وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

اللّاجئين الفلسطينيّين في لبنان: صراع بلا حدود

اللّاجئين الفلسطينيّين في لبنان
طالبة فلسطينية تقرأ كتابًا في أول يوم لها عند عودتها إلى مدرسة حيفا التي تديرها الأونروا في الضاحية الجنوبية لبيروت في 3 سبتمبر، 2018. انور عمرو / وكالة الصحافة الفرنسية

دانا حوراني

واحد من أصل خمسة لاجئين فلسطينيين رسبوا في الامتحانات الرسمية عام 2021، وابنة غادة ضاهر كانت من بينهم.

تخاف ضاهر، وهي ناشطة فلسطينيّة من مخيّم مار الياس للّاجئين الفلسطينيّين، وخرّيجة مدرسة وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين، من عدم حصول ابنتها على المستوى نفسه من التّعليم الّذي حصلت عليه هي في الماضي.

ولقد صرّحت في حديث مع فناك، “إنّ المناهج التّعليميّة لمدارس الأونروا في خطر، وذلك لتزايد العراقيل مثل الصّفوف المكتظّة، والجداول الزّمنيّة غير المنتظمة، ونقص المعلّمين.”

هناك 65 مدرسة في لبنان تديرها وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (الأونروا)، ولقد أعلم أحد المسؤولون في هذه الوكالة فناك بأنّ على المتبرّعين منح الأولويّة للاعتداءات الّتي اندلعت حديثًا في أوكرانيا، وللأزمة المستمرّة في سوريا. ترك كلّ ما سبق ذكره، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصاديّة في لبنان، أثرًا كبيرًا على هذه المنظّمة وأعمالها، وكنتيجة لذلك، هي تعاني منذ فترة من نقص في الأموال أدّى إلى تراجع كبير في قدرتها على تقديم الخدمات.

إنّ الأونروا مسؤولة بشكل أساسيّ عن تقديم المساعدات للّاجئين الفلسطينيّين في لبنان والأردن وسوريا والضّفّة الغربيّة. يعيش في لبنان وحده حاليًّا أكثر من 479,000 لاجئ، لكن قد تكون الأعداد فعليًّا أعلى. وعلى عكس الاعتقاد السّائد، لا تُعنى هذه المنظّمة بإدارة مخيّمات اللّاجئين أو بالإشراف عليها، إنّما تقدّم فقط خدمات الرّعاية الصّحّيّة، والبنية التّحتيّة، والخدمات الماليّة، والتّعليميّة الأساسيّة.

وفيما يحذّر النّاشطون والخبراء من تصعيدات محتمَلة قد تهدّد الأمن الدّاخليّ للمخيّمات، إمّا من خلال احتجاجات منظَّمة أو طُرُق الهجرة الخطرة، يتزايد شعور اللّاجئين الفلسطينيّين بالاغتراب، وهم عالقون في بلد يعاني من أسوأ أزمة شهدها منذ سنين، ومحظورون من العودة إلى ديارهم.

حقيقة أن تكون فلسطينيًّا في لبنان

يواجه لبنان، بحسب البنك الدّوليّ، أسوأ أزمة اقتصاديّة شهدها العالم منذ 150 سنة.

لقد خسرت اللّيرة اللّبنانيّة أكثر من 90% من قيمتها، وارتفعت نسب البطالة، وكلّ ثلاثة أشخاص من أصل أربعة من بين 6.7 مليون نسمة أصبحوا من الفقراء. عانى كلّ سكّان البلد من ذلك، سواء أكانوا من المحلّيّين أو الأجانب، لكن بنسب متفاوتة. فالحكومة اللّبنانيّة تفرض قيودًا صارمة على العمل تطال الفئات المُستضعَفة، مثل اللّاجئين الفلسطنيّين والسّوريّين، مُعيقة بذلك قدرتهم على إعالة أنفسهم وتأمين مستقبلهم.

فالفلسطينيّون مثلًا، محظورون من ممارسة أكثر من 30 مهنة، من ضمنها الهندسة، والقانون، والطّبّ، وهم محدودون بشكل كبير بالاقتصاد غير الرّسميّ.

وبحسب ضاهر، تتضمّن الوظائف غير الرّسميّة الأكثر طلبًا مُصفِّفي الشّعر، والفنّانين التّجميليّين، وميكانيكيّي السّيّارات، وموظّفي التّوصيل، والنُّدُل في المطاعم.

وقالت: “أغرق الطّلب على هذه الوظائف السّوق. ولقد أقبل على هذه المجالات الفلسطينيّون والسّوريّون واللّبنانيّون على حدّ سواء، فعلى الرّغم من قلّة الرّبح فيها، هي تؤمّن لهم مدخولًا.”

وورد في تقرير صادر عن الأونروا عام 2022 حصلت عليه فناك، حول معيشة الفلسطينيّين في لبنان، أنّ 68% من الأُسَر الفلسطينيّة المشارِكة في الاستطلاع تتناول وجبات أقلّ من الطّعام في اليوم، و62% منها خفّضت من كمّيّة الطّعام المُستهلَك، و28% من الرّاشدين يأكلون أقلّ لإطعام أطفالهم.

وبحسب هدى سمرا، النّاطقة الرّسميّة للأونروا، “تعيش كلّ الأُسَر الفلسطينيّة تقريبًا تحت خطّ الفقر” بنسبة 93%․

وتُكمل قائلة: “فاتورة مولّدات الكهرباء [الخاصّة] ارتفعت باطّراد، ما أدّى إلى تخلّي الأُسَر عن الكهرباء. وتوقّف آخرون عن شراء قوارير الغاز، واعتمدوا في غذائهم على الأطعمة غير المطهيّة مثل الخبز والصّعتر (الزّعتر). وذلك سبّب تدهور الحالة الصّحّيّة [للسّكّان] في المخيّمات.”

وفي خلال العام الدّراسيّ الماضي في لبنان، ترك 1275 تلميذ فلسطينيّ المدرسة. أشارت الأونروا في تقريرها، أنّ من بين الكثير من العوامل، جاء الضّيق النّفسيّ كالسّبب الرّئيسيّ لذلك لدى 55% من هؤلاء التّلاميذ․

أضافة ضاهر “إنّ حالتنا تزداد سوءًا، وما عاد في وسعنا الاحتمال. نخاف من إغلاق المؤسّسة كلّيًّا وتخلّيها عنّا، فهي طوق نجاتنا. ليس لدينا غيرها نلجأ إليه، ومن مسؤوليّاتها تأمين الأموال اللّازمة لإعانتنا.”

التلاميذ أحدث الضّحايا

عبّرت ابنة ضاهر، البالغة من العمر 15 عامًا، إلى أمّها في بداية العام الدّراسي في أيلول، عن نوبات من الاكتئاب، والقلق، وفقدان الرّغبة في متابعة دراستها، بدأت تعاني منها بعدما اضطرّت إلى إعادة الصّفّ التّاسع.

أعربت ضاهر عن قلقها قائلة: “تضمّ بعض الصّفوف ما يفوق 50 تلميذ، فكيف يمكن للمعلّمين والتّلاميذ التّركيز في ظروف مماثلة؟ حتّى أنّ بعض المدارس تفتقر إلى الكهرباء والمياه.”

وبرأيها، فشلت المدارس في توفير المناهج والتّلاميذ لا يحصلون على الجداول الزّمنيّة لصفوفهم إلّا يوميًّا.

تضيف النّاشطة: “لقد فَقَدَ التّلاميذ كلّ محفّز للبقاء في المدرسة، وتجاهلوا أيّ احتماليّة بناء مسار مهنيّ في هذه البلاد. حتّى أنّهم يقولون لنا “لِمَ ندرس، في حين لا يسعنا الحصول على وظيفة كوننا فلسطينيّين؟””

أطلق اتّحاد الأساتذة الفلسطينيّين ومجموعات أخرى من النّاشطين في مخيّمات اللّاجئين، سلسلة احتجاجات أمام مقرّات الأونروا مطالبين الوكالة باتّخاذ تدابير سريعة.

وبحسب سمرا، النّاطقة الرّسميّة باسم المنظّمة، وظّفت الأونروا المزيد من المعلّمين، وهي تحصي التّلاميذ حاليًّا لتحديد عدد المعلّمين الّذي تحتاج إليه لتخفيف الاكتظاظ في الصّفوف إلى النّصف.

كما أفادت أنّ “الوكالة تتبع خطّة عمل واضحة، فنحن ننتظر حتّى يبدأ العام الدّراسيّ قبل أن نحصي تلاميذنا، ويحصل ذلك خلال الأسبوعَين الأوّلَين للحرص على حصولنا على عدد المعلّمين والصّفوف المتوفّرة الصّحيح.”

وأكملت قائلة “لا يمكننا تعيين عدد معلّمين يفوق حاجتنا، وهذا سبب الانتظار. فأحيانًا يختلف عدد التّلاميذ المسجَّلين عن عددهم الحقيقيّ الفعليّ في الصّفوف.”

صرّح الوليد يحيى، محرِّر في بوّابة اللّاجئين الفلسطينيّين، بأنّ العديد من الأهالي قرّروا نقل أولادهم من المدارس الرّسميّة والخاصّة اللّبنانيّة إلى مدارس الأونروا ما أدّى إلى ارتفاع اكتظاظ الصّفوف.

وأعلم يحيى فناك بـ”تزايد الحاجة إلى بناء المدارس في مخيّمات اللّاجئين، وبأنّ الأهالي يجدون صعوبة في تحمّل تكاليف النّقل. وبذلك مع احتداد الأزمة، تتزايد المطالب.”

ويضيف أنّ على الرّغم من سعي الأونروا إلى تخفيف الأعباء المادّيّة بتأمين القرطاسيّة، اضطرّت العديد من الأُسَر إلى تحمّل نفقات اللّوازم المدرسيّة لأولادها من دون أيّ مساعدة.

وفي هذا الصّدد، قالت سمرا: “إنّنا نفعل أقصى ما يسعنا تحقيقه بمواردنا المحدودة. وعلى الرّغم من اعترافنا بأنّ معايير خدمتنا لا ترقى إلى مستوى مطامحنا، إلّا أنّ الصّراع الأوكرانيّ، والأزمة الغذائيّة في السّودان واليمن وليبيا، وأزمة اللّاجئين السّوريّين، والفيضانات في باكستان، قد صرفت الاهتمام عن اللّاجئين الفلسطينيّين عالميًّا.”

يتّفق كلّ من المحرِّر يحيى والنّاشطة ضاهر على أنّ جائحة كوفيد-19 كانت عاملًا فاعلًا في مشكلة التّعليم وفي تقصير الأونروا. ويقولان بأنّه طُلب من التّلاميذ الّذين تملك أُسَرهم هاتفًا محمولًا واحدًا لجميع أفرادها، ولا وصول لهم إلى الأجهزة اللّوحيّة، أو الحواسيب المحمولة، أو لا تتوفّر لهم حتّى خدمة الإنترنت عبر الجوّال والإنترنت اللّاسلكيّة، حضور المحاضرات، والتّحضير للاختبارات عبر الإنترنت، متوقّعين منهم النّجاح في ظلّ أصعب الظّروف.

هل نُقدِم إلى مراحل أسوأ؟

تشير سمرا إلى أنّ الأونروا تسعى إلى التّعاون مع اليونيسف لتمويل مبادرة التّخفيف من عبء التّنقّلات.

في هذه الأثناء، اتّخذت مبادرات صغيرة مثل حملة “يونيفورم فور يو”، وغيرها من المساعي الّتي يموّلها المغتربون الفلسطينيّون، على عاتقها توزيع القرطاسيّة والزّيّ المدرسيّ للتّلاميذ.

غير أنّ يحيى يصرّ أنّ الحلول المؤقّتة لا تفيد المشكلات الطّويلة الأمد.

ويقول: “إنّ الأونروا هي مصدر الاستقرار الوحيد للّاجئين الفلسطينيّين. إذ تحمي أعمالهم المخيّمات من نوبات الغضب الجماعيّ والتّهديدات الأمنيّة المحتمَلة. فلقد أدّت الأزمة في لبنان إلى تصاعد حالات العنف، ووضعت الفئات الاجتماعيّة المُستضعَفة في خطر الثّورة من البؤس.”

ويحذّر النّاشطون من تصعيدات حيال الأونروا، أو من مظاهرات حاشدة تهدّد أمن المخيّمات الدّاخليّ في حال عدم تقديم حلول سريعة.

يقول يحيى أيضًا: “إنّ الجوع يدفع النّاس نحو الأسوأ. فماذا تتوقّعون من هذا الجيل المُهمَل أن يفعل؟ إذ من الظّاهر أنّ لديهم حلًّا من اثنين، إمّا الموت بحرًا أو الانتحار.”

وصلت نسبة الهجرة البحريّة من الشّرق الأوسط إلى أوروبّا، في الصّيف الفائت، إلى مستويات خطيرة، محوّلة بلدان مثل لبنان إلى منصّة إطلاق للمهاجرين اليائسين، من ضمنهم الفلسطينيّين، والسّوريّين، وحتّى المواطنين اللّبنانيّين الّذين يخاطرون بالموت في البحر الأبيض المتوسّط بهدف الحصول على فرصة للعيش الكريم في أوروبّا.

ويضيف المحرِّر “هذا نوع من الثّورة في رأيي. فكأنّ الفلسطينيّون يصرخون “إمّا أن تعترفوا بوجودنا أو ننتحر”. بعضهم حتّى، يفكّر في الذّهاب إلى فلسطين سيرًا على الأقدام ليُقتَل على أيدي الجنود الإسرائيليّين.”

لم تمنح إسرائيل بعد حقّ العودة للفلسطينيّين الّذين هُجِّروا من منازلهم عام 1948. وكدولة مستضيفة، أصبح الوضع في لبنان أكثر عدائيّة تجاه مواطنيه، وبذلك ترك الغموض اللّاجئين في حالة من الرّكود والأسى.

صرّحت ضاهر: “أقول لابنتي، في محاولة لإلهامها، أنّنا أن نكون فلسطينيّين يعني أن نقاوم. فنحن نتصدّى للحروب، والاعتداءات، والصّراعات الاقتصاديّة. وأحاول طمأنتها بوجود أمل في العودة إلى أرض الوطن يومًا ما، لكن علينا الآن الثّبات في عزمنا.”