وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

إسرائيل تستغل حرب روسيا وأوكرانيا لاستقطاب مهاجرين جدد

صورة تظهر لاجئة يهودية أوكرانية تنتظر على متن رحلة جوية إلى إسرائيل
صورة تظهر لاجئة يهودية أوكرانية تنتظر على متن رحلة جوية إلى إسرائيل من العاصمة المولدوفية تشيسيناو في 17 مارس 2022. جيل كوهين ماجين/وكالة الصحافة الفرنسية

علي نور الدين

كما هو معلوم، تتبنّى إسرائيل قانون حق العودة، الذي يسمح لجميع اليهود في كل أنحاء العالم بالقدوم والاستقرار في مناطق سيطرتها، ومن ثم نيل جنسيتها فورًا. ومنذ نشأتها، اعتمدت إسرائيل على هذا القانون لإعطاء أنشطة استقطاب المهاجرين اليهود وتوطينهم صبغة قانونيّة ، بما سمح بتعديل الموازين الديموغرافيّة بشكل متدرّج منذ إعلان دولة اسرائيل. وبهذه الطريقة عوّلت إسرائيل على هذه الهجرات، لزيادة نسبة اليهود المقيمين فيها مقارنة بالسكّان العرب، والحفاظ على طابع الدولة اليهودي.

الهجرة اليهوديّة المنظّمة: جزء أساس من تاريخ إسرائيل

إلى جانب قانون العودة، تستهدف إسرائيل أيضًا التدخّل عند نشوب الأزمات العسكريّة أو الأمنيّة الحادّة في أماكن تواجد اليهود خارج إسرائيل، بهدف إستغلال الأزمات وإجلاء اليهود باتجاه أراضيها، ومن ثم توطينهم على المدى الطويل. وفي كثير من الأحيان، نظّمت الحكومات الإسرائيليّة بشكل رسمي، أو عبر الوكالة اليهوديّة، موجات كبيرة من الهجرة الجماعيّة ليهود العالم باتجاه إسرائيل، دون وجود  أية أزمة عسكريّة أو أمنيّة تستدعي هذه الهجرة الجماعيّة.

على هذا النحو مثلًا، نظمت الوكالة اليهوديّة لأجل إسرائيلعمليّة بساط الريح، التي سمحت بين عامي 1949 و1950 بإجلاء 49 ألف يهودي يمني باتجاه إسرائيل. وبالطريقة عينها، جرت عمليّة عزرا ونحميا، لإجلاء أكثر من 130 ألف يهودي عراقي ونقلهم إلى إسرائيل. كما نظمت إسرائيل عمليّة ياخين، ابتداءً من العام 1964، لإجلاء يهود المغرب باتجاهها، وعمليّة جوشوا لإجلاء يهود أثيوبيا عام 1985. 

باختصار، مثّلت الهجرات الجماعيّة المنظّمة من قبل الدولة أو الوكالات اليهوديّة جزءًا لا يتجزّأ من تاريخ إسرائيل، بل وجزءًا من إرثها الذي تتمسّك به الدولة بشكل رسمي كسياسة عامّة ودائمة. ولهذا السبب بالتحديد، كان من الطبيعي أن تجد إسرائيل في الغزو الأوكراني مناسبة جديدة يمكن استغلالها، لاستقدام المهاجرين من أوكرانيا وروسيا

وهذا النوع من الهجرات، تحتاجه إسرائيل اليوم لأسباب عديدة، ومنها ضمان الهيمنة اليهوديّة بشكل تام على أراضيها، وتأمين حاجاتها من اليد العاملة في جميع القطاعات الاقتصاديّة. وأخيرًا، تحتاج إسرائيل إلى هؤلاء المهاجرين الوافدين لتأمين ما يلزم من سكّان لتوسيع نشاطها الاستيطاني غير الشرعي، والذي يجري بتخطيط وإدارة مباشرة من قبل الدولة، في مناطق الضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة.

أهم ما في الموضوع، هو أن إسرائيل كانت مارست في حقبات تاريخيّة مختلفة مهام استقطاب المهاجرين من خلال موجات منظمة، من روسيا وأوكرانيا بالتحديد. وهذا تحديدًا ما يسهّل على الإسرائيليين مهمّة العمل داخل الدولتين، نظرًا لوجود قنوات التواصل التاريخيّة مع المجتمعات اليهوديّة هناك.

يهود روسيا والتعبئة الجزئيّة

خلال العام 2021، تمكنت إسرائيل من استقطاب 23 ألف مهاجر من اليهود الروس، وهو ما مثّل 47% من إجمالي اليهود الذين هاجروا إليها خلال ذلك العام. وهذه الكثافة في عدد اليهود الروس المهاجرين إلى إسرائيل، جاءت تحديدًا بسبب نشاط الوكالة اليهوديّة المتنامي في روسيا، رغم قرارات المحاكم الروسيّة التي قضت بتجميد عملها. مع الإشارة إلى أنّ هذه الوكالة تختص في تنظيم العلاقة مع يهود العالم، وتأمين هجرتهم إلى إسرائيل، بدعم رسمي من الدولة.

بهذا المعنى، كانت إسرائيل أساسًا مهتمّة بالعمل على استقطاب المهاجرين من المجتمع اليهودي في روسيا، حتّى قبل اندلاع الحرب الأوكرانيّة. لكن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعبئة الجزئيّة خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، والذي سيعني استدعاء نحو 300 ألف روسي إلى جبهات القتال في أوكرانيا، مثّل فرصة لا تفوّت بالنسبة لإسرائيل، لزيادة أعداد المهاجرين إليها من اليهود الروس الراغبين بتفادي جرّهم إلى المعارك العسكريّة

ولهذا السبب تحديدًا، وبمجرّد إعلان التعئبة الجزئيّة هذه، اتصل رئيس الحكومة الإسرائيليّة يائير لبيد بالقائم بأعمال مدير شركة الطيران الإسرائيل إل عالعام شلوم، وطلب منه زيادة أعداد الرحلات المباشرة بين موسكو وتل أبيب، لنقل الراغبين بالهجرة في أوساط اليهود الروس. وهذا الإجراء الرسمي، جاء بالتوازي مع تصريحات الحاخام الرئيسي في موسكو بنحاس غولدشميت، والتي أشارت إلى أنّ نحو 40 ألف يهودي روسي يستوفون شروط الهجرة إلى إسرائيل، توجّهوا إلى سفارة إسرائيل في موسكو لتقديم طلبات الهجرة.

ولحث المزيد من اليهود الروس على الهجرة بإتجاهها، عملت وزارتا الماليّة والهجرة الإسرائيليّتين على تحضير رزمات من المساعدات المخصصة لدعم اليهود الروس الوافدين إلى البلاد. وتجدر الإشارة إلى أنّ اعداد اليهود الموجودين في روسيا في الوقت الراهن يتجاوز ال165 ألف يهودي، وهو ما يدفع إسرائيل لتكثيف نشاطها من أجل استقطاب المزيد منهم إلى إسرائيل، في ظل الضغوط الاقتصاديّة التي تعاني منها روسيا، وتفشّي الخشية من جرّ المواطنين الروس بالقوّة إلى القتال في أوكرانيا.

ارتفعت أسعار تذاكر السفر من روسيا باتجاه إسرائيل، خلال الأيام الماضية لتوازي نحو 6700 دولار أميركي، وهو ما مثّل زيادة قياسيّة غير مسبوقة. وهذه الزيادة، عكست إقبال فئات واسعة من اليهود الروس على الهجرة نحو إسرائيل، ما أدّى إلى استنفاد جميع التذاكر المتاحة باتجاه تل أبيب. وهذا ما دفع أعدادًا كبيرة من اليهود الروس إلى التوجّه إلى الدول المحاذية لروسيا، أملًا بالانتقال منها نحو تل أبيب، ما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار تذاكر الطيران في تلك الدول أيضًا.

يهود أوكرانيا والغزو الروسي

بين عامي 2011 و2021، استفادت إسرائيل سنويًّا من نحو 3 إلى 4 آلاف مهاجر يهودي وافد إليها من أوكرانيا، بفعل نشاط الوكالة اليهوديّة المكثّف في أوكرانيا، الساعي إلى استقطاب اليهود الأوكران باتجاه إسرائيل. ولهذا السبب، وحتّى قبل أن تندلع الحرب الأوكرانيّة، كانت إسرائيل تملك قنوات التواصل الفاعلة مع المجتمع اليهودي هناك، وكانت ترى أوكرانيا بوصفها مصدرًا أساسيًا من مصادر هجرة اليهود إلى إسرائيل. وهذا الاهتمام الإسرائيلي بأوكرانيا، يعود أساسًا لاستيعابها 200 إلى 250 ألف يهودي في الوقت الراهن، من الذين يمكن أن ينطبق عليهم قانون العودة“.

لهذه الأسباب، وما إن بدأ غزو الروس أوكرانيا، وما تخلل ذلك من قصف لأجزاء واسعة من المدن السكنيّة هناك، حتّى بدأت إسرائيل بتنظيم الرحلات المنظمة الهادفة إلى استيعاب اليهود الأوكران في إسرائيل. وهذه العمليّات، جرت من خلال خطّة طوارئحكوميّة منظّمة، انخرطت فيها كل من الوكالة اليهوديّة والجيش ومجلس الأمن القومي في تل أبيب. ومنذ بدء الحرب، وضعت إسرائيل أهدافًا طموح جدًا لهذه الخطوة، قضت برصد الإمكانات المحليّة التي يمكن أن تستوعب أكثر من 200 ألف مهاجر من يهود أوكرانيا على المدى البعيد، ما يمثّل كامل المجتمع اليهودي الموجود في أوكرانيا.

حتّى اللحظة، لم تنشر إسرائيل إحصاءات رسميّة تقدّر العدد الكامل لليهود الأوكران الذي تم استقطابهم باتجاه إسرائيل، والذين سيتمكنون من الحصول على الجنسيّة الإسرائيليّة بحسب قانون العودة، إلا أنّ أوساط اليمين المتطرّف بدأت تعد العدّة لاستيعاب جميع هؤلاء في مستوطنات الضفّة الغربيّة، في محاولة لتعزيز الوجود اليهودي هناك، في مقابل البلدات والمدن العربيّة

ولذلك، بدأ مجلس مستوطنات شمال الضفّة الغربيّة منذ بداية الحرب الأوكرانيّة بتشكيل فرق متخصصة بمرافقة العائلات اليهوديّة الوافدة من أوكرانيا، بهدف مساعدتها على الاندماج في مستوطنات الضفّة على المدى الطويل. كما أكّد المجلس منذ بداية الحرب الأوكرانيّة استعداده لبناء عدد كبير من البيوت الجاهزة، في مناطق الضفّة الغربيّة، بما يسمح باستيعاب اليهود الأوكران الوافدين. مع الإشارة إلى أنّ عددًا من اليهود الأوكران والروس الوافدين حديثًا تم توطينهم بالفعل في مستوطنات الضفة الغربيّة غير الشرعيّة، من ضمن خطّة إسرائيليّة منظّمة لإنعاش هذه المستوطنات ديموغرافيًّا.

قانون العودة بدل حق العودة

هكذا، تضع إسرائيل إمكاناتها كدولة في سبيل استقطاب أعداد هائلة من يهود أوكرانيا وروسيا وتوطينهم، بالاستفادة من تبعات غزو روسيا أوكرانيا. المفارقة الأساسيّة هنا، هي أنّ إسرائيل تمنح حق الجنسيّة والتوطين لعشرات أو ربما مئات آلاف اليهود، بمجرّد وصولهم إلى إسرائيل، وتسعى إلى توطينهم على المدى البعيد، تحت ستار قانون العودة، لكنّها تمتنع في المقابل عن منح ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا البلاد منذ النكبة عام 1948 حق العودة

أمّا الإشكاليّة الأهم، فهي أن إسرائيل تسعى لاستغلال المهاجرين اليهود المتضررين من الحرب، عبر توطينهم في مستوطنات الضفّة الغربيّة غير الشرعيّة، ما سيزيد بدوره من معاناة الفلسطينيين القاطنين في تلك المنطقة. وبذلك، ستكون إسرائيل قد حوّلت الضحايا الهاربين من مدافع الحرب في أوكرانيا، إلى أداة لجلد شعب آخر، وإلى سلاح يساهم في نكبة أخرى بحق شعب آخر. وبينما يعاني الأوكران اليوم من أجل صد الغزو الروسي لبلادهم، حوّلت إسرائيل هذه المناسبة إلى فرصة لتكريس إحتلال آخر، من خلال توسيع مستوطناتها في الضفّة الغربيّة.