وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

محددات أو عوامل إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية

رجالٍ فلسطينيين يصارعون للمرور من نافذة صغيرة في جدارٍ فولاذي
صورة تم التقاطها يوم ١٤ سبتمبر ٢٠٠٥ لرجالٍ فلسطينيين يصارعون للمرور من نافذة صغيرة في جدارٍ فولاذي يقود من مدينة رفح الجنوبية بقطاع غزّة إلى مصر. المصدر: PEDRO UGARTE/ AFP.

ماجد كيالي

لم تبق السياسة الفلسطينية على حالها طوال 67 عاما، وهو عمر الحركة الوطنية المعاصرة. وهذا بديهي، إذ أن الحركات السياسية، مثلها مثل الظواهر الاجتماعية تنشأ وتنمو وتزدهر ثم تذهب إما نحو الشيخوخة والأفول، أو نحو التغيّر والتطور، أو تجمع بين كل ذلك؛ وهذه حال الدول وحتى الإمبراطوريات.

ففي غضون العقود الخمس الماضية، حصلت تغيّرات نوعية كبيرة وعاصفة، دولية وإقليمية، وعلى الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي. كما حصل تغيّر في شكل العلاقات العربية – الإسرائيلية، التي انتقلت من حالة الصراع إلى حالة التعايش، أو من ملف 1948، أي ملف معالجة أسباب النكبة ونفي وجود إسرائيل، إلى ملف 1967 أي ملف إنهاء الاحتلال والصراع على شكل وجود إسرائيل فقط.

مثلاً، على الصعيد الدولي، انطلقت الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة كان العالم يعيش فيها في ظل الانقسام بين معسكرين أو قطبين، وفي إطار صراعات الحرب الباردة. لكن مع انتهاء الاتحاد السوفييتي (مطلع التسعينات)، وجدت نفسها في عالم مختلف تماماً إذ أضحت الولايات المتحدة الأمريكية، حليف إسرائيل الاستراتيجي، بمثابة القطب المهيمن في العالم. وها هي اليوم تقف في مواجهة مرحلة جديدة، إزاء عالم جديد متعدد الأقطاب، أو إزاء عالم يشهد نوعاً من الانكفاء الأمريكي.

وعلى الصعيد الإقليمي والعربي والفلسطيني، اندلعت حروب وحدثت تطورات عديدة. فثمة حرب يونيو 1967، التي نجم عنها هزيمة إسرائيل لعدة أنظمة عربية، واحتلالها باقي الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع)، وحرب أكتوبر 1973، ثم الحرب الأهلية اللبنانية، التي تلاها توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. ومن التطورات الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، الذي نجم عنه خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من هذا البلد، وانتهاؤها في الخارج، بعد أن كانت انتهت من الأردن (1970) ثم من سوريا أواسط السبعينات.

وفي خضم هذه التطورات، سقط نظام شاه إيران وقامت الجمهورية الإسلامية ونظام آيات الله، ثم الحرب العراقية الإيرانية، وبعدها حرب الخليج الأولى (1991)، التي أدت إلى تضعضع ما تبقى من النظام العربي. وفي غضون كل ذلك، أيضاً، اندلعت الانتفاضة الأولى، وتم عقد مؤتمر مدريد للسلام (1991)، في ظروف انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك التضامن العربي. وأدى ذلك إلى توقيع اتفاق أوسلو مع إسرائيل (1993).

بعد ذلك، وبسبب استمرار المفاوضات وعدم تنفيذ إسرائيل التزاماتها، وانكشاف تعنّتها في عملية التسوية في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، اندلعت الانتفاضة الثانية (2000-2004). وفي هذه الظروف وقع الهجوم الإرهابي في 11 سبتمبر 2001، في الولايات المتحدة، لتندلع الحرب الدولية على الإرهاب، وما تبعها من غزو أفغانستان (2002) ثم غزو العراق واحتلاله (2003). ومن تداعيات احتلال العراق قيام إسرائيل باستغلال كل ذلك لمعاودة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، ووفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بعد حصار دام ثلاثة أعوام.

بعد ذلك، حصلت تطورات عديدة ضمنها صعود حركة حماس في السياسة الفلسطينية، إثر فوزها في انتخابات المجلس التشريعي الثاني (2006)، وانقسام النظام السياسي الفلسطيني، مع كل ما تبع ذلك من انعكاسات سلبية تمثلت في تشتّت جهد الفلسطينيين وتنامي مشاعر الإحباط عندهم، لا سيما مع الجمود الحاصل في حركتهم الوطنية، أي في خطاباتها وبناها وأشكال عملها ولا سيما مع تغليبها وضعها كسلطة على وضعها كحركة تحرر وطني.

هكذا، فقد كان من الصعب على الفلسطينيين الانتصار على إسرائيل، مع كل ما في هذه المسيرة من عذابات ومعاناة وتضحيات وتعقيدات وبطولات، في هذا الواقع الدولي والعربي، ومع كل هذه التطورات الهائلة، وغير المواتية، لا سيما أن المشروع الوطني الفلسطيني، كما تمثلته فصائل حركة التحرر الفلسطينية، في منتصف الستينات، نشأ من الأساس مأزوماً بحكم عوامل متعددة، لعل أهمها يكمن في الآتي:

1 ـ عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات وموازين القوى المتاحة، بين الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية من جهة، وإسرائيل من الجهة الأخرى. فعدا عن عوامل القوة التي تتمتّع بها إسرائيل، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومن ناحية الإدارة، فإن هذه الدولة تحظى بدعم الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، التي تكفل أمنها وتدعم تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على دول المنطقة.

2 ـ افتقاده لحيّزه، أو لإقليمه، الاجتماعي والجغرافي المتعيّن والمستقلّ والخاصّ. وهذان، أي الحيّز الجغرافي والاجتماعي، أمران لازمان لتشكيل أي حقل سياسي، وعمودان أساسيان، في إنتاج أية وطنية، ولا سيما إذا تعلق الأمر بترسيخها واستمرارها. ومعلومٌ أن المجتمع الفلسطيني ممزّق ويخضع لأنظمة سياسية متعددة ومتباينة، وأنّ التواصل بين كل تجمّع وآخر هو في غاية الصعوبة، ما يعقّد ويصعّب عمل الحركة الوطنية الفلسطينية ويعيق تشكّل حقل سياسي فلسطيني، ناهيك أنه يشوهه.

3 ـ تأخّره (بمسافة ثلاثة عقود) عن مشاريع “الوطنيات” العربية، مما جعله يجد نفسه في كثير من المحطات والأحيان في تعارض أو في تصارع معها، وهو ما حصل في الأردن ولبنان ومع سوريا. وبديهي أننا نتكلم عن حركة مسلحة، وليس مجرد حركة سياسية، وهذه كانت تسعى لمواجهة أقوى دولة في الشرق الأوسط، بواسطة الكفاح المسلح، وحرب التحرير الشعبية. لذا، فإن أي نظام لن يسمح بوجود قوة عسكرية في أرضه، أو بوجود حركة تحرر تنازعه النفوذ والمكانة، أو تعرّض استقراره للخطر. ولعله جدير بنا أن نذكر هنا أن عدد الفلسطينيين الذين لقوا مصرعهم في خضم الاصطدامات والصراعات خارج فلسطين، ربما أكبر من عدد الذين لقوا مصرعهم داخلها على يد إسرائيل.

4 ـ ضعف إمكانيات الشعب الفلسطيني من الناحية المادية، الأمر الذي جعل حركتهم السياسية تعتمد في مواردها على مصادر خارجية، بدل اعتمادها على شعبها، ما جعلها مرتهنة لهذه المصادر، وهذا بدوره أثّر على سلامة خياراتها وخطاباتها السياسية، ما جعلها تميل إلى التماهي أو التماثل مع خطابات الأنظمة العربية.

طبيعي أن كل ذلك أثر سلباً على الحركة الوطنية الفلسطينية وحدّ من قدراتها وقيّد من محاولاتها تطوير أوضاعها، وأسهم في إزاحتها عن الوظائف التي قامت من أجلها. بيد أن ذلك كلّه لا يلغي أن ثمة قسطاً من المسؤولية يقع على عاتق العامل الذاتي، أي على عاتق الحركة الوطنية الفلسطينية، التي لم تستطع الحفاظ على إنجازاتها، ولا تعزيز الطابع المؤسسي والتمثيلي والديمقراطي في بناها وأشكال عملها، ولا الحفاظ على القدر المطلوب من العلاقة بينها وبين مجتمعها. والقصد أنه إذا كانت العوامل السابقة تحدّ من قدرة الفلسطينيين على تحقيق انتصار تاريخي على إسرائيل، فقد كان يمكن للعامل الذاتي أن يقلّل من الخسائر، ربما، وأن يحافظ على حالة وطنية، أفضل، وأمتن، وأكثر وعداً.

كانت هذه مقدمة ضرورية للتعرّف على العوائق والتعقيدات والتحديات التي واجهت حركة التحرر الفلسطينية في مسيرتها الطويلة والمضنية والمكلفة، بشرياً ومادياً، والتي أثّرت على خطاباتها السياسية، وعلى الخيارات الوطنية التي انتهجتها، من التحرير إلى التسوية، أو من الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن حركة التحرر إلى السلطة، مع التمييز بين دور العوامل الموضوعية التي قيدت كفاح الفلسطينيين وبين العوامل الذاتية التي أسهمت في إخفاقه أو في الحد من قدراته أو تطوره.