تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

المسيحيون الفلسطينيون: نضال ضد سياسات الاستيلاء

المسيحيون الفلسطينيون
يتجمع المسيحيون للصلاة عند الجدار الفاصل الإسرائيلي المثير للجدل والمزين على شكل أيقونة للسيدة العذراء مريم في ضواحي مدينة بيت لحم. موسى الشاعر / وكالة الصحافة الفرنسية

نور عودة

خططت إسرائيل لتوسعة متنزه وطني على أراض مملوكة لكنائس في القدس الشرقية المحتلة تتضمن عدة أماكن مسيحية مقدسة، لكنها تراجعت بعدما غضبت كنائس القدس كلها، لكن القصة لم تنته هنا.

ترى إسرائيل أن المتنزهات الوطنية تعبّر عن السياسة “الخضراء” التي تتبعها الحكومة، خلاف الفلسطينيين من المسيحيين والمسلمين الذين يرونها استمرارًا لسياسة الاستيلاء الإسرائيلية على أراضيهم في فلسطين المحتلة وداخل حدود إسرائيل المعترف بها. ويرى المسيحيون الفلسطينيون أن سياسة إسرائيل تلك لها تداعيات خطيرة. إذ أعربوا مرارًا وتكرارًا عن مخاوفهم من السياسات الإسرائيلية الممنهجة التي تهدف إلى القضاء على الوجود المسيحي في فلسطين والاستيلاء على الأراضي، وهي سياسات مستمرة منذ النكبة بحسب رأيهم.

وقد كان للتطهير العرقي الممنهج، الذي ارتكبته العصابات الصهيونية في حق الفلسطينيين في زمن النكبة بين عامي 1947 و1949، أثرًا مفجعًا على الوجود المسيحي في فلسطين بوجه خاص. فقد أفضى هذا الأخير إلى تشريد نحو 35% منهم، فأصبحوا بين لاجئين ونازحين داخليًا، وقد أدّى هذا الاستهداف للمسيحيين الفلسطينيين إلى تغيير النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وفقد البلد العديد من الجهات الفاعلة على المستوى الاجتماعي والتعليمي والسياسي والتجاري والتي كان لها حضور متجذر ومؤثر في مجتمع ما قبل النكبة.

ولم تنته هذه المعاناة مع تأسيس إسرائيل عام 1948، بل استمرت نكبة الفلسطينيين المسيحيين.إذ أدى التهجير سواء كان مباشرًا أو خفيًا إلى تقليص أعدادهم إلى نحو %1 أو 2% من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس.

وتصف منظمةعير عميم” الإسرائيلية المتنزهات الوطنية في القدس الشرقية المحتلة بأنها “وسائل تدعم مشروع الاستيطان ذي الأهمية السياسية والاستراتيجية”. وبحسب المنظمة، تعمل إسرائيل على توسعة المتنزهات الوطنية في القدس الشرقية المحتلة وذلك  من أجل “الربط بين المستوطنات التي أُقيمت في وسط الأحياء الفلسطينية، وتحجيم استغلال الفلسطينيين للأراضي، وتوطيد سلطة المنظمات القومية على الأراضي، وهي المنظمات التي منحتها الحكومة الحق في هذه المتنزهات”.

وقد امتدت سياسة الاستيلاء على الأراضي من خلال تدشين المتنزهات لتشمل الضفة الغربية، حيث تصادر إسرائيل آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية لإنشاء أو توسعة “المتنزهات” التي تخدم المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. وقد طالت هذه السياسة نحو 800 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 14% من أراضي الضفة الغربية.

وفي القدس تجد سياسة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية المسيحية في أشد صورها. إذ تضاءل عدد المسيحيين الفلسطينيين للغاية مقارنة بما كان عليه في عام 1948. ووفقًا لما ذكره المطران ثيودوسيوس عطا الله-المتحدث باسم كنيسة الروم الأرثوذكس- فقد كانت الممتلكات المسيحية هدفًا لإسرائيل منذ النكبة، وعمل الاحتلال على “تهميش النفوذ الفلسطيني وإضعاف المسيحيين في البلدة القديمة”. واستخدمت إسرائيل عدة تكتيكات لتحقيق هدفها مثل الاستيلاء على الأراضي، والتضييق الاقتصادي، ونهب الممتلكات المسيحية ومنحها لمنظمات الاستيطان الإسرائيلية.

تعتبر حالة فندق “نيو إمبريال” وفندق “البتراء” الشهيرة عند مدخل مدينة يافا في الأحياء المسيحية بالقدس تجسيدًا واضحًا لسياسة الاستيلاء على الأراضي داخل المدينة. إذ تُصر كنيسة الروم الأرثوذكس، صاحبة النصيب الأكبر من الأراضي في القدس، على أن نقل ملكية الفندقين لصالح جمعية “عطيرت كوهانيم” مخالف للقانون وانتهاك لحقّها. و”عطيرت كوهانيم” جمعية استيطانية يمينية تكرّس جهودها من أجل “فداء القدس ماديًا وروحيًا“. ومع ذلك، أقرّت المحاكم الإسرائيلية صفقة نقل الملكية المشبوهة.

ولم تكتف إسرائيل بالاستيلاء على الأراضي فحسب، بل حاولت إضعاف كنائس القدس على الصعيد المادي خصوصًا في السنوات الأخيرة. ففي عام 2018، أثارت بلدية القدس موجة غضب عارمة بعد أن زعمت أن الكنائس مدينة بضرائب متأخرة قيمتها 186 مليون دولار وصادرت ملايين الدولارات من الكنائس الأنجليكانية والأرمنية والكاثوليكية والأرثوذكسية. وأصدرت الكنائس بيان إدانة شديد اللهجة، واتهمت إسرائيل باستهداف الكنائس والمسيحيين استهدافًا ممنهجًا لإضعاف الوجود المسيحي في القدس. وقد أوقف بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، الإجراءات وعلّق مناقشة مشروع قانون يسمح بمصادرة ممتلكات الكنيسة لسداد الضرائب المستحقة.

وفي بيت لحم، تقلصت الأراضي الفلسطينية إلى أقل من 13% من مساحتها الأصلية بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي والاستيلاء على الأراضي، وهو ما أدى بدوره إلى تدمير الاقتصاد المحلي وخلق بيئة تلفظ المسيحيين الفلسطينيين من المدينة. وقد أمست عائلات وكنائس المدينة في حاجة دائمة إلى الدفاع عن الممتلكات ضد محاولات الاستيلاء المستمرة من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي لخدمة أعمال التوسع في الجدار العازل والمستوطنات غير القانونية التي ما تزال تتوسع لتخنق المنطقة.

ويُعدّ وادي كريمزان مثالًا واضحًا على تلك الممارسات، فقد خاضت 57 عائلة فلسطينية مسيحية والبطريركية الكاثوليكية وراهبات السالزيان معارك قانونية استمرت لسنوات طويلة من أجل حماية الوادي من تهديد جدار الفصل العنصري ومصادرة الاحتلال.

وطالت الممارسات الإسرائيلية ممتلكات كنيسة أخرى في المنطقة، حيث صادر الاحتلال مجمع كنيسة بيت البركة المملوكة للكنيسة المشيخية الأمريكية. وقد جرت المصادرة من خلال عقد بيع مشبوه إلى شركة صورية في السويد ثم نُقلت الملكية إلى منظمة استيطانية، علمًا بأن سلطات الاحتلال لم تستشر فرع الكنيسة في فلسطين.

أدى تدشين المتنزهات الوطنية داخل إسرائيل إلى محو آثار القرى الفلسطينية التي هجرها السكان في زمن النكبة بعد اجتياح العصابات الصهيونية. وعلى أرض الواقع، صار نحو نصف هذه القرى الآن ضمن حدود المتنزهات الوطنية و”المحميات الطبيعية” وملكية للصندوق القومي اليهودي (JNF) المعنيّ برعاية الغابات والمتنزهات. وتشمل هذه المناطق غابة جبل الكرمل التي تضم بقايا عين غزال وجبع والسوامير، وغابة بيريا التي تضم عموقة وعين الزيتون وفرعم ومغر الخيط وقباعة.

ويواصل العديد من المسيحيين الفلسطينيين الإسرائيليين النضال من أجل استعادة حقهم في تلك القرى التي هُجّروا منها قسرًا، لكن دون جدوى تُذكر. وتُعدّ حالة إقرث وكفر برعم في الجليل من الأمثلة الصارخة على استمرار سياسة الهندسة الاجتماعية ونزع ملكيات الفلسطينيين. فقد أمرت القوات الإسرائيلية سكان القريتين بمغادرة منازلهم في عام 1948 على أن يعودوا بعد أسبوعين. وغنيّ عن البيان أن الاحتلال قد تجاهل حق هؤلاء السكان الذين أصبحوا الآن مواطنين إسرائيليين.

على مدار خمسة عقود، ظلّ أهل تلك القرى يحاولون استعادة حقهم، فجددوا كنيسة إقرث لدفن موتاهم في مقابر القرية. كما أنهم يقيمون معسكرًا صيفيًا لمدة أسبوع في كل عام لحفظ تراث القرية وقصص أجدادهم.

لكن أروقة المحاكم الإسرائيلية لم تُنصف أصحاب الحق، بل رفضت محكمة إسرائيلية إحدى القضايا التي رفعها أهل قرية إقرث بذريعة أنها “قضية سياسية”.