تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

الشيعة العرب رأس حربة الولي الفقيه

الشيعة العرب
صورة تم التقاطها يوم ٥ سبتمبر ٢٠٠٦ لزعماء عشائر قبلية شيعية عراقية وهم ينصتون لأحد المتحدثين في اجتماع حضره زعماء عشائر سنية وشيعية بحضور النائب صالح المطلق، زعيم الجبهة العراقية للحوار الوطني، وذلك قبل انعقاد إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد. المصدر: ALI AL-SAADI / AFP.

حسين الزعبي

أربعة ملفات ساخنة في المشرق العربي يشكل الشيعة العرب، وربما يجوز القول أيضا “الإسلام السياسي الشيعي” رأس حربة فيها، ثلاثة منها تدار بشكل مباشر من قبل إيران والرابع، بطريقة أقل مباشرة نظرا لتقاطع وتضارب المصالح الاقليمية والدولية فيه.

في الملف اللبناني، لم يخف حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، وهو ميليشيا مسلحة شيعية تأسست في العام 1982، لم يخف الولاء المطلق للولي الفقيه إذ قال صراحة: “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنيين عقائديين هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان (الإمام الغائب) ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني”.

نظرية الولي الفقيه

يؤمن عموم الشيعة بأن النبي محمد عيّن علي بن أبي طالب للإمامة بالاسم والنص المباشر، وأن هذه الإمامة تستمر كذلك في ابنيه الحسن والحسين وتتسلسل بشكل وراثي عمودي في ذرية الحسين، وكل إمام يوصي لمن بعده إلى أن تبلغ الإمام الثاني عشر وهو ما يطلق عليه الشيعة “المهدي الغائب المنتظر“. ولكن بعد وفاة الإمام الحادي عشر الإمام الحسن العسكري في سامراء في العراق سنة 260هـ دون إعلانه عن وجود خلف له، أحدث شكاً وحيرة بشأن مصير الإمامة، فافترق الشيعة إلى أربع عشرة فرقة كما يقول رجل الدين الشيعي الحسن بن موسى النوبختي في كتاب “فرق الشيعة”، واحدة منها فقط قالت بوجود خلف للإمام العسكري، وأن اسمه محمد، وقد أخفاه والده خوفاً من السلطة فستر أمره، فيما ترى الفرق الأخرى أن الله غيبه.

بقي الشيعة من دون إمام إلى أن طرحت نظرية “الولي الفقيه” أو “المرشد الأعلى” وهما لفظان مترادفان مرتبطان بالنظرية السياسية الدينية التي أتى بها الإمام الخميني، وهي “ولاية الفقيه”، وقد نشأت نظرية “ولاية الفقيه” على يد الشيخ أحمد النراقي، مؤلف كتاب “عوائد الأيام” في أصول الفقه والمتوفى عام 1829، وطبقها الإمام الخميني لأول مرة عام 1979، ليصبح الخميني الولي الفقيه ونائب الإمام الغائب الذي سيعود يوما – حسب الشيعة – وسيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا.

وصول الخميني إلى سدة الحكم بعد ثورة 1979، وفتكه برفاق درب الثورة، مثل أبو الحسن بني صدر وعلي شريعيتي وغيره، كان بمثابة الدخول الأول للشيعة الاثني عشرية في ممارسة الحكم، من خلال تقديم الخميني لنفسه كمرجعا دينيا أعلى للشيعة في العالم أجمع، مرجعا لا يؤمن بفكرة الحدود القومية، ولهذا تبنت إيران الخميني فكرة تصدير “الثورة الإسلامية الشيعية” إلى العالم العربي معتمدة على خطابين رئيسيين الأول خطاب مذهبي يقدم طهران على أنها حامية “المستضعفين” الشيعة في العالم وبما يترتب على ذلك من دعم إعلامي ومالي وعسكري وتشكيل ميليشيات، والثاني خطاب يغازل العواطف في المجتمع العربي وفي ذلك وجد ضالته في القضية الفلسطينية.

البداية من بيروت..

الشيعة العرب
صورة تم التقاطها لآية الله روح الله الخميني عندما كان زعيماً للمعارضة الإيرانية في المنفى وذلك أثناء خروجه من فيلته إلى صلاة الجمعة في يناير من عام ١٩٧٩ بمنطقة نوفل لو شاتو. المصدر: JOEL ROBINE / AFP.

حاول الخميني البدء بتصدير الثورة إلى الساحة الأخصب العراق، بلد المنشأ للشيعة في العالم، والذي خبره الخميني جيدا إذ أقام في مدينة النجف من أيلول عام 1965 وحتى نهاية عام 1978 حين غادرها إلى باريس. لكنه اصدم بنظام صدام حسين، فجاءت الفرصة ليضع يده في لبنان الذي كان يعيش أتون الحرب الأهلية والاجتياح الاسرائيلي في العام 1982. وفي هذا السياق، يقدم حسن نصر الله خلال حوار مع مجلة “مسير” الإيرانية، روايته عن كيفية تأسيس الحزب: إن “مجموعة من اللبنانيين الموالين لقيادة الإمام الخميني والمعادين لإسرائيل، اجتموا وقرروا تأسيس تيار يجمعهم، وتم انتداب مجموعة منهم مكونة من 9 أشخاص، بينهم عباس الموسوي الأمين العام السابق للحزب (دون أن يسمي هؤلاء التسعة باستثناء الموسوي )”.

واستكمل قصة تأسيس حزب الله، قائلا: “ذهبوا إلى إيران في ذلك الحين، والتقوا بالمسؤولين وذهبوا إلى الإمام الخميني، وعرضوا عليه أوضاعنا وأحوالنا ونيتنا وقالوا له نحن نؤمن بإمامتك وولايتك وقيادتك… الإخوة قالوا للخميني نحن نؤمن بولايتك وإمامتك وقيادتك، لكنك مشغول كثيرا وكبير في السن، فلا نستطيع أن نزاحمكم دائما في المسائل والقضايا، فنرجو أن تعينوا مندوبا لكم يمثلكم ونرجع إليه في مسائلنا المختلفة التي نحتاج فيها بالرجوع إليكم، وفي ذلك الحين عين الخميني شخص الخامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية، وقال إنه يمثلني. منذ ذلك الحين بدأت العلاقة بين حزب الله والخامنئي، أي منذ الساعات الأولى لتأسيس ونشوء حركة حزب الله”. والكلام لنصر الله.

كرس حزب الله وجوده في الساحة الشيعية اللبنانية، إلى جانب حركة أمل التي يتزعمها رئيس البرلمان الشيعي نبيه بري، بحيث يمكن القول إن نحو 90 بالمئة من السكان الشيعة في لبنان هم إما ينتمون لحزب الله أو لأمل، فيما يتوزع الآخرون على القوى الليبرالية والشيوعية وغيرها.

تكريس حزب الله لوجوده بقوة في الساحة الشيعية، مكّنه من التحول إلى قوة ضاربة في لبنان مستندا إلى ما لديه من ترسانة عسكرية زودته بها إيران ونظام حافظ الأسد طيلة عقود حتى أصبح دولة داخل الدولة، وعندما تعارضت مصالحه مع مصالح الدولة، لم يتذرع عن استخدام قوته داخل العاصمة بيروت كما حدث يوم 7 أيار 2008 حين احتلت مجموعات تابعة لحزب الله شوارع بيروت وقامت بأعمال عنف أسفرت عن مقتل نحو 71 شخصاً، ودمار كبير في الممتلكات، وأنزل أتباع حزب الله الأعلام اللبنانية عن العديد من المقرات ورفعوا بدلا عنها رايات الحزب.

من 7 أيار إلى الربيع العربي

الشيعة العرب
زعيم حزب الله اللبناني الشيخ حسن نصر الله يلقى خطاب “النصر” على حدود بلدة بنت جبيل يوم ٢٦ مايو ٢٠٠٠ حيث قام بتحيته عشرات الآلاف من المناصرين المبتهجين بمناسبة طرد إسرائيل من جنوب لبنان. المصدر: THOMAS COEX / AFP.

شكل ذلك التاريخ تحولا في نظرة اللبنانيين والعرب إلى الحزب الذي حول سلاحه إلى الداخل هذه المرة، بعد أن كان يبرر امتلاك ترسانة السلاح بمواجهة إسرائيل التي انسحبت من جنوب لبنان في أيار من العام 2000.

في تلك المرحلة بدأت تطرح الأسئلة علنا حول حقيقة انتماء حزب الله إن كان لبنانيا، أم شيعيا وبالتالي إيرانيا. وكانت أعلى الأصوات الشيعية انتقادا لحزب الله، أمينه العام الأول المفصول من كوادر الحزب، صبحي الطفيلي. لكن صوت الطفيلي كان أضعف من أن يسمع في وقت استطاع فيه حزب الله أن يحكم قبضته على شيعة لبنان إعلاميا واقتصاديا وعقائديا من خلال إقناعهم بأنه بمثابة الحامي لهم وأنهم بذلك يؤدون “واجبا جهاديا”.

تعزز الخطاب العقائدي للحزب مع قدوم أحداث الربيع العربي، وبدت الحاضنة الشعبية لحزب الله أكثر انتماءا للمذهب منه للوطن لبنان أو للأمة وفق مفهوم العروبة. فلا الحزب التزم بما أعلنه لبنان الرسمي من انتهاج سياسة “النأي بالنفس” عمّا يحدث في سوريا، ولا هو كان قريبا ممن تربطه بهم صلات الدم من السوريين بل كان قراره المشاركة في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الاسد كما فعلت إيران، وتحت شعارات مذهبية، تؤكد الصيرورة التاريخية لها أنها واهية، فكان خطابه الموجه لحاضنته أنه يريد حماية المقامات الدينية، التي هي أصلا محل تبجيل من قبل السنة، وعلى امتداد قرون طويلة لم تتعرض لأذى من قبلهم. لكن هذا الخطاب كان يلقى آذانا صاغية في الأوساط الشيعية لاسيما بعد ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يقدم على أنه أقصى يمين التطرف السني، علما أن السنة أكثر المتضررين منه، كما أنه لم يدخل في أي اشتباك مع إيران التي تعد، مذهبيا، على رأس خصومه.

التجييش الشيعي بلغ أوجه، وهذه المرة عراقيا، بفتوى المرجع الديني الشيعي علي السيستاني التي دعا فيها لمواجهة تنظيم الدولة، وبناء عليها تشكل ما يعرف بـ “الحشد الشعبي” الذي انضوت الميليشيات المسلحة الموالية لإيران.

خطاب مذهبي وخواء اقتصادي

بعد العام 2003 وصل الشيعة العرب في العراق إلى الحكم بدعم أمريكي، وتصدرت قوى “الاسلام السياسي الشيعي” المشهد، لكن العراق العائم على بحر من النفط راح شيئا فشيئا يقترب من الدول الفاشلة، وأخذ يفقد هويته الوطنية، وهذا يعيده المفكر السياسي العراقي الشيعي حسن العلوي إلى أن ساسة الشيعة لا يؤمنون أصلا بمنطق الدولة، وأن الدولة التي يحلم بها شيعة العراق هي “دولة المهدي المنتظر” وهم لا يؤمنون بأية دولة حتى لو كان الحاكم شيعيا، ووقفوا بالضد منها على مر فترات التاريخ، ولهذا فان التركيز في اهتمامهم أن دولة الشيعة لن تقام الا بعد ظهور المهدي المنتظر”.

العلوي سبق ونصح الشيعة بالقول: “أنتم في وسط محيط سني عربي كبير، من صالحكم أن تحسنوا التعايش مع محيطكم العربي والاسلامي، فهم أفضل لكم من ايران، وهي إن اعتمدتم عليها لنصرتكم فلا بد ان تواجهوا الخذلان منها، لانه ليس بمقدورها أن تجعلكم أغلبية حسبما تتصورون وسيبقى لسنة العراق بعربهم وكردهم أغلبية”.

السياسي العراقي الشيعي الآخر عزت الشابندر كان أكثر وضوحا في إشارته إلى أن الساسة الشيعة العرب أخفقوا في إدارة العراق بالقول:” شيعة الحكم حولوا الدولة إن وجدت لإمارات خاصة ومنحوا الشيعة فقط حرية اللطم (أحد الطقوس الدينية عند الشيعة).

الإخفاق الشيعي العراقي في إدارة الدولة وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية كان يقابله نجاح إيراني في تحويل الجار التاريخي اللدود، إلى مجرد تابع أداره، باعترافات ساسة العراق شيعة وسنة، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني السابق قاسم سليماني، الذي تولى بشكل مباشر إدارة الميليشيات التي انضوت في “الحشد” وتحولت إلى مؤسسة رسمية عراقية، تجاهر بولاءها لإيران حتى بات يطلق عليها عراقيا “الفصائل الولائية” (التي توالي الولي الفقيه). وفي هذا السياق يقول الباحث العراقي الشيعي كذلك غيث التميمي: “عندما احتلت الولايات المتحدة العراق لم تغير هويته الوطنية، لكن إيران كان لديها في العراق، عراقيون، حملوا أسلحة وبنادق ولاية الفقيه وراحوا يهدمون الدولة العراقية من أجل مصالح إيران”، ليخلص التميمي إلى أن “الأزمة الحقيقية في العراق هي إيران التي تهيمن العراق وتلغي هويته الوطنية”.

الشيعة العرب
صورة تم التقاطها يوم ٤ مارس ٢٠٢١ لأحد عناصر الامن العراقيين وهو يقف أمام لافتة كبيرة تظهر عليها صورتا البابا فرانسيس وآية الله العظمى علي السيستاني (يمين) وسط بغداد وذلك في ليلة عشية زيارة الحبر الأعظم الأولى للعراق. والتقى البابا في اليوم التالي رجل الدين الشيعي في النجف الأشرف. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE / AFP.

الأصوات الشيعية العربية الباحثة عن هوية وطنية في العراق بعيدا عن التمذهب والهيمنة الايرانية  كانت أضعف من أن تحدث التغيير، شأنها شأن مرجعية النجف التي يمثلها المرجع علي السيستاني، والتي حظيت بدعم دولي تمثل بزيارة بابا الفاتيكان إلى النجف الأمر الذي اعتبر اعترافا مسيحيا بمرجعية النجف العراقية لا بمرجعية قم الإيرانية، والتي لا تتفق بالمجمل مع نظرية الولي الفقيه.

إلا أن الأمر لم يكن كذلك عندما تحرك الشباب العراقي الشيعي بداية في مظاهرات مطلبية تتعلق بالبطالة والفقر قبل أن تتحول إلى مظاهرات تطالب بوطن “نريد وطنا” السلاح فيه في يد الدولة وطنا بلا محاصصة مذهبية ولا تبعية لا لإيران ولا للولايات المتحدة.

تحركات الشباب في المحافظات الجنوبية الشيعية رافقتها عمليات حرق لصور خامنئي والخميني وقاسم سليماني المنتشرة في شوراع العراق، وكذلك مهاجمة قنصليات إيران في كربلاء والبصرة ومقرات الميليشيات الموالية لإيران التي بادرت بإطلاق الرصاص، أسفر عن مقتل أكثر من 500 متظاهر واغتيالات عشرات النشطاء. وهنا يمكن الاشارة إلى حالة من التشابه بين ما حدث في العراق وبين الحراك اللبناني الذي قاده شبان لبنانيون من جميع الطوائف وعلى رأسهم الشيعة وتعرضوا للقمع من قبل مجاميع حزب الله وحركة أمل الشيعيتين.

حاولت القوى السياسية العراقية شيطنة تلك المظاهرات، من خلال الضخ الاعلامي الداعي إلى “خطورتها على الشيعة” لكن ذلك الخطاب أخفق، فهم أصلا يبحثون عن وطن بلا مذاهب دينية، ولأن تهمة تنظيم الدولة لن تجدي نفعا، فالمتظاهرين من الشيعة، كانت التهمة الاكثر شيوعا ارتباط المتظاهرين بسفارات دول اجنبية معادية، ولكنها أيضا لم تفقد الحراك الذي انطلق في 17 تشرين 2019 زخمه وأثمر سقوط حكومة حيدر العبادي، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. لكن كل ذلك لايبدو أنه أكثر من مجرد خطوة من ألف خطوة على الباحثين عن وطن أن يقطعوها، فاستئصال الأيادي الايرانية من العراق أكثر صعوبة من استئصال القاعدة وأخواتها كما يقول التميمي: “الشيعة بدؤوا يرفضون النفوذ الايراني في العراق. في السابق خدعوا كما خدع جزء من السنة بالقاعدة، لكن السنة عادوا إلى وطنهم ويرفضون المناهج المتطرفة والشيعة كذلك، لكن الفرق أن منظومات القاعدة خارج السلطة فكان استئصالها سهلا. أما المشكلة الشيعية أن سلاح ولي الفقيه متغلغل في مؤسسات الحكم العراقي..الشيعة يريدون أن يكونوا جزءً من وطنهم ومحيطهم العربي”.

اليمن من الزيدية الى ولاية الفقيه..

الشيعة العرب
صورة تم التقاطها يوم ٣ يناير ٢٠١٧ لمجموعة من مقاتلي الحوثي الذين تم تجنيدهم مؤخراً. وتظهر الصورة المقاتلين وهم يرددون الشعارات أثناء ركوبهم لمركبة عسكرية في أحد الاجتماعات التي تم تظميها في العاصمة اليمنية صنعاء لحشد المزيد من المقالتين لخوض المعارك ضد القوات المناصرة للحكومة في العديد من المدن اليمنية. المصدر: Mohammed HUWAIS / AFP.

ثالث الملفات الساخنة والتي لها علاقة مباشرة بالحالة المذهبية وبإيران، ملف اليمن وذلك عبر جماعة “أنصار الله” أو ما يعرف إعلاميا بجماعة الحوثي. هذه الجماعة كانت في الأصل تنتمي للمذهب الزيدي، نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وتصنف على أنها أقرب طائفة شيعية للسنة، ومن أسباب ذلك موقفهم من الصحابيين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، إذ يترضون عليهما، ولا يرفضون الصلاة خلف إمام من أهل السنة. ويجيز الزيديون الإمامة لكل أولاد ابنة الرسول فاطمة، سواء كانوا من نسل الحسن أو الحسين، وفي الوقت نفسه يعتبرون أن الإمامة ليست وراثية، بل يجب أن تتم بالمبايعة، فمن كانت فيه شروط الإمامة كان أحق بها، وفي ذلك خلاف جوهري يصل حد القطيعة مع نظرية ولاية الفقيه، إذ تخلت الزيدية عن شرط النسب الهاشمي للإمامة، فليس من الملزم أن يكون الإمام ذا نسب متصل إلى عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي، كما أنهم لا يؤمنون بالعصمة للأئمة وغيرهم باستثناء عصمة النبي محمد على عكس معظم الطوائف الشيعية الأخرى.

لم تكن الزيدية بعيدة عن الحكم في اليمن، إذ تولت الحكم لمدة ألف عام وصولا إلى الرئيس علي عبد الله صالح الذي اغتيل في ديسمبر 2017 على يد الحوثيين. كما أن الزيدية كانت تتماهى مع السنة، باستثناء فئة منها يطلق عليها “الجارودية” ترفض هذا النهج وتعتبر نفسها أقرب إلى المذهب الشيعي “الاثني عشري” ومن بينهم مؤسس التيار الحوثي بدر الدين الحوثي، والد حسين الحوثي الذي تولى زعامة الجماعة بعد والده والذي وقع أكثر من 18 من علماء الزيدية بيانا أكدوا فيه أنه ضد المذهب الزيدي، وضد آل البيت، وأنه يضلل علماء الزيدية وحكموا عليه بأنه ضال.

تصدر حسين الحوثي،  صعدة والشمال اليمني المحاذي للسعودية مع توسيعه لشبكة انتشار تنظيم “الشباب المؤمن” وطرحه لقضايا عقائدية وسياسية طالت حتى شخصيات بالمذهب الزيدي، وقيل إنه استفاد آنذاك من حالة “غض الطرف” الرسمية بهدف إيجاد توازن مع حركات سنية قوية، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي.

وتحت قيادة حسين الحوثي، خاض الحوثيون مواجهتهم المسلحة الأولى مع الجيش عام 2004، وخلال المعارك بذلك العام قتل حسين الحوثي، ولكن مسار الجماعة لم يتوقف، بل استمر مع الشقيق الأصغر، عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي قاد أنصاره لخوض خمس حروب مع الجيش اليمني، في الأعوام 2005 و2006 و2007 و2008 و2009-2010 امتدت الأخيرة منها إلى السعودية.

مع حدوث اضطرابات الربيع العربي والثورة ضد علي عبد الله صالح، لم يوفر الحوثي فرصة الانقضاض على العاصمة صنعاء والسيطرة على مفاصلها في نموذج أكثر قسوة من نموذج 7 أيار اللبناني، ليدخل اليمن في مخاض هو الأقسى ربما عبر تاريخه، لكنه هذه المرة اصبح ذا بعد اقليمي إذ استشعرت السعودية بأن الخطر الايراني بات على حدودها الجنوبية، ممثلا بالحوثي، وعلى حدودها الشرقية ممثلا بالميليشيات العراقية الموالية لطهران، وكأن الكماشة الايرانية تكاد تطبق عليها، لذلك سارعت لتشكيل تحالف عسكري ودخلت في معركة مباشرة مع الحوثي، ويمكن وصفها أيضا بمعركة غير مباشرة مع إيران، فهاهو التحالف الذي تقوده السعودية يعلن يوم 18 نوفمبر 2021 استهدافه موقعا سريا في صنعاء يستخدمه خبراء من الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله. أما جماعة الحوثي فبادرت إلى نعي القتلى وغرد أحد عناصر ميليشيات الحوثي متوعدا على “تويتر” بالقول، إنه يعزي دولة إيران في مقتل 3 من القادة في اليمن متوعدا بالثأر“.

إيران بدا أنها فرضت نهجها على الحوثيين فرغم المسافة البعيدة التي تفصل اليمن عن إسرائيل، إلا أن الشعار السياسي الأساسي للحوثيين هو “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل” وفي هذا السياق يقول الباحث محمد مصطفى العمراني، في مقال حول أفكار حسين الحوثي، الذي يُتبع أنصاره اسمه بتعبير “عليه السلام” إن الأخير “كان مصمما على مشروعه وهو بناء حزب إيراني في اليمن على غرار حزب الله واستعادة السلطة له بزعمهم آل البيت وهم أحق بالسلطة المغتصبة.”

ختاما، لايبدو أن المشهد السياسي ببعده المذهبي، في الدول الثلاث، مضافا إليها سوريا المرتبطة عضويا بلبنان والعراق، في طريقه إلى الاستقرار في المدى المنظور، لكنه بلاشك، لن يبقى على حاله ولا يبدو أنه قادرٌ على السير عكس السياقات التاريخية للمنطقة.