تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

زيارة البابا إلى العراق: نظرة على تاريخ العنف ضد المسيحيين

مجموعة من الأطفال وهم يحيّون البابا فرانسيس
صورة تم التقاطها يوم ٦ مارس 2021 ويظهر فيها مجموعة من الأطفال وهم يحيّون البابا فرانسيس (يمين) أثناء وصوله لكاتدرائية القديس يوسف في بغداد، وذلك على هامش اليوم الثاني من الزيارة الباباوية الأولى للعراق. ووجه البابا اليوم دعوة لإحلال السلام، حيث قال اليوم أمام من اجتمع لتوفير خدمة عابرة للأديان في جنوب العراق أنه على أمل بأن “ينتقل العالم في رحلة من النزاع إلى الوحدة”. المصدر: Vincenzo PINTO/ AFP.

Stephen Khan

نشر موقع “The Conversation” مقالةً سلطت الضوء على ما واجهه المسيحيون من صعوبات ومواجهات عنيفة على مدار التاريخ في العراق، وذلك في ضوء زيارة البابا الأخيرة إلى البلاد. وتقوم صاحبة المقالة ليلي هامورتزيدو، وهي محاضرة بارزة مختصة في الدراسات الأمنية بجامعة برمنغهام سيتي، باستعراض الانتهاكات التي تعرّضت لها الأقليات في العراق بعد دخول تنظيم “الدولة الإسلامية”، وذلك من خلال عملها في مشروع ضحايا حرب العراق.

وتبدأ هامورتزيدو مقالة بالإشارة على أن إحصاء ضحايا النزاعات كفيل بتزويدنا بمجموعة من الأدلة التي توثق تأثير العنف على مجتمعات أو مجموعات عرقية معينة مثل الأيزيديين في العراق والأكراد في سوريا. وعندما دخل تنظيم “الدولة الإسلامية” العراق في عام 2014، ارتكب على الفور انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وأظهر عنفاً طائفياً شرساً ضد الجماعات الدينية والعرقية بما في ذلك المسيحيين والأيزيديين.

وأثناء عملها في مشروع ضحايا حرب العراق، عملت هامورتزيدو يومياً على توثيق عمليات قتل وحشية بحق المدنيين، إذ ارتفع عدد الضحايا من 9852 في عام 2013، إلى 20218 في عام 2014.

وفي سياق زيارة البابا فرانسيس للعراق، وهي الأولى من نوعها، يجب التذكير بأن العنف ضد المسيحيين في ذلك البلد المضطرب قد بدأ قبل سنوات، وتحديداً بعد إطاحة نظام صدام حسين في عام 2003. وتسبب فراغ السلطة في اندلاع الفوضى حتى تمكنت الجماعات المتطرفة من تشكيل تنظيمات – مثل القاعدة في العراق – لاستهداف أولئك الذين كان يحميهم الدكتاتور العراقي الذي حكم بوصفه زعيماً علمانياً.

ومنذ عام 2003، انعدم الأمن في العراق، ما سمح للجماعات الإرهابية والمتمردة والقبائل والميليشيات بالتعبير عن كراهيتهم تجاه “الآخر” الديني والعرقي. لذلك، عندما سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على الموصل في صيف عام 2014 وشرع في أعماله الوحشية ضد المدنيين، كانت البيئة العراقية خصبة بالفعل لاستقبال أجندته.

وكان غزو 2003 مثالاً على الحروب النظامية؛ فقد قام تحالف مكون من عدة دول بغزو دولة أخرى. ولكن عندما أعلن التحالف انتهاء الحرب، بدأت حرب غير نظامية مستمرة إلى اليوم؛ حربٌ تؤثر على حياة أكثر من مليون مسيحي في العراق.

فقد قصف المتطرفون ودمروا خمس كنائس في بغداد والموصل في أغسطس من عام 2004، ما أودى بحياة عشرات المصلين. ومع استمرار الاعتداءات على المسيحيين، برز حادثان وهما قتل القس الكاثوليكي الكلداني رغيد كني والشمامسة بسمان داود ووحيد إيشوع وغسان بيداويد، وكان ذلك في الموصل في الثالث من يونيو عام 2007.

وبعد تسعة أشهر، عُثر في 13 مارس عام 2008 على جثة مطران الموصل بولص فرج رحو مدفونة في مقبرة ضحلة. وكان المطران قد اختُطف قبل ذلك التاريخ بأسبوعين بعد أن هاجم المتطرفين الدينيين علناً.

لكن أكبر هجوم على المسيحيين حدث بعد بعامين عندما دخل مسلحون وانتحاريون كنيسة سيدة النجاة في بغداد وقتلوا 56 شخصاً بينهم طفل في الرابعة من عمره ورضيعان.

وقد أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية” المرتبط بالقاعدة مسؤوليته عن الهجوم. وكان ذلك الهجوم نذيراً بكارثة أخرى وقعت في عام 2014، عندما أمر التنظيم في بيان كل المسيحيين بترك منازلهم أو انتظار القتل. تبع ذلك نزوح جماعي حتى كادت تخلو الموصل من المسيحيين وقد صارت أراضيهم وممتلكاتهم في أيدي “الدولة الإسلامية”.

ولم يكن أمام هؤلاء سوى الاختيار بين الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي. فاختار معظمهم الثانية، وبحلول أكتوبر من عام 2014، فرّ ما يُقدّر بنحو 1.8 مليون مسيحي وأيزيدي من ديارهم وفقاً لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. وقد برّر هؤلاء المتطرفون ما فعلوه من خطف وإعدام في حق “الآخرين” الذين سمّوهم “بالمرتدين” الذين لم يقبلوا عقيدتهم التكفيرية التي تجيز العنف ضد الكافرين، كما برروا تدمير الأماكن الدينية.

وما يزال العراق في عام 2021 دولة يحكمها الخوف من هجمات الميليشيات والإرهابيين والمتمردين اليومية. وحتى يومنا هذا، تستهدف مجموعاتٌ صغيرة السكان العزّل استهدافاً مستمراً ومتعمداً لنشر الخوف والموت. وقد استعمل المتمردون تكتيكات حرب العصابات لتكبيد الحكومة خسائر كبيرة.

وشملت هذه التكتيكات أساليب الكر والفر، والكمائن، وهجمات بقذائف الهاون والصواريخ، والعبوات الناسفة. وقعت هجمات كبيرة تسببت في مقتل المئات، لكن غالبية الهجمات اليومية أصغر حجماً وأقل خطورة وتتسبب في مقتل شخص أو اثنين.
وما زلنا نشهد في عام 2021 صراعاً عنيفاً في العراق بين الجهات الحكومية وغير الحكومية من أجل الشرعية والتأثير. ففي أول شهرين من هذا العام، قُتل 107 مدنيين و218 مقاتلاً. وقد سجّل مشروع ضحايا حرب العراق هذه الوفيات والحوادث المميتة. لكن هناك مئات الحوادث الأخرى التي ترسم صورة لبلد ما يزال في حالة حرب حيث تنفجر العبوات الناسفة بانتظام يمكن توقعه، وتنتشر عمليات الانتحاريين وعمليات إطلاق النار والاختطاف والغارات الجوية.

وفي كتابها الذي صدر مؤخراً “ضحايا العراق: الحرب على الإرهاب وقتل المدنيين”، تسرد الكاتبة تأثير الحروب النظامية وغير النظامية على السكان العزّل، متجاوزةً الإحصائيات حتى تحكي قصة الخسائر التي يجب تذكرها ليس بوصفها أضراراً جانبية أو محض أعداد بل حيوات متعددة لبشر مختلفين.

وتختم هامورتزيدو مقالتها بالتالي: “دأب الأكاديميون على تكوين صورتهم عن العالم عبر التفكير بالسلطة والدول والمصالح والهياكل. لكن عملي في مشروع ضحايا حرب العراق جعلني أدرك أن العالم هو المطران بولص فرج رحو الذي اختُطف وقُتل في سن الخامسة والستين، وأنه الشمامسة بسمان داود ووحيد إيشوع وغسان بيداويد الذين قُتلوا بالرصاص لأنهم لم يغيروا دينهم. العالم هو رافد جورجيس البالغ من العمر عشر سنوات الذي انفجر وهو جالس في الكنيسة. هؤلاء المعلمون والمزارعون والأطفال هم الذين دفعوها للعمل على توثيق هذا العنف ضد الأبرياء”.


ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة
مارس 05, 2021 في https://mideastsoccer.blogspot.com/: تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع
This article was originally published by https://theconversation.com/ in March 05, 2021.