تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الإسلاموفوبيا: ورقة تلعب بها الدول الإسلامية المتنافسة على القوة الدينية الناعمة

الإسلاموفوبيا
صورة تم التقاطها يوم ١٤ فبراير ٢٠٢٠ لرجل وهو يمشي بالقرب من جدار كتب عليه “لا للاسلاموفوبيا” في مدينة كالكوتا الهندية. المصدر: Dibyangshu SARKAR / AFP.

كتب الصحفي البارز جيمس دورسي مقالة على مدونته الشخصية تحدث فيها عن توظيف الأنظمة في العالم الإسلامي لظاهرة “الإسلاموفوبيا” لتعزيز نفوذها والسيطرة على القوة الدينية الناعمة عبر لعب دور المدافع عن القضايا الإسلامية. ويتناول دورسي، وهو باحثٌ معروف معهد الشرق الأوسط التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، مواقف بعض هذه الدول على أرض الواقع التي تناقض خطاباتها المدافع عن الحريات الدينية ومبادئ التسامح أو حتى الدفاع عن حقوق المسلمين في كل مكان دون استثناءات.

ويبدأ دورسي مقالته بنصح القرّاء بالتفكير مجدداً في قناعاتهم إذا ما كانوا يعتقدون أن العالم الإسلامي متحدٌ في معارضته لرِهاب الإسلام أو “الإسلاموفوبيا”.

ويرى دورسي أن تنامي المشاعر المعادية للمسلمين في دولٍ كالصين، وميانمار، والهند، بالإضافة إلى الغرب يعزز قدرات المتنافسين على القوة الدينية الناعمة وزعامة العالم الإسلامي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المخاوف تنامت على خلفية تزايد الدعم المقدم للتيارات المعادية للهجرة، والجماعات القومية المتطرفة، والأحزاب الشعبوية المنتمية لأقصى اليمين.

بالنسبة لتركيا، وإيران، وباكستان، وهم داعمون لأشكال التعبير المختلفة عن الإسلام السياسي، فإن الإسلاموفوبيا توفر مناخاً داعماً لمحاولتهم تنصيب أنفسهم في موقع المدافعين عن القضايا الإسلامية كحقوق الفلسطينيين في القدس، ثالث أهم مدينة مقدسة في الإسلام، ومحنة الروهينغا في ميانمار، والصراع الدائر في إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة.

ويغيب من قائمة القضايا الإسلامية، التي تدافع عنها الدول المتنافسة على زعامة العالم الإسلامي، القمع الصيني الوحشي للمسلمين الترك الموجودين في مقاطعة شينجيانغ المضطربة شمالي غرب الصين. وقد صدَّقت الصين، التي تحاول بشدة تهجير المسلمين الترك، على معاهدة ترحيل. بيد أن تركيا، وهي الدولة التي استقبلت أكبر تجمع موجود في المنفى في مقاطعة شينجيانغ، تقول إن هذه المعاهدة لن تعرض مسلمي الأيغور للخطر.

وعلى نفس المنوال، أثبتت ظاهرة الإسلاموفوبيا فاعليتها كأداة مفيدة للتأثير على جهود رجال مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومستشار النمسا سيباستيان كورتس لشن حملة قمعية على الإسلام السياسي وصياغة مفهوم الإيمان على طريقة تركيا والدول المنافسة لها في الشرق الأوسط على القوة الدينية الناعمة مثل السعودية والإمارات.

وتدافع ملكيات الخليج عن مفهوم “معتدل” للإسلام، يدعو إلى الطاعة التامة للحاكم، والقبول المطلق للوضع الراهن وعدم الانخراط في السياسة. وتمادت الدولتان الخليجيتان إلى درجة منحهما القمع الصيني شرعيةً، وإقناعهما للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي والبالغ عددهم 57 دولة بالتصديق على السياسة الصينية باعتبارها وسيلة فعالة لمكافحة التطرف السياسي والعنف.

وتعد التجارة والاقتصاد حافزين مهمين يدفعان العالم الإسلامي إلى رفض محاسبة الصين على أفعالها، فضلاً عن المكاسب الأخرى التي تحصل عليها الدول، ذات الأغلبية الإسلامية المتنافسة على القوة الدينية الناعمة، في بكين. ويمكن أن يساهم نقد المسلمين لحملات القمع في الضغط على الصين لتغيير سياستها.

ويوفر رفض السعودية والإمارات للإسلام السياسي، ومحاربتهما إياه، أسس منطقية لا تدعم القمع الصيني فحسب، بل أنها تدعم أيضاً جهود روسيا للسيطرة على الأقلية المسلمة المضطربة في موسكو. وقد لا تعجب الصين جهود الدول الأخرى، التي تنافس ملكيات الخليج على القوى الدينية الناعمة، الرامية إلى نشر الإسلام السياسي، لكنها تُقدر صمتهم تجاه ممارساتها.

ولا يعد ملف المسلمين الترك في الصين القضية الوحيدة، التي تتعثر فيها الدول المتنافسة على القوة الدينية الناعمة، بمن فيهم دول آسيوية مثل إندونيسيا، بغض النظر عن مفاهيمها عن الإسلام التي تروج لها.

وهناك اختبارٌ آخر لمزاعم غالبية الدول المتنافسة، التي تدعي أنها تتبنى مفاهيم التسامح الديني والحوار بين الأديان، وهو ما يثير تساؤلاً حول ما إذا كان يتعين على هذه الدول أن تبدأ بنفسها أولاً وتطبق هذه المفاهيم في الداخل كي تضفي مصداقية على دعمها الانتهازي، في كثير من الأحيان، للإسلام “المعتدل”.

من بين الدول المتنافسة، تعد الإمارات، التي ينتمي غالبية سكانها إلى جنسيات أخرى، واحدةً من بين متنافسين وحيدين، بدءا في الاعتراف بتغيّر التوجهات والواقع الديمغرافي في المنطقة.

فقد ألغت السلطات الإماراتية في نوفمبر الماضي الحظر المفروض على شرب الكحوليات والعيش المشترك بين غير المتزوجين. وهذا الأسبوع، فتحت الإمارات الباب أمام تجنيس الرعايا الأجانب.

وبدأ المنافس الأخر، وهي جمعية نهضة العلماء، أكبر حركة إسلامية في العالم، في معالجة الإصلاحات التشريعية والدينية للإسلام بتشجيع من الحكومة الإندونيسية. ووفرت الحركة منصةً لوزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في أكتوبر الماضي لينتقد معاملة الصين للمسلمين الترك.

في مقابل ذلك، تحدّت باكستان تعريف الحرية الدينية عبر سعيها إلى إغلاق موقع إلكتروني خاص بالجماعة الأحمدية ويتمركز في الولايات المتحدة على خلفية اتهامات بالكفر. ويرى دورسي أن تحرّك باكستان جاء في إطار إجراء متجاوز يحاكي إصرار الولايات المتحدة على فرض بعض قوانينها خارج حدود أراضيها.

والجماعة الأحمدية هي أقلية طائفية ويعتبرهم الكثير من المسلمين هراطقة، ويتعرض أفرادها للاستهداف في إندونيسيا وغيرها من الدول وخاصةً في باكستان، حيث صنفوا بأنهم غير مسلمين بموجب الدستور. وتصل عقوبة الكفر في باكستان إلى حكم الإعدام.

وبدأت الجهود الباكستانية في وقت تزايدت فيه المشاعر المعادية للجماعة الأحمدية والشيعة في باكستان، التي تعد أكبر موطن للأقلية الشيعية في العالم. ووصفت مظاهرات حاشدة، جرت مؤخراً، الشيعة بأنهم “كفار”، و”صابئون” ودعت إلى قطع رؤوسهم في الوقت الذي تزايدت فيه عدد القضايا المرفوعة ضد الشيعة متهمة إياهم بالكفر.

ولازم منافسو باكستان على القوة الدينية الناعمة الصمت، إلى حد كبير، تجاه هذه التطورات المقلقة، ما يثير تساؤلات عن مدى صدق حديثهم عن الالتزام بالحرية الدينية والتسامح، بالإضافة إلى رفضهم للإسلاموفوبيا.

ويبرهن وزير الشؤون الدينية الإندونيسي الجديد ياقوت تشوليل قوماس، وهو مسؤولٌ بارز في جمعية نهضة العلماء، على أنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. وتعهد قوماس، في أولى تصريحاته كوزير أثناء زيارته إلى كنيسة بروتستانتية، بحماية حقوق الشيعة والجماعة الأحمدية.

وقال الباحث الإندونيسي ألكسندر أريفينتو: “تعد مبادرة قوماس الجديد كوزير للشؤون الدينية خطوةً مرحباً بها لمواجهة نفوذ الإسلاميين المتطرفين ومعالجة الظلم الذي تتعرض له الأقليات الدينية منذ أمد طويل. يجب عليه الآن أن يبرهن على أن تصريحاته ليست مجرد شعارات جوفاء، بل محاولةٌ جدية لنشر مبادئ المواطنة المتساوية بين كل الإندونيسيين بغض النظر عن معتقداتهم الدينية”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com في 30 يناير 2021.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles