تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

الحجاب: رمزٌ دينيٌّ وأداة للتمييز

الحجاب
لبنانية تلعب في الماء على شاطئ في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان. بنيامين كريميل / وكالة الصحافة الفرنسية

دانا حوراني

آية*، هي طالبة وناشطة تبلغ من العمر 20 عامًا من إحدى دول الخليج العربي. تشعر آية بالقلق من أنه إذا علمت السلطات أنها تتحدث عن القمع والاضطهاد في بلدها، فقد تكون هناك عواقب وخيمة.

وقالت آية، التي تمّ تغيير اسمها، لفَنَك: “تعتقد حكومات الخليج أن المرأة تتمتّع بالفعل بحقوقها الكاملة ولا تحتاج إلى أي حماية أو دعم. ومن سخرية القدر أنّه ليس لدينا رأي عندما يتعلّق الأمر بارتداء الحجاب”.

وعلى الرغم من حقيقة أن الإسلامَ يُمارَسُ على نطاقٍ واسعٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلّا أنّ الجماعات والثقافات تتّخِذُ مناهِجَ مختلفة. فالبعض جعل الحجاب شرطًا قانونيًا، في حين أن البعض الآخر جعله قاعدة اجتماعية، وغيرهم لا يوافق على النساء اللاتي يرتدينه.

وبالنسبة لبعض النساء المسلمات، فإن ارتداء الحجاب هو وسيلة لإثبات إيمانهنّ وإخلاصهنّ لله. فالنصوصُ القرآنية تأمُرُ كل من النساء والرجال بالتواضع في سلوكهم وملابسهم، لكنّها لا تذكر الحجاب بشكل واضح.

وتكمُنُ الفلسفة الأصلية وراء الحجاب في فصل أو حجب حواس المرء “عن كل ما قد يقلّل من طهارته“.

والحجاب والتستّر لا يُنسَبان إلى الديانة الإسلامية بشكل بحت. فعلى الرغم من أنّ ذلك ليس شائعًا، إلا أن المسيحية واليهودية لا تزالان تضعان قيمة عالية على أغطية الرأس في المجتمع الحديث.

وعلى الرغم من أن الحجاب وسيلة للتواضع، إلا أنّه يمكن اعتباره أداة لإثارة الظلم وعدم المساواة عند فرضه، خاصةً على نساء المنطقة اللاتي يخضعْنَ بالفعل لِكِلَيْهما.

أمرٌ إلزاميٌّ بموجب القانون والثقافة

في السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية، طبّقت إيران مرسوم تطالب فيه جميع النساء المسلمات بتغطية رؤوسهنّ في الأماكن العامة. ولا يزال القانون ساري المفعول على الرغم من الاحتجاجات والغضب العام. وقد حوكم الأفراد الذين قاوموا هذا القانون أو تمرّدوا.

وشهدت السنوات القليلة الماضية موجة من النساء اللاتي خَلَعْنَ الحجاب في العاصمة طهران وعرّضْنَ أنفسهُنَّ لخطر الإقصاء الأُسري والسجن.

أما بالنسبة للعراق، في حين أن قانون الحجاب قد تلقى انتقادات أقلّ مما هو عليه في إيران، إلّا أنه يتم فرضه بالصرامة نفسها، وربما أكثر من ذلك في مدينتيّ النجف وكربلاء المقدّسَتَيْن لدى الطائفة الشيعية.

وفي المملكة العربية السعودية، يُشتَرَط قانونًا أن تكون المرأة مُغطاة بالكامل. لكن ولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد، الأمير محمد بن سلمان، أعلن في عام 2018 أن العباءة السوداء والحجاب؛ اللباسان التقليديان للنساء في الخليج، ليسا مطلوبَيْن بعد الآن ما دامت المرأة ترتدي ملابس محتشمة في الأماكن العامة.

وقال ولي العهد في أوّلِ ظهورٍ تلفزيونيٍّ له في الولايات المتحدة “القرارُ متروكٌ بالكامل للمرأة لتقرّر بنفسها نوع الملابس اللائقة والمحترمة التي تختار ارتداءها”.

وبحسب آية، فإن هذه “المؤشّرات الضئيلة للتنمية بعيدة كل البعد عن مستوى المعيشة الذي ترغب في الحصول عليه المرأة الخليجية”.

وتدّعي الطالبة، التي تُحافظ على مستوى منخفض في نشاطها من أجل حقوق المرأة وحقوق الإنسان، أن الحجاب، بجميع أشكاله، قد يكون غير مريح للارتداء. كما بإمكانه أن يؤدّي إلى ضغوطٍ عاطفيةٍ شديدةٍ عندما لا تستطيع النساء والفتيات حتى التفكير في إمكانية عدم ارتداءِ الحجاب.

وأوضحت آية أن “المجتمعات لن تعتبركِ “محلية” إذا لستِ مرتديةً العباءة. ستشعرين بأنّك شخص منبوذ وفاسِد الأخلاق يحاول تدمير اسم العائلة. وفي نظرهم تختفي سمات العفة والنقاء من عليكِ”.

وفي دول الخليج، قد يحمي الحجاب المرأة من الإقصاء الاجتماعي ويعزّز قبولها. ومع ذلك، في الدول الأخرى، يمكن أن يكون له تأثير معاكس تمامًا.

اختيار المعارك الخاصة بك

في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، ادّعى متجر بيع مؤقّت في مركزٍ تجاري معروف في بيروت أن إدارة المركز أمرت بطرد عاملة بسبب ارتدائها الحجاب.

وردًا على الغضب العام القوي، كشفت إدارة المركز التجاري في بيانٍ أن سياستها الداخلية “تحظر جميع العروض الدينية العامة والأشياء أو الملحقات الرمزية”.

وصرّحت الناشطة والمصوّرة، فوزية جعفان، لفَنَك أن هذه علامة واضحة على الترهيب من الإسلام. وهذا النوع من السياسات يثير الظلم في مكان العمل.

وقالت جعفان: “عليكِ أن تعملي بجهدٍ مضاعفٍ عندما تكونين مُحجّبةً في بلدٍ متنوّع مثل لبنان، حيث توجد 18 طائفة، لأن الناس ينظرون إليكِ من أجل انتمائك الديني وليس من أجل شخصيتك”.

وتَصِفُ كيف أخبرها مدراء التوظيف في المسرح ووكالات التسويق أنهم كانوا يستثنونها لأنّها مُحجّبَة وأنّها “بدت مختلفة” و “أكثر روعة” من الآخرين.

وتُشير جعفان إلى أن كسر القوالب النمطية الجنسانية للنساء المحجّبات يعني نبذهنّ باستمرار بسبب التدخين والحفلات والمشاركة في المهن غير التقليدية مثل الغناء والتمثيل.

وتؤكّد جعفان أن ارتداء الحجاب هو أمر محرّر. فهو يعزّز دينها ويرمز إلى قيمها. وهذا صحيح على الرغم من الانتقادات التي تواجهها لكونها “متديّنة للغاية” أو “غير متديّنة بما يكفي”.

ومع ذلك، فإن الحجاب يمكن أن “يُسْتَغلّ من قِبل العُنْصُريين في المجتمع للتمييز ضدّ المرأة التي ترتديه”.

الحجاب يُستخدم للتعريف والتصنيف

يمكن أن يتعرّض النساء اللاتي يرتدين الحجاب أو النقاب، بطريقةٍ أكثر تقليدية، لآراءٍ غير مرغوب فيها و / أو سوء معاملة، وفقًا لجميلة خضر من المنظّمة النسوية اللبنانية غير الحكومية Fe-Male. وأضافت خضر أن النساء اللاتي يرتدين الحجاب بطريقةٍ “غير أنيقة” يمكن أن يُنظَر إليهنّ بازدراء.

وأضافت خضر قائلةً: “يتم إعطاء الأولوية للنساء غير المحجّبات من قِبل أصحاب الأعمال الذين يوظّفون النساء كأداةٍ تسويقيةٍ للترويج لأعمالهم. وهذا هو الحال بشكل خاص في عصر وسائل التواصل الاجتماعي حيث باتت الصورة هي كل شيء.”

وصرّحت: “ينظر المسّوقون إلى النساء المحجّبات على أنهنّ أقلّ جاذبية لأن التركيز ينصب على المظهر الخارجي للمرأة. إنه يلبّي النظرة التحديقية للرجال”.

وفي لبنان، عروض عمل النساء المحجّبات محدودة، ويمكنهنّ التعرّض لملاحظاتٍ تمييزية في المؤسّسات العليا. وعلى نحوٍ مماثلٍ في مصر، يُحظَر ارتداء الحجاب على أعضاءِ هيئة التدريس في الجامعة الأمريكية في القاهرة وجامعة القاهرة.

ويلجأ العديد من النساء إلى بدء مشاريعهنّ الخاصة استجابةً لندرة فرص العمل. فعلى سبيل المثال، في الضاحية الجنوبية لبيروت (الضاحية)، وهي منطقة تُهَيْمن عليها الطائفة الشيعية، تتواجد المسلمات المحجّبات بقوّة في القوى العاملة. وقالت ريم رضا، إحدى سكان الضاحية، لفَنَك، أنّهنّ يدِرْنَ صالونات تجميل، ومتاجر ملابس، ومحلات سوبر ماركت، وغيرها الكثير من الأعمال الأخرى.

وقالت رضا: “لدى الكثير منهنّ وظائف مكتبية نموذجية، وبعضهنّ في الصحافة، ووعدد أقلّ يشغل وظائف العلاقات العامة. ولكن في المؤسّسات الإسلامية البحتة، فإن الحجاب يحظى بالأولوية”.

التصوّر الغربي

بحسب خضر “هناك خطّ رفيع بين ما يعتبره سكان الشرق الأوسط “عصريًا” وما يعتبرونه “منحطًا”. فإن النساء المُحجّبات أو غير المحجّبات يتحمّلن الجزء الأكبر من المسؤولية في الحفاظ على شرف أسرهنّ.”

ومن الجانب الآخر، يتم وضع النساء في قلب الحملات المعادية للإسلام في بعض الدوائر الغربية، خاصةً حيث يُنظَر إلى الحجاب على أنه قمعيّ في الأساس. وباتّباع هذه الاستراتيجية، دعا القادة الغربيون مثل السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة لورا بوش والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، إلى تحرير النساء المسلمات من “حصر الإسلام” – تجريد النساء من سلطتهنّ ووضع الإسلام ككيان مُوَحّد.

وفي أوروبا، هناك دولة – بلجيكا (التي لديها معظم القيود) والنمسا وبلغاريا وجمهورية التشيك والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وهولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة – جميعها تحظر ارتداء الملابس الإسلامية من قِبل النساء في الشركات والمؤسّسات التعليمية الخاصة.

أما كرواتيا وقبرص واليونان وبولندا والبرتغال ورومانيا هي الدول الست الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لا تفرض أي قيود.

وفي مدينة غرونوبل الفرنسية، ألغت محكمة حظرًا سابقًا للبوركيني، مما سمح للنساء اللاتي يرتدين ملابس السباحة المحتشمة بالدخول إلى المسابح والشواطئ العامة.

وقال وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين أنّه سيطعن في قرار المحكمة هذا، معلنًا أنه “تحريض غير مقبول”.

حتى لو لم يكن مفروضًا من قِبل أي قانون في هذا الشأن، إلّا أن بعض المنتجعات الشاطئية في لبنان تمنع النساء من ارتداء البوركيني. بل وإنّ البعض طلب من المحجّبات مغادرة المكان بناءً على سياسة “ملابس السباحة فقط“. ووفقًا لجعفان، فإن مثل هذه المواقف تعزّز العنصرية. كما تتذكّر أنّها ذهبت خلال الصيف الماضي إلى الشاطئ مع عائلتها أثناء موجة كوفيد-19، فقط لتتلقّى نظرات غير مرغوب فيها من قِبل امرأة راقبت باستمرار سلوكهم ورجمتهم بقواعد التباعد الاجتماعي، على الرغم من وجود حشود كبيرة أخرى.

وقالت جعفان “كنّا الأسرة الوحيدة التي ترتدي الحجاب لذلك كان ديننا واضحًا. لكن ما صدمني هو وجود أزواج يحتضنون ويقبّلون بعضهم، لكنّها اختارت إثارة العداوة لنا”.

وأضافت جعفان: “تأتي أوقات أرغب فيها بالاستقالة عندما أرى كل هذه الكراهية ضد الحجاب. ثم أتذكّر أنه يجب علينا أن نبقى متمكّنين وأن نقاوم الإحباط إذا أردنا الفوز في الحرب”.