية حفظ الأمن والنظام والسيطرة على معابر القطاع, إذ لا ترغب مصر ولاإسرائيل في رؤية استمرار سيطرة حماس عليها. والسؤال المطروح هنا هو مدى استعدادية حماس، التي شكلت جيشًا صغيرا بالفعل داخل قطاع غزة، لتفكيك وتسريح عناصرها المسلحة. وسريعًا ما بدأ معارضو الاتفاق في التساؤل حول قدرة حماس على فعل ذلك دون أن تفقد سمعتها ومصداقيتها باعتبارها حاملة راية الكفاح المسلح ضد إسرائيل.

وحتى الآن لا يبدو أن المصالحة ترتكز على توافق بين المصالح الاستراتيجية بقدر كونها زواج مصلحة بين الفريقين. أو يمكننا القول بأنها اتفاق قد ينفرط عقده مع أي تغير قد يطرأ بخريطة التحالفات الاقليمية الهشة أو بمصالح الأطراف المتنافسة على المدى القريب، وهو ما اعتدناه من رمال السياسة المتحركة في الشرق الأوسط.

image_pdfimage_print