فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأديان في الشرق الأوسط / أسباب تنامي تأثير علّامة العصور الوسطى، ابن تيمية

أسباب تنامي تأثير علّامة العصور الوسطى، ابن تيمية

Specials- Ibn Taymiyyah
Photo: Wikipedia

يُمكن القول أن ابن تيمية، من ناحية التأثير والنفوذ، أحد أهم علماء العصور الوسطى في العصر الحديث. فقد جعل الصعود السريع للسلفية على مدى السنوات الخمسين الماضية وإنعكاساتها، من ابن تيمية اسماً مألوفاً. ففي أي وقتٍ يتم فيه خوض نقاشٍ حول جذور التطرف الإسلامي أو السلفية الجهادية، يظهر اسم ابن تيمية بطريقةٍ أو بأخرى. فقد ربط بعض العلماء المنظمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بأفكار ابن تيمية في العصور الوسطى، في حين اعتبره آخرون عالماً عظيماً لا ينبغي فهمه إلا في السياق التاريخي المناسب. حتى في حياته لم يكن هناك إجماعٌ حوله، ووجهات نظره أدت إلى انقسام الآراء بشدة.

فقد كان ابن تيمية كاتباً غزير الإنتاج ينتمي إلى المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي، حيث نجت العديد من أعماله على مدى العصور. تتضمن مجموعة كتبه البارزة كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعية والرعية ومنهاج السُنة.

فكل فردٍ تحكمه التفاصيل الاجتماعية- السياسية السائدة في عصره، وبالتالي، للحصول على فهمٍ أفضل لعقلية ابن تيمية، فمن الأفضل إلقاء نظرةٍ سريعة على المرحلة التاريخية التي عاش فيها. ولد ابن تيمية عام 1263 في مدينة حران وتوفي عام 1328 في دمشق. تزامنت حياته مع الاضطرابات السياسية، مما كان له، على الأرجح، تأثيرٌ عميق على آرائه.

في عام 1269، هجر ابن تيمية مع والده وأخوته حران، التي دمرت بالكامل بسبب الغزو المغولي. انتقلت العائلة إلى دمشق التي كانت آنذاك تحت حكم مماليك مصر. ومع ذلك، طغى التهديد المستمر للغزو المغولي على الحياة في دمشق.

وقع الغزو الأول في وقتٍ ما من عام 1299 عندما تمكن جيش المغول الإلخانات من الوصول إلى دمشق. استمر الغزو الثاني بين أكتوبر 1300 ويناير 1301، في الوقت الذي بدأ فيه ابن تيمية بإلقاء الخطب عن الجهاد للدفاع عن المدينة. بعد ذلك بفترةٍ قصيرة، في عام 1303، وقع الغزو المغولي الثالث لسوريا عندما أعلن ابن تيمية أن الجهاد ضد الهجوم المغولي على المماليك لم يكن مباحاً فحسب بل إلزامي. لم يدعو ابن تيمية المسلمين للجهاد فحسب، بل انضم شخصياً إلى المعركة ضد الجيش المغولي.

وبصرف النظر عن هذه التهديدات الخارجية التي أثرت على نظرته للعالم، كان يخوض باستمرار مواجهاتٍ مع الحكام المحليين. فقد شهد عام 1293 أول تصادمٍ كبير لابن تيمية مع السلطات المحلية، التي أصدرت عفواً عن مسيحي اتُهم بإهانة النبي، حيث أسفر ذلك عن سجنه لأول مرة. وفي عام 1298، تم اتهامه بالتجسيم (إسناد الصفات والخصائص البشرية إلى الكائنات الأخرى) وانتقاده لشرعية اللاهوت العقائدي.

وصلت مواجهاته مع السلطات الدينية والسياسية المحلية نقطةً حاسمة عندما أرسل في عام 1306 إلى القاهرة للمثول أمام مجلسٍ بتهمة التجسيم مرةً أخرى، حيث تمت إدانته وسجن في قلعة القاهرة لعامٍ ونصف. بيد أن هذه لم تكن المرة الأخيرة التي يُسجن فيها بسبب أرائه المثيرة للجدل، فعلى سبيل المثال، في عام 1308، قضى عدة أشهرٍ في السجن بسبب استنكاره ممارسة عبادة الأولياء باعتبارها مخالفة للقانون الديني. بشكلٍ عام ، قضى ابن تيمية جزءاً كبيراً من حياته في السجن، مما يدل على أن أفكاره لم تكن منطقيةً بالنسبة للحكام المحليين والخطاب الديني السائد في ذلك الوقت.

فقد كان ابن تيمية يعتقد أن الإسلام ملوث بالثقافات والتقاليد المحلية الزائفة. واقترح أن عدم الاستقرار السياسي والتهديدات الخارجية في ذلك الوقت كانت ببساطة نتيجةً لحقيقة أن المسلمين قد انحرفوا عن “الطريق الصحيح.” لذلك، كان يعتقد أنه يجب إنقاذ الإسلام مما اعتبره ابتكاراتٍ من صنع الإنسان. في ضوء ذلك، رغب في العودة إلى مصادر الإسلام الأصيلة، إذ كان يؤمن بالالتزام الصارم بالقرآن والسنة، وأن الإجماع ليس له قيمة بحد ذاته.

عارض تقريباً جميع أنواع التشفع والرمزية في العبادة، وبالتالي اعتبر زيارة الأولياء والأضرحة تدنيساً؛ إذ كان يعتقد أنها تتناقض مع وحدانية الحقيقة وختام رسالة محمد. وبالتالي، لم يتردد في وصف هذه الممارسات – التي كانت شائعة في العديد من المجتمعات الإسلامية في ذلك الوقت – بالهرطقة. باختصار، كان ضد إدماج الثقافة بالإسلام.

كما كان يعتقد ابن تيمية أن أفضل مثالٍ على الحياة الإسلامية هي الأجيال الثلاثة الأولى من الإسلام (أي السلف). لذا ينبغي على المسلمين الرجوع فقط إلى معارف السلف عند تفسير المصادر الدينية. كما كان يعتقد أن الأجيال الثلاثة الأولى خلقت المجتمع الإسلامي “المثالي.” وبالتالي، للكف عن الفساد، ينبغي على المرء اعتبارهم قدوةً في أي وقت، إذ كان ينظر إلى أي انحرافٍ عن ممارستهم على أنه بدعة أو ابتكار.

وعلاوةً على ذلك، يشتهر ابن تيمية بانتقاده للشيعة، إذ يعتبرهم مفلسين دينياً والسبب الجذري للعديد من مصائب الإسلام. فقد قال في كتابه “منهاج السنة النبوية” إنه لا ينبغي إعتبارهم مسلمين، بل يجب أن يواجههم المسلمون “الحقيقيون.” كما كان ابن تيمية من المؤيدين بقوة للجهاد باعتباره وسيلةً فعّالة لخلق مجتمعه المثالي. ففي كتاباته، سلط الضوء على الأهمية الدينية والسياسية للجهاد.

دون أدنى شك، كان لكتابات ابن تيمية تأثيرٌ عميق على محمد بن عبد الوهاب، العالم الحنبلي الذي أسس الوهابية في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر. في الحقيقة، لولا الحركة الوهابية، التي ساهمت في نهاية المطاف في تأسيس الدولة السعودية الحديثة في أوائل القرن العشرين، لما كانت كتابات ابن تيمية تحظى بالأهمية التي تحظى بها اليوم. وعندما أصبحت الوهابية دين الدولة في المملكة العربية السعودية، ساهمت القوة الاقتصادية والإرادة الدينية السياسية لهذه المملكة المتعصبة في نشر الأفكار التي دعا إليها ابن تيمية في القرن الرابع عشر، على جناح السرعة.

واليوم، توجد حركاتٌ سلفية مختلفة في جميع أنحاء العالم مستوحاةٌ من كتابات ابن تيمية. وبالإضافة إلى الأصوليين والنشطاء السلفيين، كان الجهاديون السلفيون يشيرون إلى ابن تيمية باعتباره مُلهمهم. فعلى سبيل المثال، حمل تنظيم داعش لواء أفكارٍ وممارساتٍ دعا إليها ابن تيمية، بشتى الطرق. وبعد قرونٍ عديدة من وفاته، ترجمت أفكاره، التي اعتبرها الكثير من علماء عصره غير مقبولة، إلى أفعالٍ سياسية. كان ابن تيمية صنيعة عصره، ونظراً لعدم الإستقرار السياسي في تلك الفترة، كانت أفكاره مشروطةً بكل وضوح بالإضطرابات والصراعات آنذاك. ومن المثير للاهتمام أننا نرى كيف أنه بعد قرونٍ عدة، في عصرٍ آخر من الاضطرابات والصراعات التي تجتاح الشرق الأوسط اليوم، وجدت أفكاره سبيلاً جديداُ.

image_pdfimage_print