الصفحة الرئيسية / المملكة العربية السعودية / الاقتصاد / البطالة السعودية- قنبلة موقوتة؟

البطالة السعودية- قنبلة موقوتة؟

unemployment in Saudi Arabia
طلاب في إحدى محاضرات جامعة الملك سعود في الرياض- المملكة العربية السعودية. يفشل طلاب الدراسات العليا في تلبية معايير متطلبات العمل ويبقون عاطلين عن العمل. Photo New York Times

تقف المملكة العربية السعودية على مفترق طرق، حيث بدأ الاقتصاد يعاني من وطأة الأحداث مع تعثر أسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل في المملكة، إذ انخفض سعر برميل النفط الواحد إلى 45 دولاراً، وسرعان ما سيكون للقضايا الأخرى التي لطالما تم إهمالها عقبات لا يمكن التغلب عليها.

يمكن أن يكون النمو السكاني السريع وتقلص احتياطات النفط مزيجاً متقلباً، سيما إذا كانت شريحة كبيرة من السكان عاطلين عن العمل. ووفقاً لتقرير التوقعات السكانية العالمية التابع للأمم المتحدة لعام 2015، ازداد عدد السكان السعوديين بشكلٍ كبير من أقل من 10 ملايين نسمة عام 1980 إلى ما يقرب 30 مليون نسمة اليوم، حيث أنّ نحو 60% من السكان تحت سن الـ25، وذلك وفقاً للإحصاءات الحكومية، كما ترتفع نسب البطالة بين الشباب.

ومن جهةٍ أخرى، تدرك الدولة المخاطر المحتملة. ففي عام 2011، قام المغفور له الملك عبد الله (1924-2015) بإطلاق برنامج حافز، وهو برنامج مساعدة يُدفع من خلاله للمواطنين السعوديين العاطلين عن العمل 2000 ريال سعودي (533 دولار) شهرياً لمدة تصل إلى عام. واعتباراً من سبتمبر 2014، استفاد 2,6 مليون شخص، منهم 14% من الذكور و86% من الإناث، من البرنامج، حيث يتمثل الهدف الرئيسي للبرنامج بمساعدة الباحثين عن العمل على إيجاد وظيفة دائمة ومستقرة وعدم الاعتماد على الإعانات التي تقدمها الحكومة كمصدرٍ للدخل.

يعتبر برنامج حافز واحداً من المبادرات التي أدخلها الملك الراحل لدعم الباحثين عن عمل. وكان برنامج الملك عبد الله للمنح الدراسية الخارجية الذي يمتد حتى عام 2020، قد دفع حتى تاريخ كتابة هذا التقرير لأكثر من 130,000 طالب سعودي تكاليف الدراسة في أعرق الجامعات في الخارج. كما مولت الحكومة برنامجاً للمنح الدراسية للمعلمين الفنيين لتشجيع التعليم المهني، وذلك بهدف إلحاق ما يقرب من نصف مليون فرد بحلول نهاية العام.

وعلاوة على ذلك، شجعت الحكومة المشاريع المشتركة مع الشركات متعددة الجنسيات من خلال الهيئة العامة للاستثمار في المملكة العربية السعودية (SAGIA)، كما فرضت المزيد من القيود ورفعت رسوم توظيف العمالة الأجنبية، وأبعدت الآلاف من العمال الأجانب غير الشرعيين، حيث تهدف جميع هذه التدابير إلى زيادة عدد الوظائف المتاحة للسعوديين. ويعمل ما يُقدر بنحو 10 ملايين مغترب بشكلٍ قانوني في البلاد، في حين أنّ إحصاءات العمال الذين لا يحملون تراخيص عمل غير متوفرة.

كما شددت وزارة العمل أيضاً قوانين العمالة الأجنبية، حيث يُفرض على الشركات البحث في السوق المحلية أولاً. وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، تم تنظيم معارض وظيفية على الصعيدين المحلي والدولي، بهدف قيام الشركات الكبرى في المملكة بمغازلة الخريجيين السعوديين الجدد. ونتيجة لذلك، يتم تلقف المتقدمين من أصحاب المؤهلات العُليا على وجه السرعة من قِبل شركات البتروكيمياويات، ولكن يشكو كثيرون آخرون من أنّ الوظائف التي تُعرض عليهم لا ترتقي لمستوى طوحاتهم أو لا علاقة لها بمجال دراستهم.

ولكن، هناك أيضاً أسبابٌ أخرى لكون الشباب السعودي عاطلين عن العمل أو غير صالحين للعمل. فعلى الرغم من توفر مجموعة متنوعة من فرص العمل في البلاد، إلا أنّ العديد من الشباب الباحثين عن العمل يفتقرون إلى المؤهلات والمهارات المحددة من قِبل أرباب العمل. وكما يقول الأكاديميين، أنّ هذه هي نتيجة نظام التعليم العالي الذي يُعطي الأولوية للتعلم القائم على النظرية. وقد ساهم خريجوا المدارس الإسلامية، التي تعتبر قيمة شهادتها قليلة في الأسواق التي تتطلب متخصصين في المجال التقني والمهني، بقصور المهارات.

ومن المخاوف الأخرى للباحثين عن عمل لأول مرة هو أن أرباب العمل في القطاع الخاص يقدمون أجوراً متدنية تفتقر إلى الأمن الوظيفي، فضلاً عن كون الحزم الوظيفية غير جذابة في الوقت الذي تتطلب الوظيفة ساعات عمل طويلة. ويتوقع أرباب العمل هؤلاء حصولهم على نفس مستوى الإلتزام من الموظفين السعوديين كحال العمال الأجانب، دون الأخذ بعين الاعتبار الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية التي يجلبها الموظفون السعوديون إلى بيئة العمل. وأشارت دراسة حديثة أجراها صندوق تنمية الموارد البشرية أن 45 في المائة من الشباب السعوديين يرفضون العمل لشركات القطاع الخاص بسبب سلوك أرباب العمل.

آراء الخبراء

ومع ذلك، فقد استعانت الحكومة بالقطاع الخاص للمساعدة في استيعاب بعض العاطلين عن العمل في السعودية، وقد استجاب العديد من رجال الأعمال لهذه الدعوة. ففي يونيو الماضي، قالت الأميرة بسمة بنت سعود، وهي أحد أعضاء العائلة المالكة السعودية وسيدة أعمال، أنّ هناك حاجة إلى استجابة منسقة من قبل القطاعين العام والخاص. وأضافت “يمكن لرجال الأعمال الخروج بحلول من خلال وضع الخطط التي تنظم سوق العمل وتأهيل القوى العاملة السعودية في جميع أرجاء البلاد. لقد سبق واقترحت هذا من قبل، وسأبذل قصارى جهدي لوضعه موضع التنفيذ في المستقبل من أجل المساهمة في حل مشكلة البطالة.”

وقال الدكتور عبد الرحمن هيجان، عضو مجلس الشورى السعودي، أنه ينبغي التعامل مع البطالة بطريقة مبتكرة “بما أنّ المملكة ليست من البلاد الفقيرة التي تواجه مشاكل في الميزانية.” وقال ان نوع وطبيعة المشكلة تختلف عن تلك الموجودة في بلدان أخرى.

“يحتاج سوق العمل لدينا إلى أن يُنظم بطريقة تُنهي هذه المشكلة بشكلٍ دائم. إن عدد العمالة الوافدة في سوقنا يجعل المرء يتساءل ما إذا كان لدينا مشكلة بطالة حقيقية مثل دول أخرى أو ما إذا كانت المشكلة تكمن في حقيقة أن لدينا الكثير من فرص العمل ولكن شبابنا يعتقد أنها ليست مناسبة بالنسبة لهم من حيث طبيعة العمل والرواتب.”

ويعتقد الدكتور مقبل السويلمي، وهو خبير اقتصادي، أن المشكلة التي تواجه السوق السعودي ذات شقين. “أولاً، يعتمد غالبية السعوديين على القطاع الحكومي لخلق فرص عمل لهم في حين أنّ القطاع الخاص لا يلعب أي دورٍ يُذكر في هذا الشأن.” وأوضح أنّ “المشكلة واضحة وقد تكون النتائج في المستقبل كارثية في حال لم يبدأ القطاع الخاص تقديم المزيد من الفرص للسعوديين.” ويؤمن أيضاً أن قطاع التجزئة، الذي يعدّ الأكبر في السوق، لم يتم استغلاله أو الاستفادة منه بالشكل الصحيح. وأضاف ” يمكن لهذا القطاع خلق الآلاف والآلاف من فرص العمل للشباب والشابات السعوديين.”

أينما تكمن الحلول، يجب أن تنفذ بسرعة في ظل انتشار عدم الاستقرار في المنطقة، إذ تجد الجماعات المتطرفة مثل الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات ذات الآراء المتطرفة، التي اجتذبت في السابق القليل فقط من الأفراد، دعماً متزايداً بين أولئك الذين لا يملكون وظائف ومهناً ذات مغزى. وهنا يكمن الخطر. وبالتالي يتوجب على الحكومة السعودية، التي تسيطر على أكبر احتياطي مؤكد في العالم من الذهب السائل، معالجة البطالة بسرعة وفعالية كي لا تصبح أعظم مدخرات البلاد أكبر ديونها.