تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الانتخابات الإيرانية: ماذا يعني فوز إبراهيم رئيسي لبلاده وبقية العالم؟

فوز إبراهيم رئيسي
صورة تم التقاطها يوم ١٩ يونيو ٢٠٢١ لرجل يحمل العلم الإيراني وامرأة تحمل صورة الرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي، حيث احتفل أنصار رئيسي بانتصاره في ساحة الإمام الحسين في العاصمة طهران. المصدر: ATTA KENARE / AFP.

 

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على تداعيات فوز الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي على سياسات الجمهورية الإسلامية. ويقوم صاحب المقالة آرشين أديب مقدم، وهو أستاذٌ جامعي مختص في الفكر العالمي والفلسفات المقارنة بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، باستعراض جوانب الطابع السياسي المحافظ الذي سيعتمده رئيسي في قادم الأيام.

ويبدأ مقدم مقالته بالإشارة إلى ترقب العالم للانتخابات الإيرانية التي أفرزت عن فوز رئيسٍ جديد. ويرى مقدم، أن انتخاب إبراهيم رئيسي، المنتمي للتيار اليميني المتشدد، ليحلّ محل الرئيس الأكثر اعتدالاً حسن روحاني، هو خبرٌ عالمي مهم.

ورئيسي، بحسب مقدم، خيارالدولة العميقة المحافظة اجتماعياً والمناهضة للإصلاح السياسي في إيران. ويشمل هذا الجوهر الإيديولوجي للدولة قوات الحرس الثوري الإسلامي القوية والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، الذي يحتل مركز النظام السياسي الإيراني المعقد.

ويرى صاحب المقالة أن رئيسي لم يكن ليفوز في هذه الانتخابات لولا قيام مجلس صيانة الدستور، الذي يفحص مدى صلاحية المرشحين دينياً وسياسياً، بإقصاء عدد من المنافسين له. ونتيجة لهذه العملية المنحرفة، لم يبق في هذا السباق الانتخابي سوى مرشحين “إصلاحيين” ضعيفين.

وكانت مساحة الاختيار محدودة للغاية في هذه الانتخابات على وجه الخصوص، ما عاد بالنفع على رئيسي ومعسكره المحافظ. وسبق لرئيسي خسارة انتخابات عام 2017 أمام الرئيس السابق روحاني، الأكثر براغماتية، بهامش حاسم.

بعد قول هذا، أقنع رئيسي 17.9 مليون إيراني بأنه المرشح المناسب. لكن حجم المشاركة في الانتخابات، التي بلغت 28.9 مليون ناخب أو 48.8% من قاعدة الناخبين، هي أدنى نسبة مشاركة انتخابية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية بعد اندلاع الثورة عام 1979.

ويرجع هذا إلى عاملين. ويكمن السبب الأول في حالة الإحباط الموجودة تجاه إدارة روحاني والسياسيين المنتمين لتيار يسار الوسط (أو الإصلاحيين)، الذين يمثلون جوهر الكتلة الداعمة له، وعلى وجه الخصوص، تجاه نفاقهم بشأن الإصلاح الاجتماعي وعدم كفاءتهم المتعلقة بالسياسات الاقتصادية.

أمّا العامل الثاني، فيعود إلى قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2018 بالانسحاب من اتفاق إيران النووي مع الغرب ومد العقوبات. وأدى هذا القرار إلى إفقار الطبقة المتوسطة الإيرانية، التي تمثل القاعدة الانتخابية المناصرة للإصلاحيين. وفي ظل هذه الظروف، لم يكن لدى المرشح الوحيد الممثل لمعسكر الإصلاحيين أيّ فرصة للفوز.

وتعد هذه القصة مشابهة لما حدث في الانتخابات التي فاز بها محمود أحمدي نجاد في عام 2005. وكان أحمدي نجاد، السياسي المحبوب لدى التيار اليميني في 2005، قد تمكن من الفوز إلى حد كبير بسبب عدم استجابة الولايات المتحدة وأوروبا لمقترحات المفاوضات، التي كان يقدمها الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (1997-2005). وفي كلتا المناسبتين الانتخابيتين، كان من السهل على تيار اليمين الإيراني تصوير الإصلاحيين باعتبارهم خونة لمبادئ الجمهورية الإسلامية وحمقى غير وطنيين.

العزوف عن المشاركة الانتخابية

لوحظ على نطاق واسع أنّ حجم المشاركة في انتخابات العام الحالي هي الأدنى في تاريخ الدولة. ولا يمكن أن نعزي هذا فقط إلى جائحة كورونا. وبدلاً من هذا، يعكس حجم المشاركة المنخفض حالة إحباط طويلة الأمد بين العديد من الإيرانيين تجاه المؤسسة السياسية، التي تخدم مصالحها، ومرشحيها.

لهذا، يعد عدم التصويت، شكلاً من أشكال الاحتجاج والمقاومة ضد الشعارات الجوفاء والسياسات غير الليبرالية للدولة – بتياريها اليميني واليساري. وتعد عدم المشاركة في انتخابات بها خيارات محدودة تصويتاً لصالح المقاومة المدنية. وبالنسبة للعديد من الإيرانيين، ليس لدى المرشحين سوى معرفة ضئيلة واعتراف ضعيف بالمصائب السياسية والاجتماعية في إيران.

وفي إيران مثل أي مكان آخر، ينبع الإصلاح الحقيقي من المجتمع المدني، أي من هؤلاء الذين يوظفون القوة غير الرسمية للاعتراض على السياسات الرسمية. في كتابي الأخير، ما هي إيران؟”، أجادل بأن ما نشهده يمثل حراكاً تعددياً. ويُفرض التغيير في إيران دوماً على الدولة من أسفل لأعلى.

وتعد موجات التظاهر المتجددة، التي بدأت أحدثها في 2019 وانتهت قبل تفشي جائحة كوفيد مباشرة، مؤشراً جيداً على أن الإيرانيين يواصلون التعبير عن مطالبهم. ويعد مقياس سقف الحرية، الذي رفعه ثوار عام 1979 للغاية، دافعاً تاريخياً حقيقياً لهذا الحراك نحو التغيير، حتى بين ما يطلق عليهم “المتشددين”.

لا مبالاة في الداخل، وخوف في الخارج

عندما تولى أحمدي نجاد منصب الرئاسة في 2005، قال المعلقون الإسرائيليون ساخرين إن وكالة الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد” لم يكن ليضع مرشحاً أفضل منه في البلاد، إذ أن المواقف المتهورة لأحمدي نجاد أدت إلى تدهور صورة إيران عالمياً. وعلى نفس المنوال، شعر العديد من الإيرانيين (على نحو صحيح) بأن انتخاب دونالد ترامب سيؤدي إلى زعزعة استقرار الولايات المتحدة.

ويعد هذا مشابهاً للوضع الحالي في ظل فوز رئيسي. وبطريقةٍ تثير السخرية، فإن حلفاء رئيسي السياسيين في الدولة العميقة، ومنهم قوات الحرس الثوري الإسلامي، يرجحون أن يساهم رئيسي بدوره في إضعاف الدولة الإيرانية، علماً بأن هذا الأمر سينسحب على المؤسسات التي مهدت الطريق لانتخاب رئيسي. وإذا ما نظرنا إلى رئيس كشخصية سياسية، فإننا سنرى مدى افتقاده إلى الشرعية والفطنة الضروريتين لتوحيد المشهد السياسي المنقسم في إيران.

وظهر للعيان إدراك آية الله خامنئي لهذا الخطر عندما قال أثناء التحضيرات الانتخابية إن بعض المرشحين لم يعاملوا بعدل. ويبدو أنه كان حذراً من لا مبالاة الناخبين، التي عمقتها مؤهلات المرشحين.

وكان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السابق آية الله روح الله الخميني مدركاً لأهمية الشرعية الشعبية للنظام. ومقارنة بالخميني، فإن خامنئي يبدو كمدير تنفيذي بائس لتكتل سياسي بحسب ما يراه مقدم. وفي هذه المناسبة، أدى النظام الذي كان من المفترض أن يروّج له إلى نتيجة إشكالية.

وبطبيعة الحال، فإن خامنئي لا يمكن أن يغفل عن حقيقة اتهام رئيسي بالتورط في بعض من أسوأ فظائع حقوق الإنسان في إيران وأنه سياسي مثير للانقسام بسبب هذا. ودون أدنى شك، فإن هذه الانتخابات أدت إلى تقويض شرعية النظام الذي يمثله خامنئي.

ما هي تداعيات هذه الانتخابات بالنسبة لبقية العالم؟ من شبه المؤكد أن السياسة الخارجية الإيرانية ستسير على النهج المتبع على مدار السنوات الماضية. وستستمر المفاوضات بشأن الاتفاق النووي. لكن على النقيض من الرئيس السابق، فإن الحظوظ السياسية لرئيسي لا تتوقف على الوصول إلى اتفاق. لذا، من غير المرجح أن يساوم الرئيس الحالي.

بخلاف هذا، ستحاول إيران الخروج من عزلتها عبر عقد صفقات مع الصين وروسيا، وستواصل دعمها لحلفائها في المنطقة، وستحاول التواصل مع الدول القوية في جنوب الكرة الأرضية.

ويختم مقدم مقالته بالتالي: “على هذا النحو، ستكون هناك استمرارية للسياسات الإيرانية. لكن نظراً لآراء رئيسي السياسية المعلنة، فإن الصورة الأكثر تقدمية التي كان يعرضها الرئيس السابق روحاني، سيحل محلها لغة “مقاومة” أكثر رجعية، يتبناها الرئيس الجديد شديد المحافظة”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com/au في 22 يونيو 2021

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles