فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأديان في الشرق الأوسط / الإسماعيلية: تاريخ من الإضطهاد والتعددية

الإسماعيلية: تاريخ من الإضطهاد والتعددية

Specials- Ismailism
شيخ مصري يحمل الزهور إلى ضريح السلطان محمد شاه آغا خان، الزعيم الروحي للمسلمين الإسماعيليين الشيعة وجد الآغا خان الحالي، في 4 يوليو 2000 في أسوان. Photo AFP ©AFP ⁃ MARWAN NAAMANI

يشكل الإسماعيليون مجتمعاً ثقافياً متنوعاً يلتزم بتقاليد ذات قيّم شيعية منذ 1400 عام، من بينها الالتزام بالبحث عن المعرفة من أجل تحسين الذات والمجتمع، واحتضان التعددية من خلال بناء جسور السلام ومشاركة وقت الفرد ومواهبه وموارده المادية لتحسين نوعية حياة الإسماعيليين الآخرين وأولئك الذين يعيشون بينهم.

يمكن إرجاع أصول الإسماعيليين إلى إسماعيل، الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق، الذين أقر الإسماعيليون باستمرار نسب نسلهم إلى الإئمة المعصومين. يؤمن الشيعة بأن النبي محمد عين بشكلٍ صريح ابن عمه وصهره علي خليفةً له، وبالتالي يُعتقد أن أحفاده من ابنة محمد فاطمة، الذي كان الصادق واحداً منهم، موجهون من الله ومفسرون معصومون للوحي تتوجب على المؤمنين طاعتهم. عند وفاة الصادق عام 765، انقسم المجتمع الشيعي حول مسألة أي من أبنائه هو الإمام الشرعي. كان الإسماعيليون هم أولئك الذين اعترفوا بأن إسماعيل هو الخلف الشرعي. مع تعرضهم للاضطهاد من قِبل الخلفاء العباسيين السُنة، اختبأ بعض الأئمة الإسماعيليين وأتباعهم لمدة قرنٍ ونصف، نظموا خلاله شبكة تعليم سرية واسعة النطاق وأسسوا الخلافة الفاطمية (909-1171)، التي كانت تمثل تحدياً لادعاءات الخلافة العباسية والعلاّمة السُنة أو “رجال العلم السُنة.”

تشكلت الخلافة الفاطمية بين قبيلة كتامة الأمازيغية فيما يعرف اليوم بالجزائر، حيث احتلوا رقّادة، عاصمة سلالة الأغالبة العربية، في عام 909. وفي عام 921، انتقل الفاطميون إلى المهدية، في تونس، لتصبح عاصمةً جديدة لهم. وفي عام 948، نقلوا عاصمتهم مجدداً إلى المنصورية، بالقرب من القيروان في تونس، وفي عام 969، احتلوا مصر وأصبحت القاهرة عاصمة خلافتهم. وعليه، أصبحت مصر المركز السياسي والثقافي والديني لإمبراطوريتهم التي طورت ثقافة عربية أصلية. بعد الفتوحات الأولية، سمحت الخلافة في كثير من الأحيان بدرجة من التسامح الديني تجاه الطوائف الإسلامية غير الإسماعيلية وكذلك اليهود والمسيحيين المالطيين والأقباط المصريين. ولكن سرعان ما تراجعت الخلافة، وفي عام 1171 غزا صلاح الدين أراضيها، حيث أسس سلالة الأيوبيين ودمج الخلافة الفاطمية مع الخلافة العباسية.

انقسم الإسماعيليون مرةً أخرى حول خلافة الإمام الثامن عشر، المستنصر بالله، الذي توفي عام 1094. فقد اعترفت المجموعة التي أصبحت تُعرف باسم الإسماعيليين النزاريين بالابن الأكبر ووريثه المُعين نزار وسلالته باعتبارهم الأئمة الشرعيون. واليوم، يُعرف الإسماعيليون النزاريون ببساطة باسم الإسماعيليين. بينما اعترفت مجموعة أخرى، سميت فيما بعد بالإسماعيلية الطيبة، بالابن الأصغر للمستنصر بالله باعتباره الوريث الشرعي حيث عمد أئمتهم على الإختباء بعد فترةٍ وجيزة.

انتقل الأئمة الإسماعيليون في النهاية من مصر الفاطمية إلى بلاد فارس. بالكاد نجت الدولة الإسماعيلية من اعتداءاتٍ متكررة من السلاجقة، وهي سلالة تركية كانت تسيطر فعلياً على الخلافة العباسية في أواخر القرن الحادي عشر، وفي النهاية هزم الغزو المغولي عام 1256 النظام الحكومي الإسماعيلي وأدى ذلك إلى محاولة الإبادة الجماعية للمجتمع. فقد عانت المجتمعات الإسماعيلية في بلاد فارس وسوريا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا، من الاضطهاد على نطاقٍ واسع، مما أجبرهم في القرون التالية على التعريف بأنفسهم ظاهرياً بأنهم سُنّة أو صوفيين أو غيرها من الطوائف الإسلامية الأخرى، وفقاً للسلطة الدينية في المنطقة. ومع ذلك، استمرت سلالة الأئمة الإسماعيليين دون انقطاع، حيث قام كل إمام بتعيين خليفة له من بين ذريته من الذكور.

الإمام الـ49 والحالي للإسماعيلية هو آغا خان الرابع، الذي ولد عام 1936 في جنيف. قضى طفولته المبكرة في نيروبي في كينيا، والتحق بالمدرسة في سويسرا لمدة تسع سنوات وتخرج من جامعة هارفارد في عام 1959 بدرجة البكالوريوس في التاريخ الإسلامي. خلف جده، السلطان محمد شاه آغا خان الثالث، في 11 يوليو 1957 عندما كان يبلغ من العمر العشرين عاماً.

منذ ذلك الحين، حدثت تغيراتٌ سياسية واقتصادية كبيرة في معظم البلدان التي يعيش فيها الإسماعيليون. نتيجةً لذلك، قام آغا خان بتكييف النظام المعقد لإدارة المجتمعات الإسماعيلية المختلفة، والتي كان رائدها جده خلال الحقبة الاستعمارية، لعالمٍ من الدول القومية. خلال هذه العملية، قدم الآغا خان الثالث بالفعل صياغة معاصرة للدور العام للكيان الذي يمثل خلافة الأئمة، والمعروف باسم الإمامة. واليوم، تواصل الإمامة تقليد الحياد السياسي الصارم. كما تم إنشاء العديد من المعاهد والمنظمات المجتمعية لخلق شعورٍ بالوحدة وإنشاء برامج مالية وثقافية واجتماعية للمساعدة عند الحاجة. وتشمل هذه على المجتمع الإسماعيلي ومعهد الدراسات الإسماعيلية.

ينتشر الإسماعيليون في حوالي 25 دولة، معظمهم في وسط وجنوب آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، ويبلغ عددهم حوالي 20 مليون نسمة. وعلى الرغم من أنهم نادراً ما يتصدرون عناوين الصحف، إلا أن العديد من الهجمات ضدهم سلطت الضوء على وجودهم. ففي مايو 2015، قُتل العشرات من الأقلية الإسماعيلية في الباكستان على أيدي مسلحين بهجومٍ على حافلتهم في كراتشي. بعد هذا الهجوم، أصدر الآغا خان تصريحاً قال فيه إن الإسماعيليين كانوا “مجتمعاً عالمياً مسالماً يعيش في وئامٍ مع الجماعات الدينية والعرقية الأخرى في العديد من دول العالم، بما في ذلك العالم الإسلامي.”

أما في سوريا، يوجد ما يقدر بنحو 250 ألف إسماعيلي يعيشون في مدنٍ مختلفة، أهمهما مدن سلمية ومصياف والقدموس وبعض القرى في طرطوس. تعتبر مدينة سلمية مركزهم التاريخي في البلاد.

وقال علي، المصور الصحفي والناشط من المدينة لنا في فَنَك: “يمكن القول إن التغييرات التي شهدتها سوريا في عام 2011 [عندما اندلعت الحرب] كان لها تأثيرٌ كبير على المجتمع الإسماعيلي، تماماً كما هو حال جميع السوريين.” وأضاف “يبدو أن كبار مفوضي الطائفة الإسماعيلية في جميع أنحاء العالم لم يكن لديهم رأي واضح فيما يتعلق بالأحداث الجارية في سوريا، حيث أن زعيم الطائفة، الإمام كريم شاه، أعرب فقط عن مخاوفه من تصاعد العنف في سوريا من خلال رسائله إلى الطائفة إلا أنه لم ينحاز إلى أي جانبٍ سياسي. ومع ذلك، كان للمفوضين الرسميين للإسماعيليين في سلمية وجهة نظرٍ مختلفة وقرّروا أن يكونوا موالين للنظام، الذي لطالما تعاونوا معه وكانوا من أصدقائه المقربين.”

بالنسبة لعلي، فإن هذا القرار “لربما جاء بدافع الخوف وليكونوا قادرين على الحفاظ على مصالحهم السياسية مع الجانب الأقوى في هذه المعادلة، بغض النظر عن انعدام الكرامة والفجوة التي أراد هذا النظام أن يبنيها بين جميع الطوائف السورية والطبقات الاجتماعية.” ومع تزايد العنف الذي يستخدمه النظام ضد خصومه، رفض الإسماعيليون التورط أكثر، إلا أن ظهور الجماعات المتطرفة هدد بقائهم بشكلٍ مباشر. وتابع علي القول “في ظل هذه الظروف الأمنية الخطيرة، واجه أهالي مدينة سلمية خيارين: الفرار من الموت والتعذيب، أو الإنضمام إلى الميليشيات الحكومية من أجل البقاء.”

سيناريو أعيد مراراً وتكراراً عبر مناطق جغرافية مختلفة في تاريخ الإسماعيليين الحافل بالأحداث والممتد على مدار 1400 عام.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ MARWAN NAAMANI

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.