تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الفلسطينيون في العراق: من اللجوء إلى التشرد

الفلسطينيون في العراق
صورة تم التقاطها يوم ٢٦ مارس ٢٠٠٦ لامرأة فلسطينية تقف مع حفيدها أمام باب شقتها في منطقة البلديات شرقي العاصمة بغداد. وكانت الشرطة العراقية قد قامت في مايو ٢٠٠٥ باعتقال أبناء هذه السيدة وأحد أقاربها بتهمة تفجير سيارة مفخخة في أحد أسواق بغداد المكتظة. ومنذ سقوط نظام صدام حسين في إبريل ٢٠٠٣ واستعار العنف الطائفي مؤخراً في البلاد، يواجه اللاجئون الفلسطينيون التهديدات والمضايقات، وهو ما دفعهم للهرب إلى سوريا أو الأردن. وتقدّر أعداد الفلسطينيين في العراق بـ ٣٤ ألف شخص، منهم ٢٣ ألف تم تسجيلهم كلاجئين بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ووصلت مجموعات الفلسطينيين إلى العراق بعد حربي ١٩٤٨ و١٩٦٧ مع إسرائيل. المصدر: Karim SAHIB / AFP.

علي العجيل

يبدو أن الشتات قد كُتب بشكل دائم على الفلسطينيين. فالمنافي الفلسطينية ما زالت تتّـسع باستمرار ورحلة الشقاء تزداد خطوة جديدة، في كل المنافي التي هربوا إليها، يوماً بعد يوم. ولعلّ فلسطينيو العراق، الذين كانوا مغيبين تماماً عن الإعلام العربي والفلسطيني قبل نكبتهم الثانية في عام 2003م، يجسدون المعنى الحرفي لهذه المأساة. فإلى جانب انقطاع مصادر رزقهم، وخروجهم من دائرة التنافس على فرص العمل شبه المنعدمة أساساً، يتعرض الفلسطينيون في كل يوم هناك إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة.

وعلى الرغم من تعهّد العراق بالإشراف الكامل على شؤون اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه ورفضه لعمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” فيها، فإن وضع اللاجئ الفلسطيني العراقي لم يختلف عن غيره من اللاجئين القاطنين في مناطق عمل الوكالة الخمس. بل إن ذلك الأمر قد أضفى على لجوئه متاعب كثيرة، منذ الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، وصولاً إلى المجازر في عهد سلطة الميليشيات المذهبيّة كمنظمة بدر، وجيش المهدي بعد الاحتلال، والتي كان أوّل ضحاياها اللاجئ الفلسطيني. هذا الأخير وجد نفسه مجّرداً من أي غطاء أممي، ينظر لحاله ويوفّر له حدّاً أدنى من الحماية.

تاريخ اللجوء الفلسطيني إلى العراق

بدأ اللجوء الفلسطيني في العراق بـ 3500 فلسطيني، جاء غالبيتهم إلى بغداد من القرى المحيطة بحيفا مثل إجزم وجبع وعين غزال. وجاء هؤلاء برفقة الجيش العراقي الذي شارك في حرب الـ 1948.

ومنذ بداية قدوم اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق، تكفّلت الحكومة العراقية بتقديم الخدمات لهم وإسكانهم، لكن هذا تم بمستوى رديء للغاية. ففي ذلك الوقت، استحدثت الحكومة العراقية نظام الملاجئ الذي عانى منه الفلسطينيون كثيرا. والملاجئ كانت عبارة عن أبنية كبيرة مهجورة بسبب قدمها. وكان البناء الواحد يتكون من 30 إلى 80 غرفة وتعطى كل عائلة ولغاية سبعة أفراد غرفة فيه ويحتوي على حمامين فقط. كما تم إسكان الفلسطينيين في الدور المجمّدة لليهود العراقيين الذي هاجروا إلى إسرائيل، وفي بعض المؤسسات الحكومية المهجورة أيضاً.

عدد اللاجئين الفلسطينيين ارتفع تدريجياً حتى عام ١٩٥٠ ليصل إلى خمسة آلاف شخص. ويعود السبب في هذا الارتفاع إلى تمكّن عدة عائلات من لم شمل أبنائها. وبعد ذلك، تم نقل إلى عهدة مديريّة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق التي أسستها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل العراقية.

ومع أن الفلسطينيين آنذاك وجدوا أنفسهم في محيط قابل للتواصل والتحابب، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم توجد حلاً لمشاكلهم بشكل ملائم، إلّا ما قام به عبد الكريم قاسم، عندما أنشأ 300 دار سكنية بمساحة 50 متراً مربعاً، ومن بعده الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر، الذي أنشأ مجمعاً سكنياً على نفقة وزارة البلديات.

قبل الاحتلال الأمريكي

لم يُدرج الفلسطينيين ضمن سجّلات الأونروا التي أنشئت عام 1949. وبهذا، لم يشملهم التعريف الأممي للاجئ الفلسطيني الذي صاغته الوكالة على أنه “الشخص الذي عاش في فلسطين بين حزيران 1946 وأيّار1948، وفقد بيته ومصدر رزقه نتيجة تهجيره بعد حرب 1948. وبناء عليه يُعتبر لاجئاً معترفاً به تقف الوكالة عند حاجيّاته المعيشيّة والقانونية في مناطق عملها، حتى إيجاد حلّ عادل لقضيته”. ويعود السبب في عدم إدراج الفلسطينيين لرفض الحكومة العراقية القاطع أن يكون العراق من مناطق عملياتها. وتعهدت الحكومة حينها للوكالة الدولية، بالإشراف الكامل على شؤون الفلسطينيين، وتقديم كافة المساعدات لهم.

وعلى هذا النحو، أتاحت الحكومة العراقية فرص التعليم للفلسطينيين، حيث شملتهم مجانية التعليم في كافة المراحل الدراسية. وكانت مدارس الهيثمية والمهدية من أوّل المدارس التي استقبلت الطلبة الفلسطينيين منذ أواخر الخمسينيات. كما شُمل اللاجئ الفلسطيني أيضاً بمجانية الصحة. ومُنح الفلسطينيون حق التوظيف في كافة الوزارات ما عدا وزارتي الدفاع والداخلية.

لم يتأخر الفلسطينيون في الاندماج والانتشار في عدّة مناطق في العراق كبغداد والموصل والبصرة، بعد أن تكاثرت أعدادهم حيث بلغت في عموم العراق 41 ألف لاجئ في فترة ما قبل الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003.

وبقيت أوضاع الفلسطينيين القانونية ملتبسة على أكثر من صعيد كامتلاك خط هاتف، أو تجديد رخصة سوق أو عمل، أو حتّى امتلاك سيارة أو منزل. بيد أن “مجلس قيادة الثورة” في نظام صدّام حسين اتخذ قراراً في العام 2001 يساوي بين الفلسطيني والعراقي، في كافة حقوق المواطنة بما فيها حقّ التملك والانتقال والتدرج الوظيفي الكامل، باستثناء الحق في الترشح والانتخاب للمناصب السياسية.

أما من الناحية السياسية، فقد اقتصر نشاط الفلسطينيين، ضمن صفوف المنظمات والفصائل الفلسطينية التي كان لها وجود في العراق، والتي ركزت على استعادة حقوقهم من الإسرائيليين. وتضمنت القائمة كلاً من جبهة التحرير الفلسطينية جناح أبو العبّاس، وجماعة صبري البنّا “أبو نضال”. واختار بعض الفلسطينيين الالتحاق بصفوف حزب البعث الحاكم في العراق إبان فترة حكم صدام حسين.

بعد الغزو الأمريكي

الفلسطينيون في العراق
صورة تم التقاطها يوم ٥ نوفمبر ٢٠٠٤ لامرأة فلسطينية وهي تغسل الثياب أمام مدخل خيمتها في مخيم نادي حيفا للاجئين على أطراف العاصمة العراقية بغداد. المصدر: AFP PHOTO/Marwan NAAMANI.

تأزّم الوضع الأمني لفلسطينيي العراق مع غزو القوات الأمريكية للعراق وتشكيل الأحزاب المُعارضة لنظام صدام حسين. وقامت بعض تلك الأحزاب بتعبئة الناس ضد الوجود الفلسطيني، معتبرة أنهم من مخلفات النظام الراحل. ووصفت بعض الأحزاب الفلسطينيين بالأجانب ورعايا دولة أخرى، لاغيةً جميع قرارات الدولة العراقيّة السابقة التي منحتهم صفة المقيمين الدائمين في البلاد.

وبدأ التضييق على الفلسطينيين عبر فرض إجراءات جديدة تتعلق بإقامتهم القانونية. وبدأت هذه الإجراءات في عهد حكومة ابراهيم الجعفري وتصاعدت في عهد نوري المالكي. وتمت مطالبة اللاجئين الفلسطينيون حينها بتجديد إقاماتهم كلّ ثلاثة أشهر، وسط تعقيدات ومماطلات أدّت في الكثير من الحالات لتوقيف واعتقال العشرات من الشبّان بتهم الإقامة غير القانونية.

وفي عام 2006 وبدعم من قوّات الاحتلال الأمريكي، قامت الميليشيات المسلّحة التابعة للأحزاب الطائفية الحاكمة، بقتل المئات من الفلسطينيين، واعتقال الآلاف منهم على الهوية. وجاء ذلك بالتزامن مع عمليات التهجير القسري والاقتحامات المتكررة لمجمع البلديات باصطحاب كلاب بوليسية، بحجة البحث عن السلاح.

معطيات وحقائق الفترة الأخيرة

نتيجة لكل هذه الضغوط، فرّ آلاف الفلسطينيين من العراق، وقصدوا سوريا والأردن حيث رفضت الدولتان استقبالهم أيضاً. واضطر هؤلاء إلى نصب الخيام والمكوث فيها لمدة ثلاث سنوات إلى أن تم فتح باب اللجوء لهم في عدة دول مثل البرازيل، والتشيك، وكندا، وبريطانيا، والنروج، بينما هرب المئات منهم عبر البحر نحو أوروبا.

ولا يزال مجهولاً مصير العديد من المعتقلين الفلسطينيين في سجون السلطات العراقيّة، والذي يعود تاريخ اعتقال بعضهم إلى العام 2003. كما تغيب المعطيات بشكل كامل عمّن جرى اعتقالهم في سجون سرية تابعة لميليشيات مجهولة، إضافة إلى من اعتقلتهم قوات الاحتلال الأمريكي إبان الغزو وسلّمتهم للسلطات العراقيّة. كما أن السلطات العراقية نفسها اعتقلت آخرين أيضاً تحت ذريعة “الضلوع بأعمال ارهابيّة”، وهي اتهاماتٌ يعتبرها كثيرون باطلة ووجهّت لهم لكونهم الحلقة الأضعف في المجتمع العراقي، أو عبر وشاية كاذبة.

كل هذه الجوانب أدت إلى تناقص عدد الفلسطينيين المقيمين في العراق إلى 3500 لاجئ، علماً بأن عددهم وصل في عام ٢٠٠٢ إلى 43 ألف شخص. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن هؤلاء الفلسطينيين هم من الشريحة الأشد فقراً والتي لا تملك المال الكافي لمغادرة البلاد. ويعيش معظم هؤلاء في بغداد وكردستان العراق، بينما يعيش القليل منهم في مناطق شديدة التوتر والخطورة.

وعلى هذا النحو، يمكن القول إن فلسطيني العراق يعانون من أشد أنواع الشتات قسوة، بسبب الأحزاب السياسة والمصالح والارتباطات الأيديولوجيّة، والتي كانت تستخدمهم كبطاقة رابحة في ألعابها السياسية ومصالحها، منذ العهود القديمة وحتى وقتنا الحاضر، دون أدنى حضور للمنظمّات الدوليّة المعنية بشؤونهم.

 

المصادر:

– العراقي، عصام. الفلسطينيون في العراق تاريخ. دنيا الوطن. رابط إلكتروني:
https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/67446.html

– لا مفر، الوضع الخطير للفلسطينيين في العراق.
المصدر:
https://www.hrw.org/sites/default/files/reports/iraq0706arweb.pdf

– مستقبل اللاجئين الفلسطينيين وفلسطينيي الشتات، مركز دراسات الشرق الأوسط، 2002.

المصدر:
https://books.google.com/books?id=vs26AAAAIAAJ&q=%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&dq=%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwiowYuI7e_yAhUZDmMBHRNjD8cQ6AF6BAgLEAM.

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles