تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

أفلام مجتمع الميم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: محاربة الاضطهاد منذ الخمسينيات

أفلام مجتمع الميم
الممثلة السوفيتية لاريسا غولوبكينا (يمين) والممثلة المصرية نادية لطفي (يسار). Photo by Kaufman Boris / Sputnik / Sputnik via AFP

دانا حوراني

انتظر عشاق فيلم “توي ستوري” في جميع أنحاء العالم العرض الأوّل لأحدث أفلام الرسوم المتحركة “لايت يير” من إنتاج شركة ديزني.

ومع ذلك، أُصيبَ المشجّعون في منطقة الشرق الأوسط بخيبةِ أملٍ كبيرة.

لقد مُنِعَ الفيلم من العرض في قاعات سينما البحرين ومصر وإيران والكويت ولبنان وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية وسوريا والإمارات العربية المتحدة بسبب مشهدٍ يتضمّن قُبلة بين امرأتين من الشخصيات.

وبالمثل، مَنَعَ الأمن العام اللبناني فيلم “مينيونز” الأخير “The Rise of Gru” في دورالسينما، من دون تقديم أي مبرّر رسمي لذلك.

وتكهّنت النظريات المُتداوَلة على الإنترنت بأن الحظر مرتبط إما بشخصية “الراهبة الشريرة” التي تستخدم عصا ننشاكو كسلاح، أو بالعناق الذي تمّ بين رجلين في الخلفية.

وقالت ياسمين الجردي، المنتجة اللبنانية المستقلّة، لفَنَك: “تعتقد الغالبية العُظمى من الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط أن المشاهد التي تتضمّن شخصيات من مجتمع الميم تغرس في ذهنِ الأطفالِ فكرة تغيير جنسهم. ويشكّل هذا سابقة خطيرة لكيفية فهم مجتمع الميم. لهذا السبب أصبحت الآن الأفلام التي تصوّر واقع هذا المجتمع ضرورية أكثر من أي وقتٍ مضى.”

المثلية الجنسية في السينما المصرية

الخوف من “أجندة مثليّي الجنس”، هو معتقدٌ دوليّ معادٍ للمثليين، تنشره الجماعات الدينيّة المحافِظة التي تتّهم مجتمع الميم بـ “وضع استراتيجيات لتجنيد الأطفال” في “أسلوب حياتهم المنحرف” أو “تحويلهم” من المسار غير المتجانس.

ووفقًا لخبراء السينما، فإن ظهور المثليين في أفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد تَرَسَّخ منذ فترةٍ طويلةٍ – وإن كان بشكلٍ سريّ – ولا يزال يلعب دورًا رئيسيًا في احتضان أفراد مجتمع الميم المهَمَّشين.

وقبل فترةٍ طويلةٍ من انتشار مهرجانات أفلام المثليين، كان بإمكان أفراد مجتمع الميم في الشرق الأوسط أن يجدوا العزاء ورواية القصص المتعاطفة في السينما المصرية التاريخية، وفقًا لكاتب وصانع الأفلام المغربي المثلي الجنس، عبد الله طايع.

وقال طايع لفَنَك: “لقد أنقذتني الأفلام المصرية كعربيّ مثليّ الجنس مع القليل من الدعم والتشجيع من بيئتي”.

ويُثني طايع وأكاديميون آخرون على المخرج المصري الشهير يوسف شاهين بسبب “نظرته المعادية للمجتمع الأبوي” والتلميحات غير الدقيقة إلى المثلية الجنسية في مصر في خمسينيات القرن الماضي.

وفي مقالٍ يناقش هذا الموضوع، تدّعي الكاتبة والناقدة جيلان صلاح أن فيلم شاهين يصوّر الرجال والنساء على قدم المساواة، رافضًا النظرة الذكورية الشائعة التي تركّز فقط على الشخصيات النسائية كموضوعٍ للرغبة.

وقال طايع: “حاول شاهين توفير منصّة لمجتمع الميم العربي من أجل رؤيتهم وسماعهم، لكن تم تذكّره في المقام الأوّل على أنّه صانع أفلام مغايرة للجنس ولا تربطه أي علاقات مباشرة بمجتمع الميم”.

في السينما… وُجِدَ السلوان

في عام 2007، كشف طايع عن ميوله الجنسية لمجلةٍ مغربية. وأثار ذلك رد فعل عنيف وضغوطات عائلية كبيرة. وبعد انتقاله إلى باريس واستقراره هناك، ساعده ذلك في إيجاد الراحة حتى وإن كان لفترةٍ مؤقّتة.

ويعزو المؤلّف الفيلم المصري الكلاسيكي إلى تسكين نشأته المؤلمة كشخصٍ وحيدٍ مثليّ الجنس في بيئةٍ صعبة.

وأشار إلى أن النجوم المصريين من العصر الذهبي مثل سعاد حسني ونادية لطفي وفاتن حمامة وهند رستم لعِبْنَ أدوارًا يمكن أن يمتّ شباب مجتمع الميم إليها بِصِلة.

وأضاف صانع الأفلام أن “السينما المصرية تتّسم بطابع مثليّ عميق، ليس بسبب تمثيلها الصارخ للمثلية الجنسية، ولكن بسبب قدرتها على استخلاص حقائق المجتمعات المضطهدة التي تواجهُ تحيّزًا متقاطعًا”.

وأفاد طايع أن الأفلام التي تصوّر الفقر والاعتداء الجسدي والتمييز بين الجنسين وصراعات السلطة والاضطهاد، جميعها أبلغت أفراد مجتمع الميم العرب بأنّه قد تمّت مشاركة آلامهم وفهمها.

وأضاف “الازدواجية الجنسية الشائعة عن الأيقونة والمغنية العربية أم كلثوم، إلى جانب الحساسية غير التقليدية للمغني والممثّل العربي الشهير عبد الحليم حافظ، تحدّت المعايير الجندرية الراسخة وأثبتت صحّة وجود أفراد غير مغايرين عبر التاريخ العربي الحديث”.

التقدّم الحديث

في العقد الأخير، بُذِلَتْ محاولات مباشرة أكثر للترويج لمواضيع مجتمع الميم في السينما العربية.

وفي فيلمها عام 2007، “كراميل”، لمّحت المخرجة اللبنانية نادين لبكي، على سبيل المثال، إلى وجود شخصيةٍ مثلية. شخصية “ريما” تمثّل امرأةً غير نمطية، ليست مهتمّة بالرجال، تؤدّي مشهد غزل صغير مع امرأة أخرى، حيث لا يتم التعبير عن ذلك إلا من خلال لغة جسدهما.

والمثال الأكثر حداثة هو أوّل فيلم عربي أصلي لنتفليكس بعنوان “Perfect Strangers“، والذي يعرض شخصيةً مثليةً واحدة يتم تناول حياتها الجنسية، وإن كان ذلك بطريقةٍ محدودةٍ في القصة.

وأثار الفيلم غضبًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث اتّهم معارضون نتفليكس بالتغاضي عن المثلية الجنسية و”التدهور الأخلاقي“، فضلًا عن “إدخال المفاهيم الغربية في مجتمعٍ محافظٍ بطريقةٍ أخرى”.

وكان معظم الغضب موجّهًا للممثّلة المصرية منى زكي، التي خلعت ملابسها الداخلية في أحد المشاهد على الرغم من عدم تعرّضها للعُرِيّ.

وترى الجردي تلميحات نحو المثلية الجنسية كخطوة حاسمة في وضع الأساس لمخطّطات مجتمع الميم الأكثر تطوّرًا.

وقالت الجردي “لا يمكنك إلقاء هذه القصص على الجماهير السائدة، فقد يرفضونها على الفور. على الأقل وصلنا إلى نقطةٍ يمكننا فيها تقديم شخصياتٍ مثلية. ويمكننا الآن العمل نحو الخطوة التالية”.

ويواجه صانعو الأفلام، الذين يرغبون في توضيح مواضيع مجتمع الميم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحدّيات لا تُعد ولا تُحصى. وتوضّح الجردي أنّه نظرًا لأن المثلية الجنسية إما غير قانونية أو يُعاقب عليها القانون في العديد من البلدان، فإن صانعي الأفلام يواجهون قيودًا مالية واجتماعية وقانونية.

التغلّب على عقبةٍ تلو الأخرى

للحدّ من رقابةِ الدولة، يضطرّ صانعو الأفلام العرب إلى عرض أفلامهم في الخارج. في حين أن الغرب يوفّر غالبية الفرص، فإن مهرجانات الأفلام مثل “سينما الفؤاد” في لبنان و”مهرجان موجودين للأفلام الكويرية” في تونس تتحدّى الوضع الراهن القمعي وتخلق المزيد من المساحات الآمنة لعرض فنّ مجتمع الميم.

وصرّحت الجردي: “بينما يتمتّع لبنان بحريات أوسع من الدول العربية التقليدية الأخرى، إذا اكتشف ضباط الأمن مشاهد مثلية في فيلمٍ ما، فيمكنهم إيقاف الفيلم وتقييد المشاهدة العامة. وهناك عدّة إجراءات يجب اتّخاذها”.

وتلاحظ المنتِجة أن إحدى أصعب العقبات التي يجب التغلّب عليها هي الحصول على تمويلٍ لأفلام مجتمع الميم.

وتُضيف الجردي: “ترى شركات الإنتاج الإقليمية أن قصص مجتمع الميم ضارةً بعلاقاتها العامة، وقد يصرّ المستثمرون الغربيون على وجود شركةِ إنتاجٍ محليةٍ في مجال إنتاج الأفلام الروائية”.

وعلاوةً على ذلك، فإن حملة الحكومة اللبنانية الأخيرة على تجمّعات أفراد مجتمع الميم، بما في ذلك عروض الأفلام، تهدّد هامش الحرية الذي يكتسبه ويقاتل من أجله هذا المجتمع في البلاد.

معركةٌ لا تنتهي

إنّ العوائق التي وُضِعَت أمام مشاريع مجتمع الميم لم تثنِ الجردي عن مهنتها. بل دفعتها إلى داخل المعركة.

وقالت المنتجة: “لا يمكن للأفلام الغربية تصوير مجتمع الميم العربي بالطريقة التي نستطيع فعلها نحن. إنّها وظيفتنا أن نكافح الصور النمطية المثلية والتصوير أحادي البعد لهذا المجتمع. هذه قصصٌ إنسانية يمكن أن تغيّر عقول رهاب المثلية”.

وبالمثل، يعتقد طايع أن إنتاجات مجتمع الميم في جميع أنحاء العالم قد حذفت الروايات التي تُشتدّ الحاجة إليها والتي تتعمّق في تعقيدات حقائق المثلية الجنسية.

وعلاوةً على ذلك، تدّعي الجردي أن صانعي الأفلام المثليين من أصولٍ مصريةٍ ولبنانية يسيطرون على المشهد، في حين أنّ دول الخليج ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي مزّقتها الحرب تتمتّع بحضورٍ أكثرَ خجلًا.

وأضافت المنتجة: “من المهم أن يكون لديك قصص من جميع أنحاء المنطقة حتى يكون صوت الجميع مسموعًا، وأن يكون لكلّ تجربة فرصةً للتعبير عن نفسها”.