تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

السويداء.. بين النظام والمعارضة والطائفة

السويداء
صورة تم التقاطها يوم ٤ سبتمبر ٢٠٠٩ لفلاح سوري أثناء الترحيب بالرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز في السويداء، وذلك على بعد ١٠٠ كم جنوب دمشق. المصدر: Louai Beshara / AFP.

حسين الزعبي

تصدرت السويداء “جنوبي سوريا” المشهد في البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية إثر الاحتجاجات التي شهدتها المحافظة، وهي احتجاجات دافعها الرئيس الحالة المعيشية التي وصلت إلى مستويات متدنية في عموم سوريا، وفي السويداء الفقيرة أصلا بشكل خاص، فالمحافظة لا تعد من المحافظات الزراعية فهي تضم مناطق وعرة وأخرى جبلية بالإضافة إلى مناطق زراعية محدودة، كما أنها ليست بالمدينة التجارية، ويمكن القول إن السويداء، شأنها شأن جارتها درعا، مدينة ريفية وإن كانت الأخيرة تملك مساحة زراعية أوسع وكذلك مصادر مياه جوفية أوفر مقارنة بالسويداء.

وفق هذا الواقع فإن نسبة لا بأس بها من أبناء المحافظة اختارت الاغتراب وبشكل خاص إلى فنزويلا، فيما تعتمد الشريحة الأوسع على العمل الوظيفي، وهذا الأخير وإن كان يقي شر العوز في فترة ما قبل الحرب، إلا أنه ليس كذلك الآن بعد انهيار قيمة الليرة، فراتب الموظف وفق الأسعار الحالية لا يتجاوز الأربعين دولار أمريكي أو أقل من ذلك وفقا للدرجة الوظيفية، ولعل هذا الوضع الاقتصادي هو أحد أسباب انتشار ظاهرة الخطف مقابل فدية في المحافظة.

حساسية النظام.. وحساسية المعارضة

الاحتجاجات السلمية المطلبية المتعلقة بلقمة العيش، لم ينظر إليها النظام ببراءة، وهذا شأنه في التعامل مع أي احتجاج، فكثف من وجوده الأمني داخل المدينة ودفع بقوات عسكرية إلى ريفها المدجج أصلا بالقطع العسكرية التي كانت تستخدم لضرب جارتها الغربية محافظة درعا.

بالمقابل حملت المعارضة هذه الاحتجاجات ما لا تحتمل إذ تم النظر إليها من زاوية “ثورية كلاسيكية”، مع وجود نزعة “شماتة” يمكن ملاحظتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت إحدى وسائل القياس التقريبي للرأي العام السوري بحكم حالة الشتات التي يعيشونها، هذه النزعة تذهب في طرحها إلى أن ما حصل في السويداء من تداعٍ اقتصادي إنما هو بسبب النظام الذي لم تنتفض السويداء ضده كما فعلت مدن سورية كثيرة وبالتالي عليهم أن يدفعوا ثمن هذه الموالاة، رغم أن السويداء لم تكن موالية مثلما لم تكن معارضة أيضا. و”الانتماء الثوري” فيها اقتصر على محاولات فردية كثيرة مثلها مثقفون وقلة من العسكريين، مثل خلدون زين الدين الذي كان يقاتل مع مجموعته في درعا إلى جانب المناهضين للنظام وقتل هناك..

السويداء لم تكن جزءا فاعلا من “العمل الثوري” لأسباب لها علاقة بطبيعة النظام وطريقة تعامله مع الاحتجاجات منذ بدايتها في العام 2011، وبالصورة التي سوقها عن الحراك السلمي، وكذلك بطبيعة الحراك نفسه الذي اتخذ فيما بعد مسارات عنفية.

في هذا السياق السياسي جبر الشوفي وهو من أبناء السويداء يرى أن من أسباب عدم انخراط المحافظة بالحراك ضد الاسد: “عدم نضج العوامل الموضوعية والذاتية للثورة، فالطابعان العفوي والريفي الغالبان عليها منذ البداية، نحوا بها إلى حصرها بالأكثرية الاجتماعية السنية المحتقنة بثارات مختزنة منذ الستينات والثمانينات وبالشحن المذهبي ضد سلطة ذات طابع فئوي علوي”.

يضيف الشوفي: “هذه المواجهات ذات الطابع الطائفي طفت على الوعي السياسي في القاع المجتمعي لكل الطوائف غير السنية، اقتصر حراكها على النخب السياسية والشبابية التي لا خيار لها إلا أن تقف مع شعبها بغض النظر عن مدى إيمانها بإمكانية الانتصار”.

أما الصحافي فخر الدين فياض وهو أيضا من أبناء السويداء فينقل مشاهداته عن واقع السويداء وواقع جارتها حوران في ربيع العام 2012 “رغم الدم والقتل والترويع والخراب التي تملأ العديد من المدن والقرى في درعا، فإنهم ينظرون بعين وطنية مدنية إلى التنوع الديني والطائفي والعرقي في سوريا، لا مشكلة مع جيرانهم الدروز مثلاً”. وينقل عن أهالي المحافظة الجار قولهم “أهلنا وجيراننا، نتمنى أن يهبّ الجبل لمساندة الثورة، لكننا نجد لهم العذر، نعرف أن النظام يتشبث بالأقليات الآن، ويضع ثقله في مناطقهم حتى لا تفلت تلك المدن من يده، يريد لكذبته الطائفية أن يصدقها أحد”.

ويضيف “في السويداء لم تتشكل حاضنة اجتماعية للثورة بسبب الخوف من القمع الهمجي الذي مارسه النظام منذ اللحظات الأولى وأراد بذلك إيصال رسالة إلى جميع فئات الشعب السوري أن مصيركم القتل.. ويبدو أن الرسالة وصلت إلى أقليات المجتمع السوري، الدينية والمذهبية والعرقية، وحتى أقلياته الطبقية تجار حلب ودمشق على سبيل المثال، والدروز تلقوا الرسالة جيداً آنذاك، تمسّكوا بالنظام خوفاً من آلة قتل لا يردعها معيار إنساني أو وطني وربما أرادوا التغيير بدون دفع الثمن”.

مذهب الموحدين الدروز، هو المذهب السائد في المحافظة، تشير بعض المصادر إلى أن الدروز هم إثنية دينية عربية تدين بمذهب التوحيد وهي ديانة إبراهيمية، وتوحيدية، وعرقية؛ ذات التعاليم الباطنية وتعود أصولها إلى مذهب الإسماعيلية في الدولة الفاطمية بالقرن العاشر. يقدّس الدروز، بحسب المصادر، النبي شعيب أحد أنبياء العرب، الذي يعدونه المؤسس الروحي والنبي الرئيسي في مذهب التوحيد. والمذهب التوحيدي قائم على تعاليم حمزة بن علي بن أحمد والخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله. وتذكر بعض الأبحاث أن الطائفة الدرزية تأسست في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي 1020م، على يد محمد بن إسماعيل الدرزي، ولكن بعضها ذكر أن المؤسس الفعلي هو حمزة بن علي بن محمد الزَّوزَني وهو من وضع كتبهم الدينية، وأن الرجلين اختلفا، فهاجر الأول “محمد بن إسماعيل الدرزي” إلى بلاد الشام، واشتهرت الطائفة باسمه، لكن الدروز لا يفضلون هذه النسبة.

الحياد المسلح..

تبنت السويداء مع تطور الأوضاع الميدانية وتعقيدها بتصدر تنظيم الدولة “داعش” للمشهد، موقفا يمكن أن نطلق عليه الحياد المسلح والذي تمثل بحالتين: الأولى تشكيل مجموعات مسلحة لا سيطرة للنظام عليها قدمت نفسها كمجموعات مهمتها حماية السويداء من أي هجوم تتعرض له من قبل تنظيم داعش أو غيره، وأشهرها مجموعة “رجال الكرامة” التي تتهم النظام باغتيال مؤسسها وحيد البلعوس، وهي بقيت ملتزمة بهذا التوجه فلم تشتبك مع قوات النظام المتواجد في السويداء كما لم تشتبك مع فصائل الجيش الحر في حينه في درعا المجاورة.

أما الحالة الثانية، فهي امتناع نسبة كبيرة من الشباب في المحافظة عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية خارج محافظتهم.

النظام بدوره لم يكن راضيا عن واقع المحافظة، لكنه لم يكن يملك إلا أن يعاملها معاملة خاصة لعدة أسباب أولها أنه لم يكن بحاجة لتوسيع جبهة الجنوب فدخوله في حرب مع السويداء يعني أن تصبح محافظات الجنوب الثلاث “درعا، القنيطرة، السويداء” جبهة واحدة وهذا كان من شأنه أن يضعه في موقف حرج جدا ويكشف ظهر دمشق.

كما أن استهداف السويداء عسكريا بما تمثله من معقل من معاقل “الأقلية الدرزية” من شأنه أن يفقده ذريعة حماية الأقليات. ولعل السبب الأهم هو إثارة غضب الدروز في إسرائيل فهم يشكلون ثقلا في القوات الإسرائيلية لاسيما في منطقة الجولان، وتربطهم علاقات أسرية وثيقة مع الدروز في السويداء، ولعل هذا بدا واضحا من خلال زيارة رئيس طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف إلى موسكو مؤخرا لينقل للقيادة الروسية مطالب المحتجين في مدينة السويداء باعتبار أن روسيا الدولة الفاعلة الأولى في مناطق سيطرة النظام السوري.

وبالعودة إلى الاحتجاجات الأخيرة التي، بطبيعة الحال، انخفضت وتيرتها، لأنها لم تتلق دعما من رجال الدين باستنثاء الشيخ حكمت الهجري فالزعامات الدينية والتقليدية لم تبد أي موقف إزاء الاحتجاجات، بل ذهب بعض المقربين من النظام إلى تحميل مسؤولية الأزمة الاقتصادية للعقوبات المفروضة على النظام فيما ذهب آخرون للحديث عن مؤامرة! إلا أن منظمي الاحتجاجات يصرون على الاستمرار ولو لم يتحقق الزخم الذي من شأنه أن يحدث التغيير في واقعهم الاقتصادي..

المسألة لم تنته في السويداء، شأنها شأن كل القضايا المتعلقة في سوريا التي يمكن أن تقبل كل السيناريوهات..