تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

كاريكاتير فرزات: استهداف الائتلاف تجاوز خطوط النسوية الحمر

كاريكاتير فرزات
صورة تم التقاطها يوم ١٣ مايو ٢٠١٣ لرسّام الكاريكاتير السوري علي فرزات في الجلسة الافتتاحية لمنتدى أوسلو للحريات الذي تم تنظيمه حينها في العاصمة النرويجية. المصدر: NTB SCANPIX / AFP.

حسين الزعبي

لم يعد “الكاريكاتير” مجرد رسم ساخر يُظهر مبالغة في تصوير شخصية أو شكل معين لغرض يريده صاحبه، بل أصبح فنا صامتا ناطقا، مضحكاً هزلياً في بعض الأحيان ومبكياً جدّياً في أحيانٍ أخرى. ولعل أحد أهم أنواعه، “الكاريكاتير السياسي” الذي أضحى الأكثر تميزا بين الفنون الصحفية، لجرأته في الطرح ولأهمية الموضوعات التي يتناولها والتي غالباً ما تكون بعيدة عن السخرية السطحية أو الاستهزاء لمجرد الاستهزاء، بل لغاية “النقد”. لكنّ انحراف المغزى عن الهدف أحيانا يطغى على المشهد والقراءة، ما قد يشكل ردة فعل لدى الجمهور وبالتالي تقليص مساحة الحرية الممنوحة للفنان.

قبل أسابيع، أثار رسمٌ كاريكاتيري أعاد نشره الفنان السوري علي فرزات عبر حسابه الشخصي في فيسبوك موجة غضب عارمة بين أوساط السوريين. فرزات أظهر لقطة خلفية لجسد امرأة عارية، مع “إشارة مبطنة” لقيادية في “الائتلاف الوطني السوري” المعارض، بقوله: “الائتلاف ما في شي بيرفع راسكم غير مؤخرة ربى”، كنوع من الهجاء السياسي.

وبالرغم من أن فرزات لم يذكر اسم المرأة التي تضمنها منشوره بتفصيل أكثر، إلا أن سياق التعليقات التي تفاعل من خلالها مع متابعيه أظهرت أنه يقصد ربا حبوش، التي تشغل منصب نائب رئيس الائتلاف. هذا الأمر قَسَمَ مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بين من اعتبر أنه انحدار أخلاقي وتنميط لصورة المرأة في العمل السياسي ومن اعتبر أنه لا تابوهات في الفن.

كاريكاتير فرزات فجر حالة غضب وجدل عارمة بين سوريين أطلقوا حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “متضامن مع ربا حبوش”. واستنكر هؤلاء طريقة الانتقاد السياسي التي اتبعها الرسام العالمي من خلال “جسد المرأة”. واعتبر ناشطون وحقوقيون الرسم “تحقيري” ويوجه “إهانة مباشرة” للمرأة ويتجاوز الحدود الأخلاقية، بعكس الغايات التي يريد الفن إيصالها.

عنف ضد المرأة

منظمة اللوبي النسوي السوري، المهتمة بحقوق المرأة، وصفت ما أقدم عليه الفنان فرزات بـ “العنف القائم على النوع الاجتماعي“. ونددت المنظمة بما اعتبرته “إساءة إلى النساء العاملات في الشأن العام، وإلى النساء عموما، سواء لفظيا أو من خلال الفن عبر استخدام أجسادهن للإساءة والإهانة”.

وقالت المنظمة في بيانها: “أصبحت الإساءة إلى النساء تيمة يستخدمها بعض الأشخاص في الفضاء العام، وآخرهم فنان كاريكاتير سوري، باتت تلك الإساءات سمة في الكثير من أعماله، عبر استخدامه جسد المرأة كأداة للتحقير من خلال كلامه ورسومه”.

أما الباحثة والأكاديمية السورية ريم تركماني، فقد اعتبرت أن ما قام به فرزات ليس مجرد هجوم شخصي، إنما شكل من أشكال العنف ضد المرأة وتحقير لدورها ويستهدف أيضا كل سيدة تشتغل في الشأن العام. وطالب تركماني بمواقف علنية وصريحة ضد ما وصفته بـ “التوغل في الانحطاط الذي لا تدفع النساء ثمنه فقط وإنما أيضاً المجتمع الذي يُحرم من دورهن العام في تقدمه”.

وسيلة تخويف وتحجيم

لم يتوقف الناشط السوري حسين غرير، عند وصف استخدام جسد المرأة لتوجيه أي انتقاد أو سخرية أو للتعبير عن سوء مؤسسة معارضة مثل “الائتلاف”، بـ “إهانة لجميع النساء” كما جاء في بيان منظمة “اللوبي النسوي”، بل ذهب أبعد من ذلك. واعتبر غرير أن “الهدف هو تخويف النساء الأخريات من العمل في أي مكان”. فبالنسبة للنساء وفق ما كتب على حسابه في “فيسبوك”، فإن مجرد وجودهن في العمل يستبيح أجسادهن لتستخدم كوسيلة للنقد وخوض المعارك، وهذا ما يسعى إليه البعض حسب غرير، وهو إخراج المرأة من الحيز العام وتحجيم مشاركتها، أو وضع الحدود لها على أقل تقدير.

أما الباحثة السورية دينا رمضان، فترى أن “استهداف السيدات العاملات في الشأن العام بأنوثتهن أو أجسادهن أو حتى علاقاتهن تحت ستار النقد أو الفكاهة مرفوض قلبا وقالبا”، ويؤدي إلى “انكفاء العديد من السيدات عن المساهمة، رغم أنهن كن منذ البداية يدا بيد مع شقائقهم الرجال”.

وكانت سوريا قد احتلت في أكتوبر 2021 المركز قبل الأخير على “مؤشر السلام والأمن للمرأة” الصادر عن معهد “جورجتاون للمرأة والسلام والأمن” ومركز “بريو للجندر والسلام والأمن” في الأمم المتحدة.

المؤشر حلّل وضع المرأة في ثلاثة أبعاد هي:

  • الإدماج “التعليم، الإدماج المالي، التوظيف، استخدام الهاتف المحمول، التمثيل البرلماني”.
  • العدالة “عدم وجود تمييز قانوني، الانحياز، القواعد التمييزية”.
  • الأمن “عنف الشريك، سلامة المجتمع، العنف المنظم”.

وبحسب المؤشر، فإن سوريا هي الأسوأ عالميا فيما يتعلق بالعنف المنظم، والأسوأ إقليميا فيما يتعلق بسلامة المجتمع.

انحراف المغزى

كاريكاتير فرزات
صورة تم التقاطها يوم ٢٥ أغسطس ٢٠١١ لرسام الكاريكاتير السوري علي فرزات وهو ملقى على سريره بمكان إقامته في دمشق، وذلك بعد تعرضه للاختطاف والضرب من قبل الميليشيات الموالية للنظام السوري في ساحة الأمويين بالعاصمة السورية أثناء عودته فجراً إلى منزله بالسيارة. ويعد فرزات أحد أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي، حيث قام بنشر رسوم كاريكاتير تنتقد الحملة الوحشية الرامية لقمع المتظاهرين. المصدر: AFP PHOTO/STR.

رغم إقراره بوجود “نوع من التنمر وحتى الإساءة من قبل فرزات تجاه اسم مذكور تم استخدمه بطريقة مستفزة” لنقد الأداء السياسي للائتلاف، يرى الكاتب الصحفي بير رستم أن المؤخرة الضخمة والاسم حجب الرؤية عمّن هو المستهدف من المنشور، وهو الائتلاف الذي غاب تماماً عن الرؤية والمشهد بالرغم إنه هو الجهة الموجه إليها النقد بصفةٍ أساسية.

ويقول رستم في مقال له، “ربما أراد الكثيرون استحضار الشخصي، ألا وهو الدفاع عن صاحبة الاسم مع معرفتهم بأن المستهدف الأساسي ليست هي، بل ذاك الكيان السياسي العفن – الائتلاف الوطني – لكن تشويش الرؤية جاء بهدف تغييب الحقيقة أو لنقل المهدوف والمستهدف من المنشور بحيث كان حجم التنمر والإساءة مضخماً مثل تلك المؤخرة فقط لتزوير الحقائق، ألا وهو الدفاع عن الائتلاف بطريقة مواربة، ناهيكم عن حرق كل المحصول والجهد المعرفي والسياسي لفنان بحجم فرزات بقشة أو زلة فنية قد لا تكون مقصودة بخصوص مسألة النيل من صاحبة الاسم”.

انجرار لمستنقع النظام والائتلاف

على الرغم من أن معظم الآراء التي رُصدت على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبرت أنّ ما قام به “فرزات” خطأ كبير، إلا أن بينها ما حذر الفنان من الانجرار لما تريده حكومة النظام السوري.

الناشطة السياسية سميرة مبيض، نشرت على صفحتها الشخصية، تدوينة قالت فيها: “أحترم أعمال وسيرورة علي فرزات ورسوماته مصدر لا يُستهان به لذاكرتنا السورية الجمعية منذ الصغر. وشخصيا توقفت منذ فترة عن متابعة صفحته لرغبتي بالاحتفاظ بصورة نقية عن أعماله والتي يجتاحها اليوم غضب محق، لكن التعبير عنه يخرج عمّا أراه مسارا سليما. أتمنى أن يلغي الكاريكاتير الجارح إنسانيا بحق إحدى عضوات الائتلاف، لنحتفظ بما نفتخر به ولا نسمح لا للنظام ولا للائتلاف بجرنا لمستنقعاتهم الآسنة بعيدا عن مبادئ دفعتنا لحمل راية الكرامة.. فلا شيء يستحق أن نفقدها”.

بدوره رد فرزات على مبيض قائلا: “ما كتبته على صفحتي أكثر نقاء من المعارضة بكل أشكالها بما فيها أنت. ولعلمك إن ما أتناوله من النقد حول معارضتكم المؤجرة لهو يرفع من قيمتها. وأكبر دليل أن انسحابك من صفحتي لم يدر به سوى أنت وكم من بضعة.. أما حين أكتب إليك، فإنما أزيدك معرفة وقيمة لدى من يقرأ ما كتبته عنك”.

حصانة فنية وحرية مطلقة

يرى الكثير من السوريين أن علي فرزات ليس معارضا عاديا ولا رساما هاويا، بل فناناً ذا شهرة عالمية اقترن رسمه للكاريكاتير منذ سنوات بمعارضة النظام السوري. وانتشر اسم فرزات أكثر عندما كسر ضباط النظام أصابعه التي يرسم بها عام 2011، وهذا ما أكسبه مكانة كبيرة لدى الكثيرين المعجبين بفنه والمتبنين لموقفه السياسي.

من هذا المنطلق، رأى بعض المدافعين عن فرزات أن سوابقه في “الصراحة” وحدّة الهجوم على من يعارضهم تمنحه الحق في التعبير عن هذه المعارضة بأي شكل يريد، خاصة وهو يعتمد فنه في التعبير عن رأيه. ولم ير بعضهم في الرسم إساءة لأي شخص ولا للنساء، باعتبار أنه ينتقد كيانا سياسيا عاملا في الفضاء العام، حتى وإن كان هذا “النقد” معتمدا على استخدام جسد المرأة والإشارة إليه كمكسب ومدعاة لفخر فصيل سياسي تنتمي له.

الناشطة ألما سلامة وجهت رسالة إلى فرزات، قالت فيها إنه “لا يمكن لفنّان خصوصا رسام الكاريكاتير أن يحيا دون إثارة الجدل ودون المشاغبة، وحقه محفوظ في إطار حريّة التعبير الفنّي مهما كسر من مقدسات. وإن أحد أهم أداور فنّ الكاريكاتير هو فتح الحوار الصعب من خلال آلية المبالغة، والعري والسخرية هما من أشكال التعبير عن تلك المبالغة، حيث يذهب إلى ما وراء الفكرة أي إلى ما يسمى الدرجة الثانية من المعنى، ويخلق لعبة حيرة بين المعنى وما خلفه فتثير تلك الحيرة السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه. وهو بذلك يساهم في تجسيد الأولويات ونقل الساحة إلى تشكيل رأي جماعي ويسّرع عملية التغيير الاجتماعي والسياسي”.