فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المملكة العربية السعودية / المجتمع ووسائل الإعلام والثقافة / المجتمع السعودي / الملهى الليلي: معضلة الترفيه عن الشباب في السعودية

الملهى الليلي: معضلة الترفيه عن الشباب في السعودية

Saudi arabia- halal nightclub
سعوديات يحضرن حفلة موسيقية في مدينة جدة في 30 مارس 2018. Photo AFP ©AFP ⁃ Amer HILABI

كان الشباب في المملكة العربية السعودية على أهبة الاستعداد للإعلان الذي طال انتظاره والذي تم بشق الأنفس، عن افتتاح أول ملهى ليلي حلال في المملكة في 13 يونيو 2019، ليتم إغلاقه ببساطة وإعادة إفتتاحه بعد بضعة أيام. حصل ذلك نتيجة رد فعلٍ عنيف من قبل السلطات الدينية التي ترفض وجود أماكن ترفيهية يرقص فيها الرجال والنساء في نفس المكان والزمان.

بحسب الرواية الرسمية، يرجع إغلاق أول ملهى ليلي في المملكة، والذي يُشار إليه بالمشروع إكس، إلى حقيقة عدم حصوله على الترخيص اللازم للعمل، وذلك بحسب الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية. الهيئة، التي تأسست في مايو 2016 بموجب مرسومٍ ملكي من قبل الملك سلمان من أجل تحويل 25% من الـ22 مليار دولار سنوياً التي ينفقها السعوديون في السياحة والترفيه في الخارج إلى نفقاتٍ على السياحة الداخلية والترفيه في المملكة، تحدد رؤية وتطور صناعة الترفيه في المملكة العربية السعودية. وفي بيانٍ لها، قالت الهيئة: “بحسب المعلومات التي تبينت للهيئة في متابعتها للموضوع، فإن الفعالية المقامة (بروجكت إكس)، مخالفة للاجراءات والأنظمة المعمول بها، ولم يتم ترخيصها من قبل الهيئة.” فقد قامت الهيئة العامة للترفيه “بالأصل بإصدار ترخيص لإقامة فعالية أخرى،” بحسب ما ذكر البيان. وأضاف البيان “استغل المتعهد موافقة الهيئة لتمديد إقامتها [الفعالية] لارتكاب هذه المخالفة الجسيمة وغير المقبولة.”

يخضع الموقع، المملوك للعلامة التجارية وايت (WHITE)، التي تمتلك أيضاً ملهى ليلي شهير في دبي، للتحقيق حالياً بعد أن أثارت مقاطع الفيديو التي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً وطرحت أسئلةً حول طبيعة الحدث والمكان. ووصف العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام الإقليمية، الحدث بأنه افتتاح ملهى ليلي شهير؛ على الرغم من الإصرار على أنه لن يقدم الكحول. كما أشعلت مقاطع فيديو لرجال ونساء يرقصون في نفس المكان الغضب في المملكة. ومن الجدير بالذكر أن بروجكت إكس هو جزءٌ من مهرجان جدة السنوي، ذلك أن الفعاليات التي تُقام على الواجهة البحرية تٌسمى إكس جد أو إكس جدة. وعلى الرغم من أن هيئة الترفيه ذكرت تداول مقاطع الفيديو على شبكة الإنترنت، إلا أنه لم يتم ذكر العلامة التجارية وايت قط. ووفقاً لمصادرنا، تمت إقامة فعالية أخرى استضافت منسقي أغاني عالميين (دي جاي) قبل افتتاح بروجكت إكس، حيث التقطت الحضور صوراً ومقاطع فيديو بالرغم من عدم حصول المنظمين على تراخيص، إلا أن لا شيء من ذلك مؤكد حتى الآن.

وعليه، صرح توني هابري، الرئيس التنفيذي للملهى، لموقع أرابيان بيزنس الإخباري بأن الملهى سيكون “مقهى وصالة راقية،” مضيفاً أن “السوق السعودي سيكون رائعاً، لأن المجتمع المحلي يخرج كثيراً. لديك أناس في البلد يخرجون كثيراً.” بالفعل، تمتلك العلامة التجارية وايت نوادٍ ليلية في بيروت ودبي، فقد كان هناك ما يقدر بأكثر من ألفين من الحضور الأوائل الذين يتوقون لافتتاح الملهى في جدة بفارغ الصبر.

بينما انتابت الحيرة بعض الأشخاص الآخرين حول فكرة الملهى الليلي الحلال، متسائلين كيف له أن يحترم جميع ما ينطوي عليه المصطلح. ففي عالم السياحة، على سبيل المثال، يُشير مصطلح “حلال” إلى فئة فرعية في السياحة تتوافق مع قوانين وتقاليد الإسلام، بما في ذلك المطاعم التي لا تقدم لحم الخنزير أو المشروبات الكحولية والفنادق التي يوجد بها منتجعات وبرك سباحة منفصلة للرجال والنساء. ومع ذلك، من الواضح أن منطقة الرقص المختلطة للرجال والنساء لا تحترم هذه المعايير.

يأتي هذا الجدل بعد الانفتاح الواضح للمملكة نحو الترفيه المباشر. ففي 6 مايو، وافق مجلس الشورى السعودي على توفير منتجات الشيشة في المطاعم والمقاهي في المدن السعودية، “وفقاً للوائح محددة،” حسب ما ذكرت صحيفة عاجل السعودية. وفي يناير، وعد تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، بأن تصدر بلاده تراخيص العروض المباشرة في المقاهي والمطاعم. وقال “نحن نقبل طلبات ترخيص العروض المباشرة في المطاعم والمقاهي.” يهدف هذا إلى السماح للمطاعم والمقاهي بتنظيم حفلاتٍ موسيقية مباشرة وعروضاً أخرى، كجزءٍ من الإصلاحات التي وعد بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (مبس) لخطته الإصلاحية لعام 2030.

وفي يناير 2019، أعلنت المملكة أيضاً عن برنامجٍ ترفيهي ضخم، حيث رحبت البلاد بالعروض العالمية، من مسابقات الحصن اليابانية المعروفة ومسابقات كريستال ميز وصولاً إلى مباريات كرة السلة التابعة للرابطة الوطنية لكرة السلة (إن بي أيه) ومسرحية الأسد الملك الموسيقية. وكجزءٍ من البرنامج الوطني للتحول في المملكة العربية السعودية، تهدف الرياض إلى توفير فرص عملٍ جديدة لمجتمعها الفتيّ في مجالاتٍ عدة. ومن المتوقع أن تنعش هذه الفعاليات الاقتصاد، فضلاً عن توظيف السعوديين في التخطيط للفعاليات والفنون وغيرها من المهن، من خلال استضافة المزيد من المسابقات والمعارض والبازارات وعروض الكوميديا المرتجلة وفعاليات الجذب السياحي. سيكون هناك أيضاً دافع للترفيه المحلي والإقليمي، فقد أعلنت الحكومة أنها ستوفر أماكن أصغر للسماح لحاملي التراخيص باستضافة الفعاليات الخاصة بهم، في خطوةٍ تهدف إلى دعم مشهدٍ فني مستقل محلياً. كانت فعالية بروجكت إكس جزءاً من التراخيص الأولى التي تم منحها.

في فضاءٍ عام أكثر من الترفيه، تهدف المملكة العربية السعودية اليوم إلى مراقبة سلوك مواطنيها بقانون جديد للآداب العامة وافق عليه مجلس الوزراء في أبريل، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح متى سيتم تنفيذه. يسعى القانون إلى دعم “القيم والمبادىء” السعودية، وحظر الملابس العامة التي تُعتبر “مسيئة للذوق العام،” مثل الرجال الذين يرتدون السراويل القصيرة، والكتابات على الجدران التي يمكن تفسيرها على أنها “مؤذية،” وفقاً لوسائل الإعلام المحلية. هذا ويقال إن المخالفين سيواجهون خطر دفع غرامةٍ مالية تصل إلى 5000 ريال سعودي (1,333 دولار أمريكي). فالحكومة السعودية تقوم بعملية موازنة بين من يرون فيهم رجال دين معتدلين، والذي تم ببساطة اعتقالهم، ومراعاة المقاومة التي تأتي من التيار المحافظ. وفي هذا الصدد، كتب الكاتب نادر حبيبي في مجلة International Policy Digest في 23 يونيو: ” تمثل المشاعر الدينية والمحافظة تحدياً كبيراً للإصلاحات الثقافية وثقافة الترفيه في رؤية 2030. بشكلٍ عام، نجح الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إقناع السلطات الدينية الرسمية في المملكة بالامتناع عن إدانة البرامج الاجتماعية لرؤية 2030. وفي حالات أخرى، اعتقلوا الإسلاميين المحافظين الذين عبروا عن معارضتهم للقمع السياسي أو الإصلاحات الاجتماعية الليبرالية. ومع ذلك، أظهروا في الوقت نفسه حساسية تجاه المشاعر العامة حول السياسات الحكومية التي يتم التعبير عنها على وسائل التواصل الاجتماعي.”

تواجه الطموحات السعودية حقيقةً معروفة: صلابة المجتمع والسلطات التي نشأت وتوجد فقط من أجل الحفاظ على الدين ضد “الخطيئة” أو “إغراء الخطيئة.” ومرةً أخرى، تصطدم طموحات محمد بن سلمان والإنفتاح الواضح للمجتمع السعودي بالواقع: داخل بلدٍ محافظ، الترفيه الأساسي على بعد خطوةٍ واحدة من كونه هدّاماً. لربما ستفتح أبواب الملهى الليلي لإقامة بعض الفعاليات الأخرى، إلا أن لا أحد يعلم إلى متى سيصمد في وجه المعارضة.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ Amer HILABI

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.