تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

جوهر سياسة الصدر: الغموض السياسي وحفظ ماء الوجه

جوهر سياسة الصدر
متطوعون يوزعون وجبات طعام على أنصار رجل الدين العراقي مقتدى الصدر خارج مجلس النواب العراقي في المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد ، في 16 آب 2022. احمد الربيعي / وكالة الصحافة الفرنسية

دانا حوراني

انتشرت في الآونة الأخيرة ملصقات لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر تحيط بوجهه صور العلم العراقي والإمام الحسين وأبيه محمد صادق الصدر، وذلك في محيط مبنى البرلمان العراقي بالمنطقة الخضراء في بغداد.

ورغم أن درجات الحرارة تخطت الخمسين درجة مئوية، ما زال أنصار الصدر يتظاهرون أمام مبنى البرلمان.

وعندما سأل مراسل الجزيرة أحد المتظاهرين عن سبب استمراره في التظاهر في هذا الجو الحارق، أجابه: “كل هذا من أجل مقتدى!”

وجدير بالذكر أن أنصار الصدر قد اقتحموا مقرّ البرلمان في 27 يوليو الماضي و”عندما طُلب منهم المغادرة، غنّوا ورقصوا واستلقوا على الطاولات.”

وقد جاءت أعمال الشغب بعد تسعة أشهر من العجز عن تشكيل حكومة لانعدام الكفاءة السياسية في السلطة على حد قول المحللين.

وقد نجح أول احتجاج لأنصار الصدر في تعليق جلسة برلمانية للتصويت على مرشح موالٍ لإيران لمنصب رئيس الوزراء.

لكن الوضع تفاقم عندما اقتحم أكثر من ألف متظاهر بوابات المنطقة الخضراء المؤمّنة، والتي تضمّ سفارات وهيئات حكومية، ما تسبب في إصابة 100 مدني و25 من أفراد الأمن.

وعلّق الصدر على التظاهرات في تغريدة قائلًا: “ثورة إصلاح ورفض للضيم والفساد”.

مقتدى الصدر: رجل دين وسياسي

يُعدّ الصدر أحد أكثر السياسيين تأثيرًا في مطلع القرن الحالي، وكان معارضًا شديدًا للاحتلال الأمريكي للعراق. وقد تلقّى الصدر مساعدات مالية ولوجستية من إيران لدعم مقاومته ضد القوات الأمريكية، ما وطّد علاقته بإيران. ويُذكر أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش قد أعلن ذات مرة أن الصدر عدو يمكنه “تغيير مسار دولة بأكملها”.

وقد تأثّر الصدر بوالده آية الله محمد صادق الصدر مؤسس التيار الصدري في الثمانينيات، وهو تيار قومي يستهدف السكان الشيعة الفقراء في جميع أنحاء العراق – وبخاصةٍ في مدينة الصدر.

تقع المدينة الفقيرة، التي كانت تُلقّب بمدينة الثورة، على أطراف العاصمة العراقية، ويسكنها مزارعون شيعة هجروا ريفهم الفقير من أجل حياة جديدة بالقرب من مركز السلطة الوحيد في البلاد في بغداد.

إلا أن تزايد التفاوت الاجتماعي، وضعف التعليم، والبطالة المرتفعة أبعدت المواطنين عن الحكومة وقرّبتهم من الصدر الذي لم يعبّر عن مطالبهم فحسب، بل دافع عنها بقوة أمام صدام حسين.

وما تزال تلك المنطقة مهملة ومعزولة حتى الآن، ولا تُوجد أي مشاريع تنموية فيها.

قال المحلل السياسي علي البيدر لفنك: “يتسم المعتقد الشيعي بتبجيل الشخصيات الدينية إلى درجة الغلوّ. ويرى أتباعه الأمور من منظور قَبَلّي لا يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بالولاء الديني”.

الجمود السياسي والأزمة المتفاقمة

رغم فشله في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات أكتوبر الماضي، فقد نجح الصدر في حشد الكتلة الجماهيرية الأكبر.

وعندما تعثرت محاولاته لتشكيل حكومة تطيح بخصومه المدعومين من إيران، سحب رجل الدين نوابه البالغ عددهم 73 نائبًا من البرلمان.

ولم يعد الصدر مهتمًا بإجراء محادثات مع خصومه في ائتلاف الإطار التنسيقي المؤيد لإيران، تاركًا البلاد من دون حكومة لمدة عشرة أشهر لأول مرة منذ الغزو الأمريكي عام .2003

وقد صرّح الصدر: “لا فائدة تُرتجى من ذلك الحوار، وخصوصًا بعد أن قال الشعب كلمته الحرة العفوية”.

وما يزال الصدر متمسكًا بموقفه رغم ضغط المؤسسات الدولية والمحلية مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، والرئيس برهم صالح، وبعثة الأمم المتحدة في العراق، ونوري المالكي، خصم الصدر ورئيس الوزراء الأسبق.

ومع انزلاق البلاد إلى مستنقع أزمة سياسية عميقة، ترمي بيوت العراقيين في ظلام دامس بعد عجز وزارة الكهرباء عن إيجاد التمويل اللازم لتوفير الكهرباء.

وقال البيدر: “تسبب هذا الجمود في ارتباك اقتصادي وسياسي وأمني كبير. من الصعب أن نفهم رغبات الصدر وخطواته التالية، فمن المستحيل توقّع تصرفاته.”

الدين والسياسة

لا يقتصر الجمود السياسي على العراق وحده. فمنذ إعادة انتخاب نجيب ميقاتي في يونيو الماضي رئيسًا للوزراء في لبنان، لم يُحرز تقدّم يُذكر في تشكيل الحكومة.

مع تدهور الظروف المعيشية، والانهيار الاقتصادي المتواصل، والإضراب الأخير في القطاع العام، يسعى الناس إلى توفير قوت يومهم بينما يواصل السياسيون شجاراتهم.

في منطقة تهيمن عليها معتقدات دينية متنوعة، لا يُعتبر وجود رجال الدين الشيعة في السلطة أمرًا غريبًا. ففي لبنان، يتزعم حزب الله الشيعي رجل الدين حسن نصر الله. وإيران، موطن أكبر عدد من السكان الشيعة، يحكمها آية الله علي خامنئي.

لكن البيدر لا يرى أي أفق لمهارات الصدر القيادية.

فهو يرى أنه “شخصية دينية لا تتحلى بأي براغماتية سياسية. وأنه يحاول فقط فرض هيمنته على الشارع الشيعي لتعزيز نفوذه وضمان بقائه في السلطة”.

وأضاف: “أما تظاهرات الشارع، فأنا أراها استعراضًا سطحيًا للقوة”، مشيرًا إلى محاولة الصدر المحتملة للتغطية على ثورة تشرين 2019-2021 عندما نزل العراقيون إلى الشوارع للإطاحة بالطبقة الحاكمة.

وأوضح البيدر أن الصدريين أكثر عددًا ويحملون السلاح.

صراع شيعي شيعي

وقد دعا الصدر إلى إجراء انتخابات مبكرة وطالب بتعديلات غير محددة في الدستور.

في 10 أغسطس الجاري، أعطى الصدر السلطة القضائية مهلة عشرة أيام لحلّ البرلمان مهددًا بعواقب غير محددة. لكن القضاء لا يملك أي سلطة دستورية لاتخاذ مثل هذا القرار، فوحدهم النواب هم من يمكنهم التصويت لحلّ البرلمان.

وما يزال التصعيد بين الفصائل الشيعية المتعارضة مستمرًا. فقد أعرب الصدر بالفعل عن استعداده “للاستشهاد” في قتاله بينما يتلقّى خصومه دعمًا مسلحًا من طهران.

ومع ذلك، فقد يستدعي الصراع بين الشيعة تدّخل المؤسسة الدينية في النجف وأهم الشخصيات الشيعية العراقية: آية الله العظمى علي السيستاني.

ومن ثمّ، فإن إجراء الانتخابات المبكرة ليس مستبعدًا تمامًا.

وقال الخبير السياسي حمزة حداد لفنك: “السيناريو الأكثر احتمالًا للخروج من هذا المأزق السياسي هو أن توافق جميع الأطراف السياسية على إجراء انتخابات جديدة، وهذا سوف يسمح للصدر بحفظ ماء الوجه، ولن يزعزع النظام الحالي، وذلك رغم اللغة التي يستخدمها الصدر”.

وأكّد حداد على أن دعوة الصدر لإجراء انتخابات مبكرة ليست ثورية، بل هي “تصرف يائس سيؤدي على الأرجح إلى انخفاض إقبال الناخبين”.

ماذا بعد؟

وأضاف حداد أن الانتخابات المبكرة لن تحدث بين ليلة وضحاها ومن الصعب إجراؤها.

وقال: “السؤال هو ما إذا كان رئيس الوزراء الكاظمي سيستمر في حكومته المؤقتة، وهو ما يُشاع أن الصدر يريده، أم أن حكومة جديدة ستؤدي اليمين لتجهيز البلاد لانتخابات مبكرة في غضون عام أو عامين. والخيار الأخير هو ما تريده الأحزاب السياسية الشيعية الأخرى”.

في استطلاع أجراه معهد تشاتام هاوس على ألف شخص من التيار الصدري، وجد أن الغالبية متشككة في القيادة السياسية الحالية ويعتقدون أن السلطات الدينية قادرة على حلّ مصائب البلاد.

ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن الصدر ازداد ارتباطه بالسياسة منذ فوزه في انتخابات 2018، مما خلق تضاربًا في صورته العامة.

وقال البيدر: “سيضرّ الصدر بالسياسة العراقية إذا ازداد قوةً. فالعراق يتميز بتنوع ديني وعرقي كبير يجب التنبّه له. ويحتاج الوعي السياسي إلى التخلص من هذه العقلية القَبَلية التي نشأت في عهد صدام حسين”.