وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الأكراد غير قادرين على الإتحاد في وجه العدوان التركي

Syrian kurds
صورة التقطت لعائلات سورية كردية وعربية تفر من ريف مدينة الدرباسية، على الحدود بين سوريا وتركيا، باتجاه الحسكة في 22 أكتوبر 2019. Photo: Delil SOULEIMAN / AFP

يمكن التعرف على المنتجات التركية التي يتم بيعها في كردستان العراق عن طريق الكود الشريطي الذي يبدأ بالأرقام 868 أو 869. يجعل هذا من السهل على الأكراد مقاطعة المنتجات التركية احتجاجاً على غزو تركيا لشمال شرق سوريا في 9 أكتوبر 2019. لكن، هل هذا ممكن؟ إذ قد يرتطمون بالمستوى المرتفع من اعتمادهم على تركيا، مما يجعل من شبه المستحيل تنفيذ مثل هذه المقاطعة. وما الذي يمكن أن تفعله حكومة إقليم كردستان، التي تعتمد سياسياً على دعم أنقرة، للدفاع عن الأكراد في سوريا؟

إن الآثار المترتبة على غزو الجيش التركي، بالتعاون مع الجماعات الجهادية المختلفة، قد تكون ضخمة بالنسبة لحكومة إقليم كردستان. فقد قامت بمساعدة الحكومة العراقية برفع مستوى أمن حدودها لمنع تدفقٍ محتمل لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كما كان عودة ظهور التنظيم، الذي أخرجته قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد خارج آخر جيوبه في وقتٍ سابق من هذا العام، موضوع أول بيان أصدرته حكومة إقليم كردستان بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سحب الولايات المتحدة لما تبقى من قواتها من سوريا. حتى الآن، هرب المئات، إن لم يكن أكثر من ألف عنصر من عناصر داعش من السجون والمخيمات التي كانت تحت حراسة قوات سوريا الديمقراطية بعد الغزو التركي. كما هربت النساء (والأطفال) من مخيم ومركز الإعتقال الإداري في عين عيسى للاجئين، الذي تعرض للنهب من قبل الجماعات المدعومة من تركيا، بينما هرب الرجال من السجون.

وعلى الرغم من أن حكومة إقليم كردستان تبذل كل ما في وسعها لإبعاد تنظيم الدولة الإسلامية عن كردستان العراق، إلا أن المخيمات أصبحت جاهزة لاستقبال اللاجئين. فقد قال مركز التنسيق المشترك للأزمات في حكومة إقليم كردستان إنه مع وصول ما يقرب من 800 شخص، فإن العدد الإجمالي للاجئين الذين دخلوا المنطقة في الأسبوعين الماضيين يبلغ إلى الآن ألفي شخص. ومع نزوح أكثرمن 150 ألف شخص، فإن هذا يعني أن جزءاً صغيراً فحسب عبروا الحدود ويفترض أن البقية يبحثون عن ملجأ آمن لهم في أماكن أخرى في سوريا، بعيداً عن المنطقة الحدودية حيث يتركز القتال، وذلك في الغالب حول مدينتي رأس العين وتل أبيض، وبدرجة أقل، شرقاً حول القامشلي.

ومع استمرار سيطرة الجيش السوري على المناطق الكردية السورية والمناطق الحدودية بعد اتفاقٍ أبرم مع قوات سوريا الديمقراطية، يبدو أنه من المحتمل أن يعبر المزيد من الأفراد إلى كردستان العراق. وبحسب ما يقال فإن معظمهم يعبرون الحدود بشكلٍ غير قانوني، حيث أصبح من الصعب الوصول إلى المعبر الحدودي الرسمي. كما تم إعادة فتح مخيم بردرش، الذي تم إغلاقه منذ عامين بعد إيواء العراقيين المشردين داخلياً من الموصل خلال الحرب ضد داعش، لاستيعاب القادمين الجدد.

الدبلوماسية

في محاولةٍ للتأثير على التطورات في شمال شرق سوريا، تركز حكومة إقليم كردستان على الدبلوماسية. ففي 7 أكتوبر، وبعد يومٍ من إعلان ترمب انسحاب قواته وقبل يومين من هجوم تركيا، التقى رئيس الوزراء مسرور بارزاني بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. وخلال الاجتماع، نوقشت سوريا أيضاً حيث طلب بارزاني من لافروف “المساعدة في إيجاد حل سياسي طويل الأمد يحمي حقوق وكرامة كافة أطياف الشعب السوري، بمن فيهم الشعب الكردي.”

The kurds
المصدر: ‘Kurdistan’, limesonline.it. @Fanack

وبعد أسبوعٍ من التوغل، تبنى برلمان كوردستان قائمة من “التوصيات” التي تعبر عن القلق والتضامن مع أولئك المتضررين من العنف. تضمنت التوصيات الـ12 دعوةً لوقف الحرب وزيادة الجهود الدبلوماسية لتحقيق هذه الغاية وتعهداً بالترحيب باللاجئين ومساعدتهم، وطُلب من الحكومة المركزية العراقية مساعدة (مالية).

الأمر المثير للاهتمام على وجه الخصوص كان الإشارة إلى الفصائل السياسية المختلفة التي كانت نشطة في روجافا (كردستان الغربية)، كما يُطلق الأكراد على المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا. دعا البرلمان هذه الفصائل إلى “إدارة ظهورهم للمنافسات الأيديولوجية والسياسية ضيقة الأفق والدخول في حقبةٍ جديدة من التعاون والعمل العام والنضال المدني من أجل تحقيق مصالح الشعب الكردي الأكبر في روجافا.”

المقصود هنا كان حزب الاتحاد الديمقراطي، الفصيل السياسي الرئيسي في روجافا الذي حكم المنطقة بحكم الأمر الواقع على مدار السنوات السبع الماضية، وكتلة المعارضة، المؤتمر الوطني الكردستاني. لم تتمكن أي من الكتل من التعاون لعدة أسباب، بما في ذلك تهميش المؤتمر الوطني الكردستاني. وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر الوطني الكردستاني قريبٌ من أيديولوجية الحزب الديمقراطي الكردستاني، الحزب الأقوى في كردستان العراق. بمعنى آخر، يبدو أن حكومة إقليم كردستان تحاول حل هذه التنافسات في سياق المصالح الأعم للوطنية والتضامن الكردي.

الإنتشار

ومع ذلك، فإن خيارات حكومة إقليم كردستان للمساهمة على أرض الواقع داخل سوريا محدودة للغاية. فخلال ما أصبح معركةً أسطورية ضد داعش من أجل السيطرة على كوباني في أواخر عام 2014، تم نشر قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في البلدة الشمالية السورية لمساعدة وحدات حماية الشعب، القوة الكردية المهيمنة داخل قوات سوريا الديمقراطية، مما وضع الأساس للتعاون بين الأكراد في سوريا والولايات المتحدة. فقد اقترح عدد من أعضاء البرلمان توجه قوات البيشمركة لإنقاذ ذوي قرباهم العرقيين في سوريا مرةً أخرى، إلاأن المقترح غير واقعي لعدة أسباب.

فإلى جانب حقيقة أن البيشمركة لا يملكون أسلحةً ثقيلة أو مهاراتٍ استثنائية على أرض المعركة لا تمتلكها قوات سوريا الديمقراطية بالفعل، فإن تحقيق الفكرة على أرض الواقع سيكون انتهاكاً للقانون الدولي.

هناك أيضاً أسبابٌ سياسية مقنعة ضد نشر البيشمركة في سوريا: لا يمكن لحكومة إقليم كردستان مطلقاً حمل السلاح ضد تركيا. فقد كان للجيش التركي وجودٌ داخل كردستان العراق منذ الأيام الأولى لوجودها الفعلي في التسعينيات وتم توسيع هذا الوجود في السنوات الأخيرة. وعلاوةً على ذلك، يمتلك حزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لتركيا، قواعد لمعسكراته في الجبال في شمال وشمال شرق العراق، ومعظمها على أراضٍ يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني. وعليه، لا يملك الحزب الديمقراطي الكردستاني أي سلطةٍ لمنع ذلك، حتى وإن أراد ذلك.

فقد تسببت عمليات القصف وعمليات التوغل على الأرض التي شنتها تركيا على حزب العمال الكردستاني في وقوع إصاباتٍ في صفوف المدنيين عدة مرات، وكان رد الحزب الديمقراطي الكردستاني عادةً هو مساءلة حزب العمال الكردستاني وليس جارته الشمالية القوية. إن مجرد تخيل حمل قوات البيشمركة السلاح ضد تركيا خارج منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي منافٍ للعقل.

يضع هذا المقاطعة المدنية للمنتجات التركية في حلقةٍ مفرغة، فإذا ما كان الأكراد يرغبون حقاً في الوقوف في وجه القوى التي تحاول إجبارهم على الإذعان التام، سواء كان النظام السوري أو الدولة التركية أو أي كيانٍ آخر، فسيتعين عليهم أن يتحدوا. ولكن طالما أن طموحاتهم التجارية والأيديولوجية لمستقبل الوطن الكردي غير متوافقة، فلا أمل لهم.