الصفحة الرئيسية / فلسطين / من الماضي الى الحاضر / مسيرة العودة الكبرى في غزة: صرخة للعالم

مسيرة العودة الكبرى في غزة: صرخة للعالم

Palestine- March of Return
فلسطينيون في غزة يسيرون أمام الخيمة التى تم تشييدها على طول الحدود مع اسرائيل احياءً لذكرى يوم الأرض. Photo AFP

قبل حلول الذكرى السنوية لنكبة الشعب الفلسطيني في 15 مايو، الذي يُصادف مرور سبعين عاماً على احتلال اسرائيل للفلسطينيين، شرع الغزييون بموجةٍ جديدة من المقاومة.

فقد أقيمت “مسيرة العودة الكبرى” في 30 مارس 2018 إحياءً لذكرى يوم الأرض الذي تعود أحداثه لعام 1976، احتجاجاً على مصادرة إسرائيل للأراضي الفلسطينية لإقامة المستوطنات، والتي قُتل فيها 6 متظاهرين فلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي.

وتم تصوير المظاهرة الأخيرة، التي شهدت زحف عشرات الآلاف من الغزيين إلى الحدود مع اسرائيل، باعتبارها مظهراً من مظاهر المقاومة السلمية التي من شأنها توحيد مختلف الفصائل والجماعات الإجتماعية في القطاع المحاصر الذي يأوي مليوني نسمة. بيد أنه سرعان ما تحولت المظاهرة من السلمية إلى العنف، حيث فتح القناصة الإسرائيليون نيرانهم باتجاه المتظاهرين العزل مع اقتراب مجموعة من الشباب من السياج الحدودي، بعد أن ألقوا الحجارة وحاولوا رفع العلم الفلسطيني هناك. وعليه، قُتل 18 فلسطيني وجرح أكثر من ألف، في واحدٍ من أسوأ الأيام عنفاً في غزة منذ الهجوم الاسرائيلي على القطاع في عام 2014.

وأصر المحتجون ومسؤولون من حماس أن الضحايا كانوا عزلاً دون أي سلاحٍ وأنهم قتلوا بدمٍ بارد. في حين وصف الجيش الاسرائيلي الاحتجاجات بـ”أعمال الشغب العنيفة،” حيث زعم أيضاً أن “عشرة إرهابيين معروفين، لديهم سجلات في النشاط الإرهابي قتلوا اليوم أثناء تنفيذهم أعمالاً إرهابية.”

كما دعا مسؤولون في الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي إلى إجراء تحقيقٍ بالوفيات، إلا أن المسؤولين الإسرائيليين تجاهلوا الأمر. وقال أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي، عبر الإذاعة العامة الاسرائيلية، “من وجهة نظرنا [ الجيش الاسرائيلي]، فإن الجنود فعلوا ما كان يجب عليهم فعله.”

وقال المنظمون أن الاحتجاجات على السياج الحدودي مستمرة حتى 15 مايو، عندما سيحاول المحتجون عبور الحدود، وهو عملٌ سيؤدي بالتأكيد أيضاً إلى رد فعلٍ عنيف من قبل الجيش الاسرائيلي.

ولم تكن هذه المرة الأولى، فقد حصلت في السابق احتجاجاتٌ حدودية، ففي مايو 2011، خرجت حشودٌ من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة ولبنان وسوريا إلى السياح الحدودي، كما قامت مجموعة صغيرة منهم باختراق الحدود في مرتفعات الجولان المتنازع عليها، وأسفرت هذه الاحتجاجات أيضاً عن مقتل أكثر من عشرة أشخاص.

Palestine- Gaza Strip
أقارب الشهيد حمدان أبو عمشة، الذي قتله الجنود الاسرائيليون أثناء مسيرةً أقامها الغزيون بالقرب من الحدود الإسرائيلية في ذكرى يوم الأرض، يبكون أثناء تشييع جثمانه في بيت حانون، شمال قطاع غزة، في 31 مارس 2018. Photo AFP

فقد تصاعدت حدة التوتر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ ديسمبر 2017، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اعتراف بلاده بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل سفارتها إلى هناك. وفي غزة، التي ترزح تحت حصارٍ إسرائيلي ومصري لأكثر من عقد من الزمان، فإن الوضع خطيرٌ للغاية، كما تفاقم في ظل الخلاف بين فتح – التي تسيطر على السلطة الفلسطينية– وحماس، مما أسفر عن اتخاذ تدابير عقابية من قبل السلطة ضد حماس.

وعلى الرغم من اتفاق المصالحة الذي تم التوصل إليه بين فتح وحماس في أكتوبر 2017، ذكرت تقارير الأمم المتحدة عن “تحسن هامشي فقط في الوضع الإنساني،” مع استمرار النقص في الكهرباء ومياه الشرب والرعاية الطبية.

فقد بدأت المناقشات حول تنظيم احتجاجٍ جماهيري على الحدود منذ بضعة أشهر، الأمر الذي جمع جيلاً جديداً من النشطاء الشباب مع ممثلي الفصائل السياسية والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. انضمت هذه المجموعات معاً لإنشاء لجنةٍ تنظيمية، تتألف من “مجموعة من الفصائل والمؤسسات الوطنية والإسلامية من الأراضي المحتلة والشتات،” وفقاً لتقرير مجموعة الأزمات الدولية.

وبحسب التقرير، فقد قال المنظمون، إنه “أصبح من غير الممكن اليوم [بالنسبة للفلسطينيين] وبما لا يقبل الجدل، أن يحققوا أهدافهم الوطنية من خلال وساطة الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي.” وأضاف التقرير أيضاً “المسيرة محاولةً من الفلسطينيين لتولي زمام الأمور بأنفسهم وتشكيل مصريهم، وينعكس ذلك في محاولاتهم القيام بذلك في الإنتفاضتين الأولى والثانية.”

وقال باسم نعيم، وزير الصحة السابق في حكومة حماس ومستشار العلاقات الدولية السابق لرئيس الوزراء في غزة، إن الاحتجاجات السلمية ليست “بديلاً عن جميع المسارات الأخرى،” إلا أنها إحدى الوسائل لجذب الانتباه إلى المحنة التي يعانيها الشعب في غزة على أمل تحفيز العمل الدولي.

وقال لنا في فَنَك: “هذه واحدة من الأدوات التي يمكن أن تضغط على اسرائيل، والتي يمكنهم من خلالها، وبشكلٍ سلمي، أن يظهروا للمنطقة أو المجتمع الدولي الظلم الذي يعيشونه في غزة وفي فلسطين بشكل عام.”

Palestine- Land Day Palestine
غزيون يؤدون صلاة الجمعة في الخيمة االتى تم إنشاؤها ضمن مظاهرات احياء ذكرى يوم الأرض بالقرب من الحدود مع اسرائيل، شرق جباليا. Photo AFP

وقال نعيم إن احتجاج يوم الجمعة كان مظاهرةً سلمية جمعت “الرجال والنساء وكبار السن والأطفال وممثلي جميع الفصائل، وجميع الفئات الاجتماعية.” وعلى الرغم من نهج المواجهة الذي اتبعه بعض المتظاهرين، بما في ذلك حرق الإطارات وإلقاء الحجارة، إلا أنه يشدد أن أياً منهم لم شكل تهديداً للقوات الإسرائيلية.

ومع ذلك، قال إن استعراض الجنود الاسرائيلين للقوة كان أمراً متوقعاً “إذ أنهم يفعلون ذلك منذ عقود.” وعلى الرغم من سقوط قتلى، إلا أن نعيم أضاف أن الغزيين سيواصلون التظاهر لأن “ليس لدينا ما نخسره. إما أن نغيّر وضعنا ولكننا لن نموت بصمت.”

إلا أن أسامة عنتر، المحاضر في جامعة غزة والذي شارك أيضاً في الجدل حول تنظيم مثل هذه المظاهرات، لام المنظمين- وبخاصة حماس وغيرها من الفصائل السياسية- لفشلها في السيطرة على الحشود وضمان عدم سقوط أي ضحايا، إذ قال “كان من المفترض أن تكون حصيلة هذه المظاهرة صفر- دون أي قتلى أو جرحى.”

وأضاف أنه لضمان سلمية الحدث، كان من المفترض أن يبقى جميع المتظاهرين على بعد 700 متر من السياج الحدودي، مع تقليص المسافة تدريجياً في المظاهرات التالية إلى أن يتم أخيراً اتخاذ القرار بشأن محاولة العبور. إلا أن المنظمين أساءوا تقدير درجة الإحباط التي يعاني منها الشباب ضمن الحشد، على حد قوله.

وتابع قوله “كانوا يظنون أن بإمكانهم السيطرة على الشباب. إلا أن هذا لم يحصل. كانوا يظنون أن بإمكانهم إيصال رسالة سلمية، إلا أن هذا لم يحصل أيضاً… هؤلاء الشباب متعطشون للحرية. هؤلاء الشباب متعطشون جداً للخروج. يتملكهم شعورٌ أنهم يقبعون في سجنٍ كبير مفتوح وسيحاولون الخروج من هذا السجن. لهذا السبب، ليس من السهل السيطرة على هؤلاء الشباب.”

يبدو من الواضح أن من الصعب اليوم إيقاف الزخم الذي بات يتراكم، ومع ذلك، يبقى أن نرى الأثر النهائي لمثل هذه المظاهرات، وإذا ما كان المنظمون سينجحون في تسخير الغضب على شكل مقاومةٍ سلمية أم أن التصعيد سيكون سيد الموقف مجدداً ويتحول إلى مواجهةٍ مسلحة.

image_pdfimage_print