تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

سلطنة عُمان: بين الداخل والخارج

Oman
عمانيون يلتقطون الصور للأمواج المرتفعة التي ضربت شاطئ مدينة صلالة الجنوبية يوم ٢٤ مايو ٢٠١٨، وذلك قبيل إعصار مكونو. المصدر: MOHAMMED MAHJOUB / AFP.

يوسف شرقاوي

منذ السبعينات، بدأت سلطنة عُمان مسيرة طويلة من أجل التنمية، بعدما كانت من أفقر الدول وأكثرها انعزالاً. وبحسب “Arabian Humanities“، فقد السلطنة نهضة متعددة في مجال التحضر على مستوى كل مناطق البلاد. وأدى انفتاح السلطنة على العالم الخارجي والاقتصاد الحديث إلى ثورة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.

وبعد مرور نصف قرن على هذه المرحلة، تشهد السلطنة تحولاً لمجتمع متعدد يجمع بين التراث التاريخي والتحديث كأساس لهوية قوية في منطقة الخليج وخارجها. وتستمد السلطنة قوتها كذلك من كونها تؤسس تقاطعاً تاريخياً وثقافياً لا يمكن إنكاره بين العالم العربي لغرب آسيا وشرق إفريقيا والعالم الهندي في بداية القرن الحادي والعشرين.

بين الداخل والخارج

تحقق سلطنة عُمان منذ ٢٠١٧ مراكز متقدمة في مختلف المؤشرات الدولية، مثل بدء ممارسة الأعمال التجارية، والمؤشر الفرعي لحكم القانون ومؤشر ركيزة المؤسسات ومؤشر البيئة السياسية ومؤشر البيئة الاقتصادية. كما أن السلطة تتفوق على مستوى مؤشر الاستقرار السياسي وغياب العنف ومؤشر البيئة التنظيمية، وغيرها من المؤشرات المرتبطة بجوانب المعرفة والابتكار وجودة الحياة.

هذا التقدم في مختلف المؤشرات يشير إلى أنّ مسيرة السلطة النهضوية فعالة، وأنها تسير نحو تطورٍ وتقدمٍ نهضوي على الصعيد الداخلي، لا سيما الخطة المطروحة بعنوان “عُمان 2040“. وهذه الخطة خطة تنموية حكومية عُمانية أمر السلطان الراحل قابوس بن سعيد في 2013 بإعدادها، وكلّف السلطان الحالي هيثم بن طارق برئاسة اللجنة المعدة لها.

وتقوم رؤية عُمان 2040 على ثلاثة محاور هي: “الإنسان والمجتمع”، و”الاقتصاد والتنمية”، و”الحوكمة والأداء المؤسسي”. وأقر السلطان هيثم بن طارق هذه الرؤية في 15 ديسمبر 2020. وقال السلطان عند إطلاقه للرؤية: “إن رؤية عمان 2040 هي بوابة السلطنة للعبور للتحديات، ومواكبة المتغيرات الإقليمية والعالمية واستثمار الفرص المتاحة وتوليد الجديد منها، من أجل تعزيز التنافسية الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي، وتحفيز النمو والثقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في كافة محافظات السلطنة”. ودخلت الرؤية حيز التنفيذ في 1 يناير 2021 وستستمر حتى نهاية 31 ديسمبر 2040.

هذه الرؤية، حسب رأي الدكتور يوسف بن حمد البلوشي في كتابه “رؤية عمان ٢٠٤٠، ضغوط الأسئلة واستحقاقات الأجوبة”، هي “الصورة الذهنية التي يود الجميع أن يرى بها سلطنة عُمان في المُستقبل”. ومع ذلك، يشير البلوشي إلى “تخوفه من عدم الإقدام على حلول اقتصادية ومالية، أو حتى التأخر في ذلك، لما يترتب على ذلك من نتائج عكسية، سيدفع ثمنها المواطن العُماني ومن قبله الوطن”. وبحسب البلوشي، فإن “تفعيل أسس الحوكمة يتطلب رغبة جادة وتنازلات على مُختلف المستويات والقبول بالمُحاسبة ومُبادرات مؤسسية في سبيل تحقيق تنمية شاملة ومُستدامة للجميع”.

كل هذا التطور الداخلي يحيل في الوقت نفسه إلى أسئلة كثيرة حول دور عُمان الإقليمي والتغييرات التي يمكن أن تحصل في المجال السياسي. وكان الخطاب التأسيسي الذي ألقاه السلطان الجديد هيثم بن طارق في ذكرى أربعين السلطان قابوس قبل سنتين لافتاً للنظر. وتمحور الخطاب حول الداخل، والتركيز على الداخل، أما السياسة الخارجية للسلطنة فكانت في “مقطع صغير، غلبت عليه العموميات أكثر من أي شيء آخر” حسب الكاتب خير الله خير الله.

ومن الأسئلة التي يمكن طرحها حول الصعيدين الداخلي والخارجي: هل تنحو السلطنة نحواً براغماتياً في تجاهلها للإشكاليات التي تدور حولها في الخارج، وتبحث عن مصالحها الداخلية والتنموية فقط؟ كما أنّ سؤالاً ثانياً يتمّ طرحه من قبل الذين يستغربون المواقف العمانية في السنوات الأخيرة: لماذا تغرّد عمان خارج السرب الخليجي؟

يفسر الكاتب بدر الإبراهيم ذلك بقوله: “تتفرد عمان بالفعل بسياسة خارجية مختلفة عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، لكن هذا ليس جديداً، فمنذ أكثر من أربعة عقود، أي منذ تولِّي السلطان قابوس مقاليد الحكم في السلطنة، هناك توجهٌ عماني في مقاربة القضايا الإقليمية، من نوع مختلف عن بقية الجيران الخليجيين، سواءً في العلاقة مع إيران، أو في النظرة للخلافات العربية – العربية، أو فيما يخص المحاور الإقليمية وصراعها في المنطقة العربية”.

وتستند السياسة الخارجية العُمانية على مبدأ “فكرة الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، بوصفه مهماً للاستقرار الداخلي العماني”. وبحسب الإبراهيم، فإن هذه السياسة الخارجية جعلت السلطنة تتجه نحو “البراغماتية والحياد الإيجابي”، إذ ترفض السلطنة “سياسة المحاور والأحلاف الإقليمية، وتنسج علاقات ودية مع كل الأضداد في المنطقة، ولا تنحاز لأي طرف في الإقليم”.

ويرى الإبراهيم أن تفسير البراغماتية يظهر في قدرة السلطنة على “القيام بدور الوساطة بين الأطراف المتصارعة، والمساهمة في حل الإشكالات في المنطقة، بما يخفف من حالة عدم الاستقرار فيها، وخطرها على الاستقرار الداخلي العماني”.

حياد إيجابي أم تغريد خارج السرب

وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان (يمين) يرحب بنظيره العماني بدر البوسعيدي
وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان (يمين) يرحب بنظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران يوم ٢٣ فبراير ٢٠٢٢. المصدر: ATTA KENARE / AFP.

قلما تحظى سلطنة عُمان بذات الاهتمام الذي تناله دول الخليج الأثقل وزنًا؛ فسياسة الحياد الإيجابي التي اتبعتها لعقود طويلة نأت بها عن بؤرة الضوء، وفقاً لمركز الجزيرة للدراسات. وفي دراسة للمركز بعنوان “عُمان: السلطان هيثم وتحدي السياسة الخارجية“، نقرأ التالي: “اتساقاً مع تقليدها الدبلوماسي، تسعى عُمان دوماً للحفاظ على حياد إيجابي داخل النظام الإقليمي العربي. لكن سيتحتم على السلطان هيثم بن طارق مواجهة تحديين جديدين شَرَعَا في الظهور خلال العقد المنصرم: تحدي الوزن المتزايد للدور الإماراتي وما يشكِّله من صعوبات أمام قيام عُمان بدورها التقليدي، مُضافًا للتحالف بينها وبين السعودية وتعقيداته في اليمن وعلاقتهما الوثيقة مع الإدارة الأمريكية، وتحدي التنمية الاقتصادية التي تطمح القيادة السياسية الآن إلى القيام بها وفق رؤية 2040″.

ويعلل المحلل السياسي عقل الباهلي الموقف العماني بأن السلطنة “تعيش وتبحث دائماً عن حالة تلاؤم اجتماعي وبالذات في المواقف الحادة” التي تنشب بين الدول. ويقول الباهلي إنّ “طبيعة الوضع في عمان مختلف عن أوضاع بلدان الخليج، إذ أن وجود تعددية عقائدية، دينية ومذهبية، في عمان تحتّم على مسقط بناء علاقات متوازنة إقليمياً”.

جديرٌ بالذكر أنّ سلطنة عُمان، وفقاً “للخليج الجديد“، تُعد أبرز المعارضين لمشروع الاتحاد الخليجي أو الكونفدرالية الخليجية الذي طرحته السعودية عام 2011. وهددت عُمان بالانسحاب من مجلس التعاون على الإقدام على فكرة الاتحاد، كما أنها عطلت مشاريع اقتصادية خليجية، مثل مشروع الوحدة النقدية، خوفاً من الدخول تحت هيمنة خليجية أو سعودية، حتى إنها صارت تعرف في الأوساط الأكاديمية والصحفية بـ “العقدة العمانية”.

رغبة عُمان في عدم الدخول ضمن أحلاف إقليمية تتمثل في رفضها لمشروع الاتحاد الخليجي كما سلف. ومن أسباب ذلك مقاربة السلطنة المختلفة تجاه إيران. ومن تفسيرات هذه “العقدة العمانية”، حسب الكاتب بدر الإبراهيم، أنّ هذا الاتحاد “في نظر عُمان حلفٌ موجه ضد إيران. وعُمان تأخذ بالاعتبار شراكتها مع إيران في مضيق هرمز الاستراتيجي، والمصالح التجارية والنفطية التي تربطها بإيران”. وبطبيعة الحال، فإن هذا الجانب يتصل بالأسئلة حول الحياد الإيجابي والبراغماتية.

هذه البراغماتية يؤكدها التقرير الوارد في مركز الجزيرة للدراسات، للباحثة بسمة مبارك سعيد، بعنوان “قراءة في رؤية عُمان لقضيتي التقارب مع إيران والاتحاد الخليجي“. وتقول الباحثة إنّ السياسة الخارجية العُمانية كانت دائماً مبنية على “التعامل ببراغماتية بعيدة عن العواطف والأدلجة”. ووفقاً لسعيد، فإن هذا النهج العُماني “لا يمكن أن يندمج بسهولة مع السياسة الخارجية لدول خليجية أخرى، كما لا يمكن أن تسمح عُمان، لأطراف أخرى، بجرها نحو مستنقع الصراعات الإقليمية والزج بها في حروب بالوكالة”. ويندرج ضمن ذلك موقف عُمان الحذر من الملفين المصري والسوري.

تبقى السلطنة إذن كما هو معروف “سويسرا الشرق الأوسط”، وفقاً لحسن إسميك. فهذه الدولة “لم تقطع أي علاقات دبلوماسية مع أي دولة”. ويمكن سوق عدة مواقف تؤكد ذلك، منها أنّ عُمان كانت “إحدى دولتين فقط من دول الجامعة العربية – إلى جانب السودان – لم تقاطع مصر بعد إبرامها معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979″ وهي العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي “الذي ظل محايداً طوال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988″. كما كانت السلطنة عضو المجلس الوحيد الذي “حافظ على العلاقات الدبلوماسية مع سوريا منذ 2011 وما بعد“. ولم تنضم عُمان إلى مقاطعة قطر “بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من منتصف عام 2017 إلى يناير 2021”. وأخيراً، هي العضو الوحيد من المجلس “الذي لم ينضم إلى الحملة العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين”، والدولة الخليجية الوحيدة التي “تجري مناورات عسكرية مشتركة مع إيران”.

واحة سلام… أم؟

تحكُم عمان مَلَكية مطلقة، والسلطان هو رأس الدولة ورئيس الحكومة، وكذلك القائد الأعلى للقوات المسلحة. أيضاً، كان السلطان قابوس الحاكم الوحيد الذي يعرفه العديد من العمانيين. لذلك، كان يتمتع بأفضلية كبيرة لأنه لم يُنظر إليه على أنه خليفة لسابق، بحسب دراسة نشرتها مبادرة الإصلاح العربي بالتعاون مع تشاتام هاوس. وتقول الدراسة أيضاً إنه “على الرغم من الخطوات الإيجابية نحو اللبرلة على مدى العقود الثلاثة الماضية، إلا أن المناخ السياسي المقيَّد في البلاد يخلق اختلالاً في توازن القوى لصالح الدولة، ما يجعل من الصعب إحداث احتجاج لأنّ الحرّيات السياسية لا تزال محدودة”.

وتحلّل الدراسة الادعاءات المبالغ فيها التي تصور السلطنة على أنها “واحة سلام”، وتعرض تحليلاً للعلاقة بين النظام والجهات المُعارِضة، وتخلص إلى أنّ النظام السياسي في عُمان سيواجه استياءً متزايداً بسبب الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية، وإنه يجب عليه أن يفتح المجال السياسي للمعارضين وأن يتوقف عن قمع حرية التعبير.