تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

“تجارة دعارة” في سوريا بين الاقتصاد والابتزاز

تجارة دعارة في سوريا
صورة تم التقاطها يوم ١٣ إبريل ٢٠١٦ لإحدى ضحايا الاتجار بالجنس السوريات وهي تتحدث للصحفيين من موقعٍ غير معروف في لبنان، وذلك بعد فرارها من بيت الدعارة الذي احتجزت فيه بلبنان. وكانت قوى الأمن اللبناني قد ضبطت شبكة للاتجار بالجنس تضم ٧٥ امرأة سورية تم نقلهنّ من بلدهنّ إلى لبنان ليجبرن على ممارسة الدعارة. المصدر: STRINGER / AFP.

حسين الزعبي

مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتضاعف نسب الفقر في سوريا، تصاعدت ظاهرة استغلال النساء في مجال “الدعارة”، إذ أصبح لها تجارتها الخاصة ومستثمرون اجتازت أنشطتهم الحدود. وتحولت هذه الظاهرة لأداة بيد المتنفذين ومن بينهم مسؤولون لابتزاز السوريين بما فيهم الفنانون، وإجبارهم على دفع الأموال.

وبالرغم من التكتم الشديد الذي تبديه سلطات النظام حيال تفاقم “تجارة الدعارة” أو ما يعرف بـ “السياحة الجنسية”، خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه بات من السهل اكتشاف مدى استفحال هذه الظاهرة. وتكشف مصادر حقوقية وتقارير صحفية بين الفينة والأخرى عن ضبط شبكات منظمة تعمل على تسهيل الدعارة مقابل المنفعة المالية وأخرى تُجبر الفتيات على ممارستها.

وكالة أنباء آسيا نقلت عن مصدر في وزارة العدل السورية، قوله إن شبكات الدعارة تزايدت خلال الفترة الماضية، بنسبة بلغت 60 بالمئة، في بعض المناطق، خاصة في العاصمة دمشق وريفها.

وكانت وزارة الداخلية السورية، قد أعلنت منتصف عام 2013، القبض على 80 شبكة تعمل في الدعارة مقابل 30 عصابة في 2012، في إشارة إلى ازدياد واضح بنسبة تصل لأكثر من 100 بالمئة.

وفي الحصيلة النهائية للعام ذاته، أكدت الداخلية بحسب صحيفة “الوطن” أن العام 2013 كان حافلاً بالقبض على شبكات الدعارة. ومجمل الذين دخلوا السجن كان 600 حالة، أغلبهم من دمشق وريفها بما يقارب 200 حالة، تليهما محافظة حلب في المرتبة الثانية بما يقارب 150 حالة، وحمص في المرتبة الثالثة بـ 90 حالة والباقي متوزع على محافظات أخرى.

على إثر ذلك، كتب وزير الاقتصاد الأسبق نضال الشعار، على صفحته في فيسبوك، تساؤلات تلقي الشكوك حول السياسة الاقتصادية قبل عام 2011، ومن ضمن التساؤلات: لماذا صرحت وزارة الداخلية بوجود ما يزيد عن 55 ألف شقة دعارة؟، لكن قاضي الجنايات الأول بدمشق ماجد الأيوبي نفى حديث الشعار حينها، مشيراً إلى أن هذه الأرقام تعني أن المجتمع السوري منهار تماماً في حال كانت صحيحة. وبحسب الأيوبي، فإن الحساب الرقمي لهذا العدد الهائل يعني أن كل حي من الأحياء الصغيرة في المحافظات والمدن والبلدات يحتضن أكثر من 20-25 بيت دعارة، وهذا أمر عار تماماً من الصحة.

انتشار “مرعب ومقصود”..

“لا يوجد إحصائيات دقيقة حول الدعارة في سوريا حاليا، كون هذه الممارسات يجرمها القانون وتتكتم عليها سلطات النظام، خاصة أن معظم الشبكات التي تروجها يديرها متنفذون إما من السلطة نفسها أو مقربين منها، بالإضافة إلى أن هناك من يمارسها بشكل فردي”، يقول المحامي خلدون العدوي الذي يصف انتشار الظاهرة في سوريا عموما ودمشق على وجه الخصوص بـ “المرعب”.

ويشير العدوي خلال تصريح لـ “فنك” إلى أن غالبية المستدرجات من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهنَ بين الـ 15 والـ 28 عاماً، ومعظمهنَ ممّن ضاقت بهن الحياة ذرعاً خلال الأزمة المعيشية التي يقاسيها السوريون يومياً.

لكن العدوي يرى أيضا أن العوز المادّي والحاجة ليست الدافع الوحيد خلفَ إقبال الشابات على بيوت الدعارة، بل أن هناك ما يجبرهن على ذلك ويشجّع هذه الظاهرة ويحمي مستثمريها. وشدّد العدوي على أن انتشار هذه الظاهرة عملية مقصودة من قبل النظام، الذي يسعى من خلالها لإيجاد بنية اجتماعية هشة ومفككة وأخلاقياً، غير قادرة على العمل السياسي والنشاط المدني الهادف المعارض حاليا ومستقبلاً.

وتشير تقارير صحفية إلى أن التسعيرة المتعارف عليها في بعض بيوت الدعارة، تتراوح بين خمسة عشر ومئة ألف ليرة سورية للساعة الواحدة. وتذهب النسبة الأكبر من هذه المبالغ للمسؤولين عن تلك الشبكات، فيما تُرغم الفتيات على معاشرة الواحدة منهنَّ أكثر من عشرة رجال في اليوم.

هذه التجارة تؤمن الدخل المالي العالي للمتنفذين من ضباط أمن وعسكر في النظام، مما يجعلهم يستميتون بالدفاع عنها، حسبما يقول العدوي. وبحسب العدوي، فإن ممارسة الدعارة بهذه الكثافة منح هؤلاء الضباط صناعة سياحية مربحة دون الخوف من خسارة رؤوس أموال.

أكثر من 200 بيت دعارة في جرمانا

تجاوز عدد البيوت المخصصة لممارسة في الدعارة في مدينة جرمانا وحدها 200 بيت، وفق وسائل إعلام موالية للنظام، إضافة إلى انتشار دعارة الذكور والدعارة العابرة للحدود حسبما جاء في سلسلة تحقيقات كشفت عن أن هذه النشاطات تدار من هذه المدينة التي يلقبها السوريون بـ “لاس فيغاس دمشق“.

وكانت وزارة الداخلية قد ضبطت عام 2018، أكبر شبكة دعارة تضم أشخاصاً نافذين وذوي علاقات رفيعة المستوى، ومن بين المتورطين فنانات وفنانين، وأصحاب مطاعم في دمشق، حيث أجريت تحقيقات معهم، بينما جرى تحويل بعضهم إلى القضاء العسكري بسبب وجود أطراف عسكرية بالقضية.

كما كشفت الوزارة عن إلقاء القبض على حوالي 900 شخص من مرتكبي جرائم الدعارة ومروجي ومتعاطي المواد المخدرة في المدينة ذاتها، خلال النصف الأول من 2017.

وفي عام 2020 أكد رئيس فرع حماية الآداب في الأمن الجنائي وسيم علي معروف لـ “صحيفة تشرين” المحلية، أن أكثر الأماكن التي يتم فيها تصيد الفتيات هي صالونات التجميل والملاهي الليلية، مضيفاً أن هناك أيضاً بعض المطاعم والمقاهي وشوارع ومناطق محددة مثل شارع الحمرا، وعرنوس، والمزة، وجرمانا، وأبو رمانة، والشعلان.

أي دور للميليشيات؟

تتركز أنشطة شبكات الدعارة بكثافة في مناطق سيطرة الميليشيات الإيرانية في حلب، حسبما يقول الصحفي الباحث الاجتماعي حسين العمر. ويرى العمر أن السبب الرئيسي لـ “ازدهار الدعارة” في هذه المحافظة هو إطلاق يد الميليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية.

وبحسب العمر، لم تكتف تلك الميليشيات بمكاتب تيسير “زواج المتعة” و”المساكنة”، بل عمدت بعد السيطرة على المحافظة عام 2017، إلى تشكيل أكثر من 140 شبكة لترويج الدعارة معظمها في الأحياء الغنية مثل شوارع النيل والموكامبو والشهداء والعزيزية.

وكان موقع “عنب بلدي” المحلي، قد نقل منتصف العام الماضي، عن مصادر في مدينة حلب قولها، إن مجموعات تابعة لميليشيات إيران و”حزب الله”، تشرف على دعم بيوت الدعارة وحمايتها بشكل كامل وخاصة في حال حدوث مداهمات لتلك المنازل.

يذكر أن الجهد الإيراني في تجارة الجنس بسوريا، لم يكن مرتبطًا بالحرب. فبعد تملّك الإيرانيين للعقارات المحيطة بالأماكن المقدسة في دمشق في تسعينيات القرن الماضي تحت ذريعة خدمة السياحة الدينية، فإنهم سهلوا انتشار الكازينوهات بالقرب من فندق الزهراء على أطراف الغوطة باتجاه جرمانا. وأصبح من المعروف أن من يريد بيوتًا للدعارة أو شراء المخدرات أو الممنوعات عليه الذهاب إلى منطقة السيدة زينب.

تجارة عابرة للحدود

على إثر الحرب في سوريا ونتيجة لفقدان القدوم السياحي، بدأ القائمون على شبكات ترويج الدعارة، بإرسال الفتيات إلى لبنان تحت غطاء العمل في صالونات الحلاقة أو الفنادق. وفي عام 2016، أوقفت القوى الأمنية اللبنانية أكبر شبكة دعارة في البلاد وأنقذت 75 فتاة غالبيتهنّ من السوريات. وقال مصدر أمني لـ “فرانس برس” حينها “هذه أكبر شبكة اتجار بالنساء يتم الكشف عنها منذ اندلاع الحرب في سوريا”.

وبحسب أرقام وإحصاءات للمديرية العامة للأمن العام اللبناني، فإن عدد النساء السوريات اللواتي قبض عليهن بتهمة العمل في الجنس، بين عامي 2011 و2018، مرتفع جداً، إذ شكلن نسبة 30 في المئة من الموقوفات. ووصل هذا الرقم إلى 69٪ بعد سنتين فقط.

في السياق، ذكر موقع “صاحبة الجلالة” المحلي السوري، أنه تم الكشف العام الماضي عن شبكة تعمل على ترويج الدعارة السرية في دمشق، وتسفير الفتيات من سوريا إلى لبنان للعمل تتألف من 50 فتاة.

وبحسب الموقع، فإن الحادثة بدأت من محل بيع عطور في منطقة جرمانا بدمشق، حيث يقوم صاحبه باستدراج الفتيات بعد إغرائهن بتأمين فرص عمل لهن في لبنان، ثم إجبارهن على ممارسة الدعارة مقابل المال.

راتب المرأة العاملة في هذه الشبكات بلبنان يصل إلى 1000 دولار شهرياً، كما يمكن لمنظم هذه الأعمال أن يحقق هذا المبلغ خلال يومين فقط. في المقابل، تصل الليلة في سوريا إلى 100 دولار في المناطق الفخمة. وتتدرج الخدمات الجنسية من 20 دولار، وبالليرة السورية في الساعة نحو 25 ألف ليرة سورية، بحسب تقارير صحفية.

وسيلة ابتزاز لسلب السوريين

لم تقتصر أنشطة المستثمرين بـ “تجارة الدعارة” على تصيّد السوريات وتشغيلهن بغية الكسب السريع للمنفعة المالية، بل تحولت هذه التجارة لوسيلة بيد ضباط الأفرع الأمنية لابتزاز المواطنين السوريين بما فيهم الفنانون وشخصيات بارزة، لسلبهم الأموال.

في هذا السياق، كشف الفنان يزن السيد، خلال مقابلة تلفزيونية قبل أيام، عن تعرضه لعملية ابتزاز من قبل أحد ضباط الأمن الذين يحاولون التواصل مع بعض الناس لإبلاغهم أن في حقهم دعوى دعارة لاعتقاده أن المتلقي سيستجيب له ويدفع المال.

ولفت إلى أن الضابط تواصل معه وحاول ابتزازه، إلا أنه عاد من دبي إلى دمشق والتقى بوزير الداخلية “الذي تسلّم القصة وعاقب المسؤولين عما وصفها بـ “البلبلة”.

تاريخ الدعارة في سوريا

قبل اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، كانت الدعارة محددة في أماكن خاصة علما أنها لم تكن مرخصة. وكانت فنادق منطقة المرجة، وسط دمشق، تجذب زبائنها علنا عبر مجموعة من الشبان ينادون على الزبائن في الساحة، بينما كانت الدعارة متاحة بسهولة في بيوت داخل المدن الكبرى والملاهي الليلية المنتشرة بمحيط العاصمة.

وأخذت الدعارة قبل 2011 أشكالا مختلفة إضافة إلى الدعارة التقليدية، فقد ظهرت أنواع مثل زواج المتعة والمسيار والزواج السياحي. ونشر موقع “دويتشه فيله” الألماني، في عام 2010 تقريرا تحدث فيه عن تلك الأنواع من الزيجات وانتشارها في سوريا والتي كان أغلب أبطالها رجال خليجيون ونساء سوريات لأسباب مادية بحتة.

وبحسب دراسة لـ “مركز حرمون للدراسات” تحت اسم “الدمار المجتمعي”، فقد نمت ظاهرة الدعارة في سوريا في السبعينيات، من خلال السماح بانتشار بيوت ممارسة الدعارة بشكل غير معلن، لكن بإشراف الأفرع الأمنية وبوساطة المكاتب العقارية بدمشق تحت عنوان السياحة الاقتصادية”.

ووفقا للمركز، قدر عدد بيوت الدعارة حينها بأكثر من 40 ألف دار. وحصل التفاف على عدم وجود قانون يرخص هذه الدور بترخيص نقابة الفنانين لكل اللواتي يعملن في الملاهي الليلية على أنهن فنانات.

الدعارة في القانون السوري

بعد عام 1960، مُنعت مهنة الدعارة من ممارسة نشاطها بصورة قانونية. وبحسب المادة الثانية من القانون رقم 10 الصادر عام 1961، فإن الدعارة هي كل من استخدم أو استدرج أو أغوى شخصاً ذكراً كان أو أنثى بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة وذلك بالخداع أو بالقوة أو بالتهديد أو بإساءة استعمال السلطة أو غير ذلك من وسائل الإكراه.

ونصت المادة الخامسة من القانون “كلّ من أدخل إلى الجمهورية العربية السورية شخصاً أو سهل له دخوله لارتكاب الفجور أو الدعارة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على 5 سنوات وبغرامة مالية من ألف ليرة إلى 5 آلاف ليرة”.

وذكرت المادة السادسة أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات كل من عاون أنثى على ممارسة الدعارة ولو عن طريق الاتفاق المالي. كما نصت المادة الثامنة من القانون على أنه يعاقب كل من فتح محلاً للفجور أو الدعارة أو عاون بأي طريقة كانت يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات ويحكم بإغلاق المحل ومصادرة الأمتعة والأثاث الموجودة فيه”.

وفي عام 2010، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد المرسوم رقم 3، الذي رفع العقوبة، وحدد حالات الاتجار بالأشخاص في “استدراج أشخاص أو نقلهم أو اختطافهم أو ترحيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم لاستخدامهم في أعمال أو لغايات غير مشروعة، مقابل كسب مادي أو معنوي أو وعد به أو بمنح مزايا أو سعيا لتحقيق أي من ذلك أو غيره”.

وحدد المرسوم العقوبة في هذه الحالات بـ “الاعتقال المؤقت لمدة لا تقل عن سبع سنوات، وبغرامة من مليون إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية، مع مراعاة التشديد في حال ارتكبت الجريمة ضد النساء أو الأطفال أو بحق أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإذا استخدم فيها سلاحا أو هدد باستخدامه”.

لكن يرى محامون سوريون أن هناك ثغرة بالقانون، تتيح لمن يرغب بالاتفاق مع من يرغب لممارسة الدعارة في منزلهم الخاص طالما لا توجد شكوى من جوار. ولا يمكن للشرطة أو أي قسم اقتحام حرمة منزل أو السؤال عن وجود ذكر وأنثى في منزل واحد دون عقد زواج لمجرد الشك، وطالما الاتفاق كان بين طرفين، وخاصة إن كانت الأنثى لا تمارس ذلك من أجل منفعة مادية، كون جرم الدعارة مرتبط باستخدامه للمنفعة المادية.