فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأديان في الشرق الأوسط / الإباضية: جذور طائفةٍ إسلامية متسامحة

الإباضية: جذور طائفةٍ إسلامية متسامحة

Specials- Ibadism
أحد المصلين في مسجد ذي النورين في العاصمة العُمانية، مسقط. Photo AFP

على الرغم من أن الإباضية غالباً ما يوصفون بكونهم محافظين، إلا أنها تعتبر طائفةً متسامحةً من الإسلام، والتي تؤكد على “الحكم العادل” وترفض العنف كوسيلةٍ لتحقيق الأهداف السياسية. إن تعداد الإباضية قليلٌ جداً مقارنةً بالطائفتين السُنية والشيعية، إذ يوجد حوالي 2,72 مليون شخص يعتنقون الإباضية حول العالم، يعيش غالبيتهم في عُمان. في الواقع، تعتبر عُمان البلد الوحيد في العالم الإسلامي غالبية سكانه من الإباضية. كما توجد مجتمعاتٌ إباضية صغيرة في زنجبار وإقليم طرابلس في ليبيا وجزيرة جربة في تونس ومنطقة ميزاب بالجزائر.

يبرز تأكيد المذهب الإباضي على التسامح والاعتدال من خلال أسباب الراحة التي توفرها القيادة العُمانية لما نسبته 25% من السكان الذين لا يعتنقون الإباضية. وعلى عكس أي دولةٍ أخرى في المنطقة، يوفر النظام القانوني في عُمان حمايةً واسعةً للأقليات الدينية (المسلمون السنة والشيعة، والهندوس، والسيخ، والمسيحيين، والبوذيين). وعلى الرغم من أن عُمان ليست دولةً ديمقراطية بأي حالٍ من الأحوال، من حيث التعددية الدينية والاندماج الاجتماعي، إلا أنها تتفوق بكثير على جيرانها العرب. ويمكن القول إن هذه الثقافة المتسامحة متجذرةً، بشكلٍ جزئي على الأقل، في الإباضية.

لقرون، عاش الإباضية في عزلةٍ نسبية وغالباً ما أسيء فهمهم من قبل المجتمعات المسلمة الأخرى. ومع ذلك، عندما أصبح قابوس بن سعيد سلطان عُمان في عام 1970، تبنى نهجاً أكثر فعالية للترويج للأعمال الإباضية المهمة ونشرها، إذ يعود تاريخ بعض الأعمال التي نُشرت بالعربية إلى ما قبل العام 800، إلا أن الترجمة الإنجليزية للكتب الإباضية اللاهوتية لا تزال محدودة.

تعود جذور الإباضية إلى القرن السابع الميلادي، أي بعد 20 سنة من وفاة النبي محمد عام 632. وعلى هذا النحو، تختلف الإباضية عن الإسلام السني والشيعي وظهرت قبل الانقسام الشيعي السني. يُنسب الإباضية إلى الخوارج الذين ظهروا إلى العلن خلال الحرب الأهلية الإسلامية الأولى (656-661). فقد كان الخوارج أول طائفةٍ إسلامية، والتي ظهرت نتيجة الجدل الديني السياسي حول الخلافة. وعلى الرغم من أن الإباضية يعترضون بشدة على نسبهم إلى الخوارج، إلا أنهم يعترفون بأن طائفتهم نشأت مع انفصال الخوارج عن جماعة المسلمين عام 657. وبالتالي، لفهم الإباضية، فمن الضروري إيلاء اهتمامٍ لتاريخ الخوارج المبكر. فقد كان الخوارج يؤمنون بأركان الإسلام الخمسة وذات المبادىء الإسلامية التي كانت تتم الدعوة إليها خلال حياة النبي محمد. وعليه، ظهرت الخلافات فحسب بين الخوارج وباقي المجتمع الإسلامي القديم عندما باتت العقيدة ظاهرةً للعيان بالكامل بعد وفاة النبي محمد.

المصدر: Wikipedia, ilsole24ore.com, islam.uga.edu, guides.library.illinois.edu. إضغط للتكبير. @Fanack

جاء ظهور الخوارج كرد فعلٍ على حكم الخليفة الثالث، عثمان، والخليفة الرابع، علي. فقد تنامى الاستياء في ظل محاباة عثمان لعائلته من الأمويين، الذي بدى أنهم يحتكرون المناصب المربحة ذات السلطة. غضب الخوارج من تصرفات عثمان، ولا سيما في المرحلة الأخيرة من حكمه قبل أن يُقتل على يد خصومه، وبالتالي، فاقمت وفاة عثمان عدم الاستقرار والانقسام بين المسلمين. ومع ذلك، شعر الخوارج بالرعب من علي، وخاصة عندما وافق، بعد مواجهته أولئك الذين سعوا للانتقام من وفاة عثمان، على التحكيم بشأن الحق والباطل فيما يخص عملية القتل. عارض الخوارج بشدة هذه الخطوة لأنهم يعتقدون أن “الحساب بيد الله وحده،” وبالتالي، انشقوا عن غالبية المسلمين الأوائل لأنهم لم يعترفوا بشرعية عثمان أو علي. وعليه، أطلق الخوارج على المسلمين الذين لم يشاركوهم آرائهم، القوم. يعتقد الخوارج أن القوم فقدوا أهلية الولاية (الولاء لله ولإخوانهم المسلمين). ومع ذلك، لم يستطع الخوارج الاتفاق فيما بينهم حول كيفية التعامل مع القوم، حيث فضل غالبية الخوارج الأوائل المواجهة المسلحة مع أولئك الذين اعتبروهم كفاراً، إلا أن أقليةً منهم فضلوا مبدأ “عش ودع غيرك يعيشون.” مهد هذا النهج الأكثر تسامحاً الطريق إلى الإباضية. فالإباضية، التي اشتق اسمها من عبد الله بن إباض، الذي يبدو أنه كان المرشد السياسي للجماعة، على الرغم من أن قائدها الروحي هو جابر بن زيد، الذي أصبح أول إمامٍ للجماعة. يُشير الإباضية إلى أنفسهم بـ”المسلمين” أو “أهل الاستقامة،” لذلك يعتبرون أنفسهم مختلفين تمام الاختلاف عن الخوارج.

من ناحيةٍ دينية، يعتبر الإباضية أقرب إلى المعتزلة، مما يعني أنهم ينفون التفسير الحرفي لجميع أوصاف الله الجسمية؛ أي أنهم ينفون وجود صفات أبدية في الله التي تمييزه عن جوهره. كما أنهم يرفضون إمكانية رؤية الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فضلاً عن تمسكهم بعقيدة خلق القرآن.

وبالمثل، يُفسر المعتزلة والشيعة الإشارات المجسمة لله في القرآن بطريقةٍ رمزية وليس حرفية. كما يعتقدون أنه من المقبول إخفاء المرء لعقيدته في ظل ظروفٍ معينة، تماماً كفكرة الشيعة عن التقية. والتقية هي ممارسة إخفاء معتقد الفرد وتخليه عن الواجبات الدينية الإعتيادية عندما يكون المرء مهدداً بالموت أو الأذى. ومع ذلك، وعلى عكس الشيعة، فليس من الضروري أن ينحدر حاكم المسلمين من قبيلة قريش، أي قبيلة النبي محمد. كما يؤمنون أنه ينبغي اختيار الإمام لمعرفته وتقواه، دون أي اعتبارٍ للعرق أو النسب، إذ يجب أن يتم اختياره من قبل شيوخ المجتمع، الذين هم ملزمون أيضاً بإقالته إذا ما تصرف بغير حق.

من جهةٍ أخرى، هناك اختلافاتٌ طفيفة في شعائر صلاة الإباضية والسُنة، إذ يُصلي الإباضية مثل الشيعة والمالكية، حيث يقومون ببسط أيديهم أثناء الصلاة ولا يقبضونها. ولعدة قرون، لم يتقيد الإباضية بصلاة الجماعة لأنهم اعتقدوا آنذاك بعدم وجود إمامٍ عادل. من حيث المبدأ، يرفض الإباضية الدعاء للحكام المستبدين في الخطب، ولذلك، يعتقدون أن صلاة الجمعة يجب أن تنظم فحسب في المدن الكبرى حيث تسود العدالة.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.