فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأديان في الشرق الأوسط / اليزيديين: إحساسٌ رائعٌ بالهوية

اليزيديين: إحساسٌ رائعٌ بالهوية

Iraq- Iraqi Yazidis
يزيديون عراقيون يضيئون الشموع والمشاعل خارج معبد لاليش الواقع في وادٍ بالقرب من دهوك، على بعد 430 كيلومتراً شمال غربي بغداد، خلال مراسم الاحتفال بالسنة اليزيديّة الجديدة في 17 أبريل 2018. Photo AFP ©AFP ⁃ SAFIN HAMED

لقرونٍ عديدة، واجه اليزيديون الاضطهاد، إلا أنهم لم يتخلوا عن إيمانهم، بل إن ثباتهم ما هو إلا دليلٌ على إحساسهم الرائع بالهوية. فقبل عام 2014 والفظائع واسعة النطاق التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شمال العراق، والتي أثرت بشكلٍ مأساوي على هذا المجتمع، لم يعرف سوى عدد قليلٌ جداً من سكان الغرب عن اليزيديين. ففي عام 2014، تم إعدام أكثر من 3000 من اليزيديين في غضون أيام، بينما أجبر الكثير من أولئك الذين بقوا على قيد الحياة إما على العبودية الجنسية أو تغيير دينهم. فقد صدمت الصور المُهينة للنساء الأيزيديات المقيدات أثناء بيعهن في سوقٍ للسبايا من قِبل داعش العالم بأسره، وسلطت الأضواء على هذا المجتمع.

وبعد أربع سنوات، من المهم أن ننظر إلى الوراء للتفكر في تلك المأساة وإعادة النظر في المجتمع الذي تعرض للكثير من الاضطهاد وسوء الفهم في نفس الوقت. فقد استخدم الجناة المتعصبون بعض سوء الفهم التاريخي والشائعات التي وصفت اليزيديين بـ”عبدة الشيطان” لـ”تبرير” تعذيب هذا المجتمع من منطلقٍ ديني. وعلى الرغم من أن الأسوأ بات في طي النسيان اليوم، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من اللغط حول اليزيديين.

المجتمع اليزيدي هو جزءٌ من الأقلية الكردية قبل الإسلام، حيث يعيشون في المقام الأول في شمال العراق، إلا أن لهم وجودٌ أيضاً في إيران وسوريا وتركيا وجورجيا وروسيا وأرمينيا. كما هاجر العديد من اليزيديين إلى أوروبا، وخاصة إلى ألمانيا منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت من عام 1980 إلى عام 1988. ويقدر عددهم بما يصل إلى 600 ألف نسمة. مجتمع اليزيديين مجتمعٌ انعزالي للغاية، ويمارس زواج الأقارب، كما أن لديهم نظامٌ قائمٌ على ثلاث طبقات: طبقة المريد، وطبقة الشيخ، وطبقة البير، حيث يحرّم الزواج بين الطبقات. زعيمهم الحالي هو الأمير تحسين بك سعيد.

يؤمن اليزيديون بأنهم ينحدرون مباشرةً من آدم وحده، في حين أن بقية البشر ينحدرون من نسل آدم وحواء، كما يوضح موقع هافينغتون بوست. هذا الاعتقاد اليزيدي متجذرٌ في التقليد الجاهلي، إلا أن الشيخ عدي بن مسافر، وهو واعظٌ صوفي توفي عام 1162، يعتبر الشخصية الأكثر محورية لتأسيس هذا الإيمان.

وبالنسبة لليزيديين يُعتبر تجسدياً لطاووس ملك، الذي قاد الملائكة الآخرين الذين خلقوا العالم. وفي شهر سبتمبر من كل عام، يحج اليزيديون إلى قبر الشيخ مسفر في لالش، شمال الموصل. هناك، يقوم الحجاج بممارسة طقوس الاغتسال في النهر.

يرتبط أحد مصادر سوء الفهم الرئيسية لهذا المجتمع باسمهم، اليزيديون أو الأزيديون. فقد خضع الإسم لتأويلاتٍ مختلفة وله مدلولات مختلفة بحسب الأشخاص. فعلى سبيل المثال، يعتقد بعض المسلمين السُنة أنها مستمدة من يزيد بن معاوية (645-683)، الخليفة الثاني من سلالة الأمويين الذي لم يكن يحظى بشعبيةٍ كبيرة. وبالنسبة للشيعة المسلمين، فإن يزيد هو الشخصية الأكثر بُغضاً ذلك أنه الشخص الذي قتل الإمام الشيعي الثالث وابن علي، الحسين، في معركة كربلاء (680 م)، والتي تعدّ نقطة مفصلية في تحول الانقسام الشيعي السني.

كما يربط بعض الأشخاص اليزيديين بمدينة يزد الفارسية. ومع ذلك، وفقاً لبي بي سي، أوضحت الأبحاث الأخيرة أن الاسم لا علاقة له بمدينة يزد الإيرانية، إلا أنه مشتقٌ من اللفظ الفارسي “إيزيد” الذي يعني الملاك أو المعبود. وتعني كلمة الأزيديين “عباد الله،” وهكذا يصف أتباع هذه الديانة أنفسهم.

يُطلق اليزيديون على أنفسهم لقب “داسين،” وهو مشتقٌ من اسم أبرشية النسطورية القديمة التي تتبع الكنيسة المسيحية الشرقية القديمة. يحترم اليزيديون كلاً من الإنجيل والقرآن على حد سواء، إلا أن الكثير من تقاليدهم شفوية. هناك سوء فهمٍ شائع للغاية يربط بين الدين اليزيدي بالزرادشتية، الذي ينطوي على ازدواجية بين النور والظلام وحتى عبادة الشمس. ومع ذلك، أظهرت الأبحاث الأخيرة أن دينهم غير مزدوج: فهم لا يؤمنون بوجود الشر أو الجحيم.

المصدر: Wikipedia, REACH, International Coalition for Responsanility to Protect (ICRtoP), Nadia's Initiative, The Guardian. إضغط للتكبير. @Fanack

بالنسبة لليزيديين، يمتلك جميع البشر الخير والشر بداخلهم، وخياراتهم خالية من المؤثرات الخارجية. وعلى الرغم من أن مزاراتهم غالباً ما تكون مزينة بالشمس ومقابرهم تتجه شرقاً نحو شروق الشمس، وهو ما يشبه الزرادشتية، إلا أنهم يتشاركون أيضاً بالعديد من العناصر مع المسيحية والإسلام. هذا ويمكن أن يمنحنا النظر إلى بعض الطقوس اليزيدية إطاراً مرجعياً، فعلى سبيل المثال، يمارسون التضحية بالحيوانات والختان. كما يتم تعميد الأطفال اليزيديين “بالمياه المقدسة” من قبل كاهن يسمونه البير. وفي مراسم الزفاف، يكسر البير الخبز ويعطي نصفه للعروس والنصف الآخر للعريس. كما ترتدي العروس اللون الأحمر وتزور الكنائس المسيحية. وعلاوة على ذلك، يصوم اليزيديون لمدة ثلاثة أيام في ديسمبر ثم يحتفلون بنهاية الصيام بشرب النبيذ مع البير.

ووفقاً للديانة اليزيدية، فإن الله هو يزدان، الذي لا يمكن أن يُعبد بشكلٍ مباشر. يزدان هو خالق الكون، ولكنه ليس الحافظ له، وبالتالي فهو يعتبر قوةً سلبية. فقد خلق الله سبعة أرواحٍ عظيمة، أكبرها طاووس ملك، الذي يعدّ المنفذ الفعلي للإرادة الإلهية على الأرض. ومن الجدير بالذكر أن الطاووس في المسيحية المبكرة كان رمزاً للخلود لأن جسده، بنظرهم، لا يفسد أو يتحلل بعد الموت.

تعتبر فكرة طاووس ملك الجزء الأكثر اساءة للفهم في نظام المعتقد اليزيدي. ويعتقد اليزيديون أنه بمجرد أن خلق الله آدم، أمر الملائكة بالسجود لخلقه. وفي حين سجد الملائكة الآخرون، إلا أن طاووس ملك أبى ولم يسجد، لأنه كان يؤمن أنه لا يجوز أن يسجد سوى إلى الله. وبسبب عدم خضوعه، ألقي في النار، إلى أن أخمدت دموع ندمه النار إلى أن تصالح مع الله. ووفقاً للديانة اليزيدية طاووس ملك هو وسيطٌ بين الله والبشرية. وبالتالي، يعتبر طاووس ملك غرور الله المحوّر الملازم له. ولذلك، إلى حدٍ ما، يُعتبر اليزيديون موّحدين.

لقصة طاووس ملك بعض أوجه تشابه مع قصة الشيطان لدى المسلمين، والذي يسمى أيضاً إبليس أو الشيطان باللغة العربية. وبالنسبة للمسلمين، الشيطان هو ملاكٌ هابط رفض أن يسجد لآدم بداعي الكبرياء. ولفعله هذا، طرد من الجنة. ومع ذلك، فإن الفرق الرئيسي هو أن الشيطان لم يتصالح أبداً مع الله، وعندما هبط من الجنة، بدأ في إغراء الإنسانية بالشر.

وعلى غرار المسلمين، يصلي اليزيديون خمس مراتٍ في اليوم، إلا أنهم يتجهون إلى الشمس وقت الشروق والظهر والغروب. يومهم المقدس هو يوم الأربعاء، ويوم السبت هو يوم الراحة. ولأنهم يصلون لطاووس ملك، ولأن الاسم الآخر لطاووس ملك هو الشيطان، فقد تم وسم اليزيديين على أنهم “عبدة الشيطان.” يؤمن اليزيديون أن تطهير الروح التدريجي من الخطايا أمرٌ ممكن من خلال تناسخ الأرواح، مما يجعل فكرة الجحيم غير واردة. وهذا بدوره يعني أنهم يؤمنون بفكرة تطهير الروح من الداخل من خلال التقمص، وهو مصطلح يُشير إلى رجوع الروح إلى الحياة بجسدٍ آخر. وعلاوة على ذلك، يعتقدون أن الملائكة السبعة تتجسد من حين لآخر في شكلٍ إنساني. وفي حال طرد اليزيدي من مجتمعه، فإن روحه أو روحها لا يمكن أن تتطور أبداً، وكحال الإسلام والمسيحية، فإن إتباع دينٍ آخر أمرٌ غير وارد. وبالمثل، لا يمكن لأحد أن يعتنق الديانة اليزيديّة.

تم استغلال النظام الإيماني اليزيدي وطريقة عيشهم المعزولة كذريعةٍ لاضطهادهم لعدة قرون. بل إن ظهور الدولة القومية الحديثة في أوائل القرن العشرين لم يجعل حياتهم أسهل. وعلى الرغم من تطهير مناطقهم الرئيسية في شمال العراق من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” إلا أنهم لا يزالون مجتمعاً ضعيفاً للغاية في منطقةٍ تعاني من مشاكل أساسية فيما يتعلق بحقوق الأقليات. فقد تمثلت استراتيجية الخروج الأسهل لليزيديين بالهجرة الجماعية إلى أوروبا، التي ربما تكون قد منحتهم حقوق الأقليات، إلا أنها في واقع الأمر فصلتهم فعلياً عن أرض أجدادهم.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ SAFIN HAMED

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.