فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأديان في الشرق الأوسط / المدارس الفقهية الأربع لدى السُنة

المدارس الفقهية الأربع لدى السُنة

Specials- Surat al-Fatihah
سورة الفاتحة/ الآية رقم 1-7 Photo Wikipedia ©WIKIMEDIA COMMONS

شكلت وفاة النبي محمد في 632 ميلادي أزمةً كبيرة للأمة الناشئة (المجتمع المسلم). فقد قسّمت قضية الخلافة الأمة إلى مجموعتين دينيتين سياسيتين مختلفتين في التفسير، عرفتا فيما بعد بالسُنة والشيعة. وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف كان بدايةً نتيجةً للشقاق السياسي، إلا أنه اكتسب تدريجياً خصائص لاهوتية أيضاً. ومع ذلك، لا يوجد علامة فارقة مميزة بين الإسلام السُني والشيعي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تقسيم كل من هاتين الطائفتين إلى فئاتٍ فرعية من التفسير: هناك فروعٌ مختلفة للإسلام الشيعي مثلما توجد فروع مختلفة في الإسلام السني.

بالنظر إلى عدم الاستقرار السياسي والشقاق الاجتماعي- السياسي بين المسلمين الأوائل، ظهرت العديد من المذاهب (المدارس) الفكرية في الفقه الإسلامي في أول 150 عاماً من ظهور الإسلام. معظم هذه المدارس لم تدم طويلاً، إما بسبب اندثارها أو اندماجها مع مذاهب أخرى. واليوم، يعتبر المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي (السُني) والجعفري والزيدي (الشيعي) والظاهري والأباضي، مذاهب الفقه الإسلامي الرئيسية، وجميعهم يمتلكون جمهوراً من الأنصار داخل كل من الطائفتين الشيعية والسنية. تبحث هذه المقالة باختصار في المدارس الأربع الرئيسية في الإسلام السني. وعلى الرغم من أن هذه المدارس تقدم تفسيرات قانونية مختلفة حول القضايا التي لم يتم تناولها في القرآن والحديث (كل قولٍ أو فعلٍ صدر عن النبي محمد)، من حيث المبادىء الأساسية للإسلام، إلا أن جميعها تتشارك قاسماً مشتركاً.

المذهب الحنفي

تأسس المذهب الحنفي على يد أبو حنيفة النعمان (توفي عام 767)، وهو تاجرٌ درس ودرّس في الكوفة في العراق، ويُذكر أنه ترك وراءه كتاباً غاية في الأهمية هو كتاب الفقه الأكبر. فقد كان أبو حنيفة من أوائل العلماء المسلمين الذين يبحثون عن طرقٍ جديدة لتطبيق العقيدة الإسلامية على الحياة اليومية.

يعتبر المذهب الحنفي من بين الأكثر مرونةً وتحرراً في الفقه الإسلامي، بما في ذلك ما يتعلق بالقانون الجنائي، ومعاملة غير المسلمين، والحريات الفردية، والزواج واستخدام الممتلكات. ويبقى المذهب الحنفي، الذي تبناه رسمياً الأتراك العثمانيون في القرن السادس عشر، المدرسة الفكرية الأكثر تأثيراً في العالم. ويُعتمد المذهب الحنفي في كلٍ من الأردن ولبنان وباكستان وسوريا وتركيا وأفغانستان، فضلاً عن مجموعاتٍ كبيرة من الأقليات المسلمة في دول مثل إيران وماليزيا.

وكحال المذاهب الأخرى، يستمد المذهب الحنفي تفسيراته من القرآن والحديث. وعندما يحصل لُبس حول مسألةٍ ما من هذه المصادر، يتم الإعتماد على إجماع صحابة النبي محمد. وبعدها، يتم اللجوء إلى رأي أحد صحابة النبي، وأخيراً يؤخذ بالعادات المحلية. يعتبر العلماء المعاصرون أبو حنيفة أول من استخدم القياس (أي المساواة بين الشيئيين) رسمياً، وذلك في حال لم توجد المسألة نصاً لا في القرآن ولا في الحديث.

المذهب المالكي

كان مالك بن أنس أحد أباطرة الفقه الإسلامي، وهو عالمٌ من القرن الثامن من المدينة المنورة ويعدّ مؤسس المذهب المالكي. يعتبر المذهب المالكي ثاني أكبر المدارس الفكرية من المدارس الأربع في الإسلام السُني، ويتبعه حوالي 25% من المسلمين. يُعتمد المذهب المالكي غالباً في شمال افريقيا (باستثناء شمال وشرق مصر)، وغرب افريقيا وتشاد والسودان والكويت والبحرين ودبي (الإمارت العربية المتحدة) والمناطق الشمالية الشرقية للمملكة العربية السعودية. وفي العصور الوسطى، اعتمد المذهب المالكي أيضاً في أجزاء من المناطق التي كان يسيطر عليها المسلمون في أوروبا مثل صقلية وإسبانيا.

يختلف المذهب المالكي اختلافاً طفيفاً عن المذاهب الفقيهة الثلاث الأخرى في الإسلام السُني، وذلك على الأخص في المصادر التي يستخدمها لاستنباط الأحكام. وعلى الرغم من أن المذهب المالكي كحال المذاهب الأخرى يعتمد على القرآن الكريم باعتباره المرجع الأساسي، إلا أن اعتماده على الحديث أقل نسبياً. وبالإضافة إلى ذلك، يستخدم المذهب المالكي ممارسات أهل المدينة (عمل أهل المدينة) كمصدرٍ للاستنباط، مما يجعله مختلفاً عن المذاهب الأخرى. يحظى هذا المصدر، في بعض الأحيان، بالأسبقية على الحديث، ذلك أن ممارسات أهل المدينة كانت تعتبر “سُنّة حية” (هيكل العادات والممارسات الاجتماعية والقانونية التقليدية)، ويرجع ذلك إلى أن النبي محمدعاش في المدينة، وشكل حكومته هناك، فضلاً عن وفاته في المدينة. وعلاوة على ذلك، فقد عاش غالبية صحابة النبي في المدينة خلال حياة النبي وبعد وفاته.

بالإضافة إلى الاختلافات الفقهية المذكورة أعلاه، هناك اختلافات طفيفة حول أفضل طريقةٍ للصلاة. وفقاً لأغلبية العلماء (علماء المسلمين) في المذهب المالكي، يجب وضع اليدين أثناء الصلاة على الجانبين، وهي مشابهة للطريقة التي يصلي بها الشيعة. ومع ذلك، فإن الممارسة السنية الأكثر شيوعًا في ضم الأيدي أسفل الصدر، ووضع اليد اليمنى فوق اليسرى، لا تبطل الصلاة.

المذهب الشافعي

سُميّ المذهب الشافعي على اسم مؤسس المذهب، الإمام الشافعي (767-820). فقد تتلمذ الشافعي، من عام 804 إلى عام 810، على يد مالك بن أنس، مؤسس المذهب المالكي. ومن أشهر كتبه، كتاب الرسالة وكتاب الأم. أحد أبرز التابعين لمدرسة الشافعي كان الباحث الفارسي الإمام الغزالي (1058-1111)، وهو فيلسوف مؤثر وعالم دين.

يسود المذهب الشافعي في كردستان ومصر واليمن وإندونيسيا وتايلاند وسنغافورة والفلبين وسريلانكا وفلسطين وسوريا وبروناي وماليزيا. وعلى الرغم من أن المذهب يعتبر من أكثر المذاهب محافظةً، إلا أن العديد من أتباعه يؤيدون وجهات نظرٍ ليبرالية في تفسير الإسلام.

يعتمد المذهب الشافعي خمسة أصولٍ للاستنباط في الفقه الإسلامي وهي: القرآن، والحديث، والإجماع (إجماع العلماء أو المجتمع)، وقول الصحابي الذي لم يُعلم له مخالف، وأخيراً القياس. حدّ الإمام الشافعي إلى حدٍ كبير من نطاق استخدام القياس في استنباط الشريعة الإسلامية.

المذهب الحنبلي

سمي المذهب الحنبلي على اسم العلامة العراقي أحمد بن حنبل (توفي عام 855)، الذي كان تلميذاً للإمام الشافعي. وحتى ظهور آل سعود في شبه الجزيرة العربية، لم تتمتع المدرسة الفكرية هذه بأي رعايةٍ أو دعمٍ من قوة سياسية جادة. في الواقع، لم تكن شرعيتها مقبولة دائماً. واليوم، تعتبر أصغر المدارس الفقيهة السُنية الأربع، وتوجد بشكلٍ رئيسي في المملكة العربية السعودية وقطر. وعلى الرغم من أن الحنابلة الأكثر محافظة في المدارس السنية، إلا أنهم يعتبرون متحررين في معظم الأمور التجارية. يُشير مصطلح “المحافظين” هنا إلى التمسك بتفسيرٍ صارم للإسلام من خلال فهمٍ حرفي للقرآن والحديث الشريف. فالوهابية، وهي واحدةٌ من أكثر الحركات تشدداً وأكثرها نفوذاً ضمن الإسلام السني، متجذرةٌ في المذهب الحنبلي. ويعتبر محمد بن عبد الوهاب (توفي عام 1791)، وابن تيمية (توفي عام 1328) أحد أبرز العلماء الحنبليين. ويعتقد أن معتقداته الصارمة كان لها تأثيرٌ كبير على الوهابية والجهادية المعاصرين.

الأصول التي يعتمد عليها المذهب الحنبلي في التشريع هي القرآن، والحديث، والفتاوى التي أصدرها الصحابة، وآراء أحد الصحابة، والأحاديث المرسلة والأحاديث الضعيفة، والقياس عند الضرورة. يُشجع المذهب الحنبلي الاجتهاد (التفكير المستقل) من خلال دراسة القرآن والحديث. كما يرفض التقليد، أو التمسك الأعمى بآراء العلماء الآخرين، ويدعو إلى التفسير الحرفي للمصادر النصية.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©WIKIMEDIA COMMONS

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.