فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المملكة العربية السعودية / من الماضي الى الحاضر / الحملة النسائية لقيادة السيارات

الحملة النسائية لقيادة السيارات

8059240999_b21432e68a_o
.منال الشريف‎ Photo by Internaz/Flickr

مجدداً، مرّ اليوم العالمي للمرأة هذه السنة مع خيبة أمل جديدة للنساء السعوديات، فقد لاحظن تلاشي آمالهن بالجلوس وراء مقود السيارة. بعد سنوات من الحملات المتواصلة، لا شيء يشير حتى الآن إلى أن المرأة السعودية ستحصل على الإذن بقيادة سيارتها بنفسها. المملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة في العالم حيث تُمنَع المرأة من القيادة.

لكنّ هذا الوضع لم يمنع المرأة في السعودية من محاولة اكتساب هذا الحق الذي يعني أنها ستصبح أقوى وأكثر قدرة على التنقل من دون تدخل المحرم أو السائق. سيعني ذلك أيضاً اتخاذ خطوة مهمة نحو معاملتها كمواطنة كاملة، من دون اتكال قسري على أي طرف آخر.

في عام 1990، بعد أن دخل الجيش الأميركي الذي كان يشمل سائقات إناث إلى المملكة العربية السعودية في خضم العملية المرتبطة بالغزو العراقي للكويت، احتشدت 47 امرأة عاملة سعودية وتجولن في سياراتهن في شوارع الرياض. كانت تلك المحاولة الأولى من نوعها للتظاهر ضد منع السعوديات من القيادة. خسرت المشارِكات وظائفهن وتم تعليق أي دور عام لهنّ في المملكة فوراً.

بعد ثلاثة أيام على هذه التظاهرة، أصدر المفتي العام للمملكة العربية السعودية حينها، عبد العزيز بن باز، فتوى أعطى فيها طابعاً رسمياً لقرار منع النساء من القيادة، مدعياً أنه قرار ضروري لحماية النساء ومنع الفتنة في المجتمع. وفق الفتوى التي أصدرها بن باز، قد يؤثر حادث سير أو إطار مثقوب على الفصل القانوني بين الرجال والنساء، ما قد يسبب فوضى اجتماعية. إن انتشار الفوضى الاجتماعية في الشوارع هو أكثر ما تخشاه السلطات السعودية وهو ما تريد منعه بأي ثمن.

هذا ما صعّب على النساء المجازفة بتجربة قيادة أخرى، ولم تحضّر الناشطتان السعوديتان وجيهة الحويدر وفوزية العيوني عريضة بهذا الشأن قبل عام 2007. فجمعتا حوالى 1100 توقيع من السعوديين الذين يؤيدون حق المرأة بالقيادة وسلّموها إلى الملك عبدالله الذي يتولى السلطة منذ سنتين تقريباً وكان قد أظهر دعماً كبيراً للنساء. قال الملك، بعد تنصيبه في عام 2005، إنه متأكد من أن المرأة ستقود يوماً، لكنّ المجتمع ليس مستعداً لذلك بعد: “تتطلب المسألة القليل من الصبر. مع مرور الوقت، أظن أن الأمر سيصبح ممكناً”.

في عام 2008، مع اقتراب اليوم العالمي للمرأة، صورت الحويدر نفسها وهي تقود السيارة وعرضت الفيديو على موقع يوتيوب، وقد نجحت بذلك في جذب انتباه وسائل الإعلام الدولية. بدأت جولة الحويدر داخل مجمع سكني حيث يُسمَح للنساء بالقيادة، لأن الشوارع داخل المجمّع لا تُعتبر طرقات عامة. لكن لم تتوقف الرحلة عند ذلك الحد، فقد نجحت في مغادرة المجمع السكني والقيادة على طول طريق سريع رئيسي. عبّرت الحويدر عن أملها برفع الحظر على قيادة النساء قبل اليوم العالمي للمرأة في عام 2009.

في عام 2011، وجدت النساء في حركات الربيع العربي فرصة جديدة لشن حملة لاكتساب حق المرأة بالقيادة. تشجعّت نساء إضافيات حين أدركن عدم القدرة على انتزاع أي حقوق ما لم يسعين إليها بكل شراسة واستقلالية. أطلقت مجموعة من الشابات سلسلة من الحملات، وقد وحّدت جهودها ضمن حملة كبرى شملت المملكة كلها باسم “المرأة تقود أيضاً” تحت شعار “علمني أن أسوق كي أحمي نفسي”. عبّر أكثر من 12 ألف مناصر في أنحاء المملكة عن دعمهم للحملة وانضم عدد إضافي إليهم لاحقاً. شملت الحملة تظاهرات لنساء قررن القيادة في مختلف شوارع المملكة العربية السعودية، بما في ذلك منال الشريف التي اعتُقلت إلى أن دعا الملك شخصياً إلى الإفراج عنها. حصلت محاولة ثانية مع نجلاء الحريري من جدة، وهي شددت على ضرورة حصول هذا النوع من التحركات حفاظاً على سلامة وأمن النساء. تشمل أهم الحجج المستعملة في هذا المجال الخسارة المالية التي تتكبدها المملكة على شكل رواتب لـ760 ألف سائق أجنبي (أي ما يساوي مليارات الريالات السعودية سنوياً) وعدم قدرة بعض النساء الفقيرات على تحمّل كلفة توظيف سائق.

يُقال إن معظم من يؤيدون حق المرأة بالقيادة هم من الليبراليين أو المفكرين، وهم يشملون مناصرين رجال مثل عبدالله العلمي الذي أطلق شخصياً حملات متعددة ودعم الحملات الأخرى كلها. تعرض العلمي للهجوم من بعض المتطرفين في المملكة، لكن لا يندرج جميع معارضي قيادة المرأة في خانة الإسلاميين: لا يعارض البعض هذا القرار لأنهم على درجة عالية من التديّن بل لأنهم يفضلون أن تبقى المرأة في مكانتها المعتادة. في الواقع، تشكل التقاليد والضوابط الاجتماعية عوائق أكبر من الدين. بعض الأشخاص من أمثال سلمان العودة وعائض القرني هم من الواعظين الإسلاميين البارزين ولكنهم يدعمون حقوق المرأة، بما في ذلك حق القيادة. على صعيد آخر، تعارض بعض النساء ذلك الحق اقتناعاً منهن بأنه سيؤدي إلى حرية غير مرغوب فيها من شأنها أن تفسد أخلاق ذلك البلد المحافظ والآمن.

تحتاج المرأة في المملكة العربية السعودية إلى محرم في جوانب عدة من حياتها. لا تستطيع المرأة السعودية أن تصبح مواطنة كاملة حتى لو بلغت السن القانوني، لأنها ستحتاج دوماً إلى إذن من محرمها (يمكن أن يكون والدها أو شقيقها أو حتى ابنها) للحصول على بطاقة الهوية الوطنية أو جواز سفر كي تتمكن من السفر إلى الخارج. الأهم من ذلك وهو أنها ستحتاج إلى موافقته كي تتمكن من العمل وتأسيس شركتها، حتى لو أرادت استعمال أموالها الخاصة.

انتعشت الآمال مجدداً مع وصول الملك الراهن، عبدالله بن عبد العزيز، الذي أظهر اهتماماً كبيراً بتشجيع التطور التعليمي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي على أن يشمل النساء السعوديات أيضاً. فقدمنح المرأة الحق بالتصويت، رغم عدم حصول أي انتخابات مهمة حتى الآن، كما أنه عيّن 30 امرأة في مجلس الشورى (خمس المجموع). الملك هو من يعيّن مجلس الشورى الذي يقدم التوصيات للنظام الملكي حول السياسات لكنه لا يستطيع سن القوانين. لكن لا تزال المسألة الأساسية تتعلق طبعاً بمعرفة ما إذا كانت المرأة ستتمكن يوماً من قيادة سيارتها الخاصة لحضور تلك الاجتماعات.

في الفترة الأخيرة، جالت عريضة من إعداد بعض النساء السعوديات بين قنوات وسائل التواصل الاجتماعي وقد تم إرسالها إلى عناوين إلكترونية مستهدَفة بهدف جمع أكبر عدد ممكن من التواقيع. يدعو أحد مطالب العريضة إلى إنهاء الحظر على قيادة النساء. بما أن الحركة الجديدة ضد منع القيادة بدأت في عام 2011، تعرضت نساء كثيرات للاعتقال والاحتجاز والتحذير الشفهي والخطي لوقف أي تحركات مماثلة لبقية أيام حياتهن.

طالبت بعض عضوات مجلس الشورى في تشرين الأول/أكتوبر 2013 بمنح المرأة الحق بالقيادة، لكن المجلس ,الذي يطغى عليه الذكور, اعاق ذلك الاقتراح. وقد ترأست أستاذة القانون حنان الأحمدي ود. ثريا العريض، موظفة سابقة في شركة “أرامكو”، الحملة في المجلس.

بمناسبة زيارة الرئيس أوباما إلى المملكة العربية السعودية في 28 و29 آذار/مارس 2014، خططت النساء لتنظيم تظاهرة جديدة على أن تقود خلالها النساء في الشوارع، لكن تجاوب عدد ضئيل من النساء مع الدعوة هذه المرة. ولم يطرح أوباما نفسه موضوع حقوق المرأة خلال محادثاته مع القادة السعوديين.

صحيح أن بعض النساء السعوديات يزعمن أن قيادة المرأة ليست أهم موضوع يستحق التركيز في هذه الأيام، وذلك نظراً إلى تعدد الانتهاكات الأخرى ضد المرأة السعودية، لكن يعتبر البعض الآخر أن هذا الموضوع يمكن استعماله كورقة ضغط للحصول على حقوق المساواة. وحده الوقت سيكون كفيلاً بتحديد النتائج!

 

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.