تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الفلسطينيون بعيدا عن السياسة

الفلسطينيون
صورة تم التقاطها يوم 1 فبراير 2009 لصبي فلسطيني وهو يتناول الخبز بالقرب من حطاب بعض المنازل التي تم تدميرها أثناء الهجوم الذي شنته إسرائيل لمدة 22 يوماً على جباليا شمالي قطاع غزة. المصدر: MOHAMMED ABED/ AFP.

ماجد كيالي
أحوال الفلسطينيين تبعث على القلق وتثير المخاوف أينما كانوا. يحصل هذا في إسرائيل، وفي الضفّة والقطاع، وفي بلدان اللجوء المتعدّدة والمختلفة عن بعضها.

ثمة مصادر عديدة لهذا وذاك، أولها، وجود إسرائيل على حساب الفلسطينيين. وثانيها، حال التمييز والحرمان والتهميش التي يتعرّضون لها في بلدان اللجوء. وثالثها، يتعلق بواقع الترهّل المعشعش في كياناتهم السياسية، المتمثّلة بمنظمة التحرير والسلطة والفصائل، مع ضياع مشروعهم للتحرّر الوطني؛ في عبثية المفاوضات وشبهات الفساد والتنازع على السلطة.

لكن الفلسطينيين هؤلاء ليسوا بمثابة كائنات سياسية فقط، أو مجرّد قضية أمنية فحسب، أو حالة ديمغرافية فائضة كما قد يرى البعض، فهم بشر من لحم ودم وأعصاب، يحتاجون ما يحتاج غيرهم، ويكابدون ما تكابده المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها؛ وإن كان ثمة فائض معاناة لديهم بسبب ظروفهم.

هكذا يكابد الفلسطينيون، كغيرهم، من ارتفاع نسبة الفقر والبطالة وندرة فرص العمل، ومن سوء ظروف السكن، ومن التهميش وانعدام المساواة، لكنهم فوق ذلك يعانون، أيضاً، من إجراءات إسرائيل العنصرية والاحتلالية والقمعية (في الداخل)، في حين إنهم في الخارج، في عديد من بلدان اللجوء، يعانون من إجراءات التمييز والتهميش والإقصاء على اختلاف مستوياتها، فهم محرومون من الكيانية السياسية، ومكانتهم القانونية أينما كانوا غاية في الهشاشة، أما هويتهم الوطنية فهي عرضة للتهميش أو التفكيك أو الامحاء، وهذه ليست تفصيلات فائضة عن الحاجة لمجموعة بشرية تقدّر بعشرة ملايين نسمة، بات لها على هذه الحال أزيد من ستة عقود.

معضلة الفلسطينيين أنه ليس ثمة جهة كيانيّة محدّدة معنيّة بحلّ المشكلات أو الظواهر الاجتماعية السلبية التي يعانون منها، فالدول التي يعيشون فيها لاتجد نفسها معنيّة بحل مشكلاتهم أو تسهيل أوضاعهم، والسلطة بدورها لاتتمتّع بمكانة قانونية تتيح لها ذلك، لاسيما مع تهميش منظمة التحرير، هذا دون أن نتحدث عن لامبالاة القيادات الفلسطينية بهذه المشكلات، بالنظر لانهماكها بتعزيز مكانتها كسلطة واستغراقها بملف المفاوضات والمنازعات الفصائلية.

هذا ينطبق، مثلا، على قضية وثائق السفر التي يحملها اللاجئون الفلسطينيون، فالدول التي تصدر هذه الوثائق لاتجد نفسها معنيّة بتعزيز مكانة هذه الوثيقة لدى البلدان التي لاتوليها الاعتراف اللائق بها، أما القيادات الفلسطينية فهي لاتبالي البتّة بهذا الأمر. المفارقة أن هذا يحصل في الدول العربية تحديدا، في حين أن الأمر بالنسبة للدول الأجنبية يبدو أسهل. فضلاً عن ذلك ثمة مجموعات كبيرة من الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان لاتحمل أية وثيقة سفر، بحيث بات يمكن احتسابها ضمن فئة ال “البدون”! هؤلاء يعيشون وكأنهم غير موجودين، وهم محرومون من الحقوق الأساسية، ومن العيش كأدميين، ففي حالات كثيرة، ثمة من هؤلاء من لا يستطيع تسجيل أولاده في المدارس ولا إجراء معاملات الزواج ولا السفر ولا التملّك ولا العمل! وفي وضع كهذا ما الذي يمكن توقّعه من هؤلاء؟

ليس التعاطي مع هذه الظاهرة معجّزة فهي لا تحتاج إلا إلى سعة أفق، وبعض معايير إنسانية لدى الدول المعنية لمنح هؤلاء وثيقة سفر، كما تحتاج من القيادات الفلسطينية إلى بعض مسؤولية وطنية وأخلاقية في التعاطي مع مشكلات شعبها، فما الذي يمنع السلطة من منح أفراد هذه المجموعات وثائق سفر فلسطينية؟

الأنكى أن هذه المشكلة باتت تشمل الفلسطينيين في الضفة والقطاع، فبالنظر للتناحر بين سلطتي الضفة وغزة باتت مسألة منح جوازات السفر، والسماح بالخروج والدخول، تستخدم في المنازعات بين طرفي السلطة (فتح وحماس)، لكأن الفلسطينيين لايكفيهم ما يعانوه من حصار إسرائيل وجدرانها وحواجزها، أو من قيود على تنقلاتهم وعلى دخولهم وخروجهم إلى هذا البلد العربي أو ذاك!

أيضا، بات ثمة في المجتمع الفلسطيني ظواهر أخرى سلبية وخطيرة ضمنها شيوع سلوكيات الفوضى والعنف والتطرّف والحطّ من مكانة المرأة، إذ شهدت الأراضي المحتلة، في الأشهر القليلة الماضية، عديدا من تلك الحوادث التي هزّت الرأي العام، وكانت بمثابة جرس إنذار لابد من التنبّه إليه.

على ذلك فإن الاحتلال والعنف والحرمان، والتهميش، والضياع، يفضي إلى ظواهر خطيرة، وضمنها تخريب المجتمع وتفكيكه، وتخريب نفسية الأفراد، لذا يجدر الانتباه إليها جيدا، فالسياسة ليست مجرد فعل ينطوي فقط على اجتماعات ومهرجانات ومؤتمرات ومفاوضات، فالسياسة هي أيضا علم إدارة المجتمعات، وعلم استثمار الموارد البشرية للمجتمع، ومن لا يستطيع النجاح، أو لا يؤسس للنجاح في هاتين المسألتين، سيواجه إخفاقات في المجالات الأخرى، وهذا ينطبق على حركات التحرر الوطني، مثلما ينطبق على الدول.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.