فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الرياضة والسياسة / لمَ لن يُقدم المغرب والجزائر وتونس ملفاً مشتركاً لتنظيم كأس العالم 2030

لمَ لن يُقدم المغرب والجزائر وتونس ملفاً مشتركاً لتنظيم كأس العالم 2030

Morocco- CAF Champions League
مباراة تجمع بين نادي الفتح الرياضي المغربي ونادي مولودية بجاية الجزائري. Photo AFP

في عام 2010، كانت جنوب إفريقيا أول بلدٍ إفريقي يحظى باستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ولكن بعد مضي أكثر من 24 عاماً، لطالما سعت دولةٌ إفريقية أخرى لاستضافة هذا الحدث الشعبي التابع للفيفا في القارة الإفريقية: المغرب. بيد أن المحاولة الأخيرة للبلاد باستضافة نهائيات كأس العالم 2026، والتي تعدّ المحاولة الخامسة حتى الآن للمملكة، باءت بالفشل.

فقد سبق وتنافس المغرب على استضافة نهائيات كأس العالم في الأعوام 1994، و1998، و2006، و2010 إلا أنه لم يقترب من تحقيق النجاح سوى في التصويت النهائي لكأس العالم عام 2010، التي خسرها في نهاية المطاف أمام المنافس، جنوب افريقيا. ففي الوقت الذي قام به المغرب بتحديث منشآته الرياضية والبُنية التحتية السياحية إلى حدٍ كبير منذ أول مشاركة له في عام 1994، كان الفوز في ترشحه الأخير ضمن نطاق الإمكانيات. ولكن عوضاً عن ذلك، خسر المغرب في الجولة الأخيرة من التوصيت مرةً أخرى، ولكن هذه المرة أمام ملف العرض المشترك لأمريكا الشمالية، الذي يضم الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا بفارقٍ كبير بلغ 134 صوتاً مقابل 65 صوت، وذلك قبل يومٍ واحدٍ فحسب من انطلاق نهائيات كأس العالم لعام 2018 في روسيا.

وفور إعلان نتائج التصويت، عم الإحباط والغضب الصحافة المغربية ووسائل التواصل الاجتماعي في البلاد. فقد دعم 11 اتحاداً افريقياً و7 اتحاداتٍ عربية لكرة القدم، بما فيها اتحادات المملكة العربية السعودية والأردن ولبنان(فضلاً عن الكويت والبحرين والعراق) ملف أمريكا الشمالية، في حين دعمت الجزائر، المنافسة الأشد للمغرب، جارتها في التصويت النهائي.

إن دعم الجزائر الصريح للمغرب في هذا الصدد لم يكن بالأمر الطبيعي، وبالتالي أثار نوعاً من الدهشة بالتأكيد، ذلك أن العلاقات الثنائية بين البلدين كانت شديدة العداء لأكثر من خمسة عقود. فهناك توتراتٌ بين دولتي شمال أفريقيا حول  الصحراء الغربية؛ مشروع خط أنابيب مثير للجدل بالإضافة إلى سياسات الهجرة. فقد ازدادت الصراعات منذ العام الماضي ووصلت إلى ذروةٍ أخرى في أكتوبر 2017، عندما اتهم وزير الشؤون الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل المغرب بغسل أموال المخدرات في إفريقيا.

ومع ذلك، في الأشهر الأخيرة تحوّل الخطاب الحكومي لكلا البلدين إلى خطابٍ يحمل نبرةً أكثر وداً وتوافقاً إلى حدٍ كبير. يعدّ هذا اتجاهاً غير متوقعٍ يؤجج باستمرار الشائعات حول تقاربٍ سياسي محتملٍ بين البلدين، بل أشعل أيضاً الدعم الشعبي لمقترح ملفٍ مشترك لتنظيم نهائيات كأس العالم لثلاث دول مغاربية، ألا وهي المغرب والجزائر وتونس لبطولة 2030. فقد تمت الدعوة مراراً وتكراراً، منذ ذلك الحين، لملفٍ مغاربي مشترك لنهائيات 2030 على وسائل التواصل الاجتماعي، بل واشتملت الدعوات على فتح الحدود المغربية الجزائرية، المغلقة رسمياً منذ عام 1994.

ومع إعلان المغرب بالفعل عزمه عدم الإستسلام والترشح مجدداً، إلا أن الدعوات لتقديم ملفٍ مغاربي مشترك لبطولة 2030 لم تكتسب فقط الدعم من قِبل مشجعي كرة القدم، بل كان لها أيضاً صدى إيجابي بين صناع القرار في شمال إفريقيا.

“لم نتلق أي عرضٍ رسمي، إلا أننا منفتحون على الفكرة ونرغب في رؤية الأمر على أرض الواقع،” هذا ما قاله رئيس اتحاد كرة القدم التونسي، وديع الجريء في يوليو، في حين أعلن وزير الشباب والرياضة الجزائري، محمد حطاب، أن الحكومة “ستدرس إحتمال ترشح دول المغرب” لبطولة كأس العالم 2030.

بينما يُجادل معلقون مثل ماكس غالين، وهو باحثُ يركز على الاقتصاد السياسي لشمال افريقيا ويكتب لموقع ميدل إيست آي، وغيره بحماس لصالح ملفٍ مغاربي مشترك لبطولة كأس العالم 2030. وبحسب ما كتبه غالين، “سيسمح هذا لدول المغرب العربي تقاسم تكاليف استثمارات البنية التحتية،” بل وسيعزز التكامل الإقليمي الذي تمس الحاجة إليه. ولكن على الرغم من أن الاستضافة المشتركة لمثل هذا الحدث المرموق قد تنطوي بالفعل على إمكانية تخفيف التوترات بين حكومتي الرباط والجزائر وتشجيع التكامل الاقتصادي في شمال إفريقيا، التي تُعرف بكونها المنطقة الأقل اتحاداً في العالم، فإن جدوى مثل هذه المشاركة في الملف المغاربي موضع شكٍ كبير.

ففي مقاله الذي نشره موقع ميدل ايست أي، يُجادل غالين بأن مشروعاً مثل كأس العالم سيكون “بالضبط ذلك النوع من التشجيع الذي قد يساهم في بناء التعاون، وتوفير مناسبة رمزية لتخفيف حدة التوتر.” كما شدد على أن الملف المغاربي المشترك “يجب أن يكون فعلياً أكثر شمولاً من سابقيه، ما سيخلق بنية تحتية ستعود بالفائدة على السكان المحليين بعد انتهاء الحدث،” وذلك لتفادي تجربة البرازيل وجنوب افريقيا، “حيث تناقضت النفقات المُسرفة مع الفقر المحلي مما أدى إلى احتجاجات واسعة النطاق.”

ولكن مع ذلك، هناك العديد من العوائق التي تحول دون التخطيط والتنفيذ المشترك السليم لهذا النوع من الملفات، والتي يصعب التغلب عليها، خاصة في الجزائر. فحتى لو افترضنا أن التقارب اللفظي الأخير بين الجزائر والمغرب لن يكون قصير الأمد وأن الشروط السياسية المسبقة في المنطقة تتحقق بطريقةٍ مستدامة من أجل المضي قدماً بمثل هذه المبادرة، فإنه من غير المرجح أن يتم حل القضايا المُلحة الأخرى بتلك السرعة. ينطبق هذا على افتقار الجزائر إلى وسائل النقل والبنية التحتية السياحية الكافية ولسياسة تأشيراتها التقييدية وكذلك العنف المستمر في الملاعب الجزائرية.

وقال الصحفي الجزائري الرياضي الشهير، وليد بيلكا، الذي يعمل لصحيفة La Gazette du Fennec، لنا في فَنَك: “في حين أن الجزائر قد حسّنت بنيتها التحتية بشكلٍ كبير خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشر الماضية، إلا أن البلاد لا زالت متخلفة جداً عن معظم البلدان الحديثة في العديد من الجوانب، خاصة فيما يتعلق بالنقل والإقامة وحسن الضيافة في هذا المجال بشكلٍ عام.” وأضاف “لا تعدّ الجزائر مقصداً سياحياً، كما أنها لا تفتقر فحسب إلى القدرة المادية لاستضافة منافسةٍ دولية كبرى مثل كأس العالم، ولكن أيضاً تفتقر إلى الخبرة والدراية الفنية لاستيعاب مثل هذا العدد الكبير من الناس لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.”

وبالفعل، فقد قامت الجزائر بتحديث البنية التحتية للنقل بشكلٍ كبير، حيث تم تشييد طرق رئيسية وخطوط سكك حديدية جديدة تربط بين المدن الكبرى في الشمال الحضري، بالإضافة إلى خطوط الترام وحتى قطار أنفاق في العاصمة الجزائر، إلا أن هذه الخطوات تأخرت كثيراُ في تلبية الطلب المحلي. ولا يزال من المشكوك فيه ما إذا كانت الحكومة قادرة على مواصلة هذا التحديث الكبير للبنية التحتية الجزائرية بعد الآن: فقد أثر انخفاض أسعار النفط بالفعل على الإنفاق الحكومي.

وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تستضيف الجزائر دورة الألعاب المتوسطية 2021 في مدينة وهران الساحلية. واليوم، يتم العمل على بناء ملعبٍ جديد وغير ذلك من البنية التحتية الضرورية مثل مرافق الإقامة والتدريب. ومع ذلك، لا تزال الشكوك تساور بيلكا، إذ قال: “ستكون دورة الألعاب المتوسطية 2021 اختبارا كبيراً، لكن سيشهد هذا الحدث حضور الرياضيين المشاركين مع عددٍ محدود جداً من المشجعين والحضور الصحفي.” وتابع القول “ستجلب بطولة كأس العالم العالم بأسره: الرياضيون والمشجعون والصحافة والإعلام والرعاة.”

فقد اعتبرت لجنة تقييم الفيفا أن ملف جارة الجزائر لاستضافة نهائيات كأس العالم في المغرب عام 2026 تنطوي على مخاطرةٍ كبيرة فيما يتعلق بـ”الملاعب، والإقامة، والنقل،” على الرغم من كون البلاد وجهة سياحية رئيسية بالفعل، حيث تستقبل أكثر من 10 ملايين زائر سنوياً. ويُشير بيلكا إلى أن المشاركة الناجحة للجزائر في ملف استضافة كأس العالم أمرٌ غير محتمل- في الوقت الحالي على الأقل.

ومع ذلك، فإنه يستبعد أن العنف المنتشر بشكلٍ كبير في الملاعب الجزائرية يصنف من بين العقبات الرئيسية لاستضافة مثل هذا الحدث. وشدد الصحفي على أن “العنف في الملاعب الجزائرية مرتبطٌ بشكلٍ أساسي بالنادي والمنافسات الإقليمية، وبالكاد نسمع عن أي أحداث عنفٍ عند مشاركة المنتخب الوطني،” مضيفاً أن كرة القدم الوطنية تضم وفوداً دولية فضلاً عن مراقبة الفيفا، وأن المنظمين والأمن لن يوقفهم شيء ليكونوا على أهبة الاستعداد وفقاً لذلك.

يُشكل الإعداد لملفٍ مشترك يضم الدول الثلاث تحدياً، مما يجعل تقديم ملفٍ مغاربي مشترك ناجح لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 أمراً مستبعداً. ومع ذلك، لا تزال دبلوماسية كرة القدم تمتلك القدرة على تخفيف حدة التوتر في المنطقة وقد تؤثر إيجاباً على التكامل السياسي والاقتصادي في المنطقة المغاربية في المستقبل القريب.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.