تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

العلاقة المنسيّة بين اليابان والفنّ الإسلاميّ

اليابان والفنّ الإسلاميّ
@WikimediaCommons

دانا حوراني

يقع مسجد طوكيو المُنشأ عام 1938، وهو أهمّ المساجد في اليابان، في قلب ولاية يويوغي أوهارا. تقف قبّته الزّرقاء الكبيرة، وواجهته البيضاء المائلة إلى الصّفرة، وتصميمه الدّاخليّ العثمانيّ، دليلًا على التّراث التّتريّ الإسلاميّ. فالشّعب التّتريّ الّذي كان يومًا مهاجرًا هاربًا من الثّورة الرّوسيّة، أصبح أكبر جماعة إثنيّة إسلاميّة في اليابان بدءًا من ثلاثينيّان القرن العشرين.

في هذه الأثناء، قرابة السّنين نفسها، حدث دفق من المهاجرين المسلمين الهنود إلى اليابان، حاملين معهم معتقداتهم وتأثيراتهم الثّقافيّة. وكنتيجة لذلك، شُيِّد مسجد ناغويا عام 1931 ومسجد كوبيه عام 1935.

كذلك، تأسّس المركز الإسلاميّ في اليابان عام 1966، بعد الحرب العالميّة الثّانية. وتدير هذه المؤسّسة الإسلاميّة حاليًّا مدرسة يوآي الإسلاميّة العالميّة، الواقعة في أرجاء مسجد طوكيو، حيث يتعلّم التّلاميذ موادّ الدّراسات الإسلاميّة، واللّغة العربيّة، والكاراتيه، وفنّ الخطّ.

ومع أنّ التّقاليد الإسلاميّة واليابانيّة لا تُعتبَر متداخلة، يكشف التّاريخ عن ارتباط أوثق ممّا قد نتصوّر. فبحسب العلماء والمراقبين الاجتماعيّين اليابانيّين، يمكننا استبيان التّعاليم الإسلاميّة وتأثيراتها في التّقاليد الثّقافيّة الموجودة حاليًّا والعائدة إلى عدّة قرون مضت. إضافة إلى ذلك، تتمتّع منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا بقاعدة واسعة من المعجبين بالفنّ اليابانيّ، بخاصّة المانغا والأنيمي.

تاريخ من التّبادل الحضاريّ

يميل المؤرّخون إلى دراسة اليابان ضمن إطار شرق آسيا، وحدّها بقربها من الصّين وكوريا. لكن يسلّم الخبراء جدلًا بأنّ المؤثّرين على الحضارة اليابانيّة يتخطّون بأشواط حدود البلدان المجاورة لها ليشملوا جذورًا أوراسيويّة

فعندما ازدادت أهمّيّة الإمبراطوريّة المونغوليّة خلال القرون الوسطى، احتكّت اليابان للمرّة الأولى بتطوّر سياسيّ واسع النّطاق خارج حدودها.

أقدم المنغول بقيادة جنكز خان على غزو القارّات عام 1206، ابتداء بالصّين وانتهاء بإيران عام 1220 م والعراق عام 1258 م. أدّى التّوسّع البطّاش للإمبراطوريّة المنغوليّة إلى احتلال اليابان بين عامَي 1274 و1281 م، تاركًا بصمة لا تمحى على الثّقافة اليابانيّة.

أشاع المنغوليّون المهتدون إلى الإسلام فنّ السّرد القصصيّ التّصويريّ في كلّ أنحاء الشّرق الأوسط وآسيا الوسطى في عصر معاهدات السّلام المنغوليّة أو باكس منغوليكا، وهي فترة من الهدوء النّسبيّ في أوراسيا تحت حكم الإمبراطوريّة المنغوليّة بين العصرين الرّابع والخامس عشر.

أمّا المخطوطات المصوّرة، من مثل الإيماكيمونو أو الإيماكي، الّتي ابتدعها أساسًا الرّهبان البوذيّون في القرن الثّاني عشر وجلبوها إلى اليابان، فكانت مشهورة آنذاك. وتناولت النّصوص فيها موضوعات متعدّدة، من ضمنها السّياسة والرّوحانيّات. وإنّ هذه الأعمال هي ما تحوّل في ما بعد إلى ما يُعرَف اليوم بالمانغا.

يتألّف المصطلح نفسه “مانغا” من كلمتين؛ “مان” الّتي تعني الغريب من الشّيء، و”غا” الّتي تعني صورًا أو رسومات.

وعلى الرّغم من احتضان شرق آسيا لهذا النّوع من القصص، بقي منبوذًا في العالم الإسلاميّ بسبب الشّبه الكبير بين الشّخصيّات فيه والإنسان. فابتداع أيّ شيء شبيه بالإنسان، كالرّسومات، مرفوض إجمالًا، حتّى أنّه محظور في بعض التّقاليد الإسلاميّة.

في المقابل، تماهى السّرد القصصيّ المصوّر بشدّة مع التّراث القصصيّ الصّوفيّ. وكنتيجة لذلك، استخدم الدّارسون اليابانيّون الحديثون هذا الشّكل الفنّيّ لتثقيف الشّعب اليابانيّ وتعريفه على مبادئ الدّيانة الصّوفيّة.

أمّا الآن، في يابان العصر الحادي والعشرين، تستمرّ الفنون الإسلاميّة واليابانيّة بالتّأثّر ببعضها البعض، ويتجلّى ذلك في أنواع ومناهج متنوّعة.

التّصوّف والمنغا

إنّ الدّكتور قيّم ناوكي ياماموتو، أستاذ مساعد في كلّيّة الدّراسات العليا للدّراسات التّركيّة، جامعة مرمرة، مسلم مهتدٍ منذ عام 2010 وهو خبير في مجال التّصوّف العثمانيّ والثّقافة اليابانيّة التّقليديّة.

اكتشف ياماموتو التّشابه بين المانغا والتّصوّف للمرّة الأولى، أثناء رحلته إلى إسطنبول. قال الخبير إنّه عانى في بادئ الأمر للحفاظ على هويّته كمسلم في بلده الأمّ، حيث شوّهت وسائل الإعلام صورة المسلمين بشكل كبير.

ولقد صرّح لمجلّة تركيّة “كنت أحيانًا، لكن ليس غالبًا، أواجه أسئلة من مثل: هل أنت إرهابيّ أو عضو في القاعدة؟”

عولج موطن الضّعف في إيمانه المُستجِدّ عندما بدأ بدراساته حول التّصوّف واستطاع تقليص المسافة بين ثقافتين مختلفتين ظاهريًّا.

فمثلًا، عندما اكتشف ياماموتو حبّ الشّعب التّركيّ للمانغا المشهورة، ناروتو، أعاد السّبب إلى مجرّد افتتان بـ”مانغا النّينجا الأجنبيّة”. إنّما اكتشف لاحقًا تأثّر الأتراك الكبير بمفهومَي الـ”سنسي” (المعلّم / المرشد) والـ”شوجيو” (الرّوح العاملة / الرّحلة الرّوحيّة)، وهما موضوعان أساسيّان في ناروتو. إضافة إلى ذلك، مفهومَي التّوبة والإرشاد موضوعان رئيسيّان في الإسلام ويُستخدَمان في ناروتو وكلّ الشّونن مانغا الأخرى.

هذا الأخير، نوع من المانغا يسلّط الضّوء على تطوّر الشّخصيّات؛ إذ يواجه الأبطال مجموعة كبيرة من الشّدائد والتّحدّيات عليهم تخطّيها. والهدف من ذلك، برأي ياماموتو، ترسيخ حسّ أخلاقيّ في نفوس الأجيال الصّاعدة.

وبذلك، نشأ تعلّق عاطفيّ بين الكثيرين من جيل الشّباب في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمانغا بشكل عامّ، والأنيمي (الرّسوم المتحرّكة اليابانيّة) بشكل خاصّ.

تأثير الأنيمي على منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا

تعرّفت مجتمعات الشّرق الأوسط على الأنيمي للمرّة الأولى في أواخر 1970 من خلال سلسلة أنيمي مدبلجة إلى العربيّة على إحدى القنوات التّلفزيونيّة الأرضيّة. وبالانتقال سريعًا إلى أوائل الـ2000 اتّخذت القناة التّلفزيونيّة للأطفال، Spacetoon، ومقرّها في دبي، على عاتقها دور نشر الأنيمي، وبذلك ساعدت على إنشاء جيل كامل من المعجبين بهذا النّوع الفنّيّ.

وبالنّسبة إلى التّلميذ اللّبنانيّ، سالم ضو، البالغ من العمر 22 عامًا، والّذي قضى طفولته في الكويت يشاهد الأنيمي، تتخطّى أهمّيّة هذا الوسيط مجرّد التّرفيه.

قال ضو في حديث لفناك “خلّص الأنيمي حياة العديد منّا، القابعين في الشّرق الأوسط. إذ أضاف إليها معنى، ومنحنا توجيهًا كان مفقودًا في تربيتنا بالإجمال.”

وأكمل شارحًا بأنّ القصص مليئة بالدّروس الحياتيّة الّتي يمكن للإنسان تطبيقها في مواقف من الحياة الواقعيّة. فمثلًا، في الأنيمي “هجوم العمالقة”، يقول إنّ البطل إرين ييغر لا يدّخر جهدًا للتّغلّب على كلّ العوائق الّتي تعترض طريقه.

قال ضو “تساعدك الأنيمي على التّأقلم والهروب في الوقت نفسه. كما أنّك تشعر بوحدة أقلّ وبأنّك مفهوم أكثر، لأنّ الأنيمي توفّر تفصيلًا معمّقًا للاضطرابات النّفسيّة ولكيفيّة التّعامل معها، وهذا موضوع مُتجاهَل مرارًا في مجتمعاتنا.”

وأضاف ضو، أنّ الأنيمي يقزّم المطامح المادّيّة الّتي يسعى وراءها المجتمع والعائلات، مسلّطًا الضّوء على القيم الإنسانيّة مثل الصّداقات، والإلفة، والرّوحانيّة بدلًا من ذلك.

مع تطوير الرّموز غير القابلة للاستبدال (NFTs) وانتشارها في السّنوات الأخيرة، ردم الفنّانون الآسيويّون، ككيم سين-آي الكوريّة، نسبة من الهوّة بين الثّقافات الشّرق آسيويّة ومنطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا.

قالت سين-آي لصحيفة كوريا تايمز، إنّ إقامتها في قطر مدّة سبع سنوات، أغنت معرفتها بثقافات منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالتّنوّع الموجود على الصّعيدين السّياسيّ والاجتماعيّ.

ونتيجة لتأثّرها بلوحة “القبلة” لغوستاف كليمت، قدّمت سين-آي نسختها الخاصّة من هذا العمل الفنّيّ برسم سلسلة من الرّموز غير القابلة للاستبدال، بيّنت فيها أزواجًا يتعانقون مُرتدين ملابس تقليديّة خاصّة بمنطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. وصرّحت الفنّانة بأنّها، لتنفيذ هذا المشروع، تعمّقت في تقاليد المنطقة وثقافتها من خلال التّواصل مع السّكّان المحلّيّين والتّفاعل معهم عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ.

وأنهت بالقول “ما يجعل الفنّ أداة رائعة هو تخطّيه للجنسيّة، واللّغة، والدّين. أظنّ أنّ الشّعب العربيّ يقدّر أعمالي لأنّني بالنّسبة إليهم دخيلة من كوريا. لكنّ أعمالي الفنّيّة تكتنف الثّقافة العربيّة، وتمنحهم منظورًا جديدًا يعيدون من خلاله تفحّص ثقافتهم ليجدوا فيها جمالًا.”