فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / الثقافة في السودان / الأدب في السودان، وجد ضالته أخيراً

الأدب في السودان، وجد ضالته أخيراً

لم يتسن للأدب السوداني لوقتٍ طويل جداً أن يجد مساحة مقدرة في خارطة الأدب العربي، ويعزى بعض النقاد هذه المحدودية إلى صعوبة نشر الكتاب السودانيين لأعمالهم، نظراً للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاضطرابات التي تحد من قدرتهم. ولم يعرف خارج السودان حتى ثمانينات القرن الماضي إلا الروائي الطيب صالح والشاعر السوداني- الليبي محمد مفتاح الفيتوري.

مسيرة الشعر السوداني

بدأ الادب السوداني المكتوب بالشعر، بحسب الناقد المعروف البروفسور محمد المهدي بشري، الذي يؤكد أن المزاج السوداني نفسه يغلب عليه الشعر منذ أيام دولة الفونج أو ما عُرف بمملكة سنار الإسلامية (1504-1821م). إن التعليم الحديث والحياة المدنية أتاحا فيما بعد محاولات وإرهاصات لأجناس إبداعية أخرى مثل الرواية.

في كتابه “النزعة الوطنية في الشعر السوداني” للدكتور الباشا برشم، تتبَع الكاتب الدافع الوطني وتأثيره على شعراء كل حقبة على حدة، من دولة الفونج والفترة التركية والمهدية والاستعمار البريطاني حتى مرافىء “الغابة والصحراء،” التي تمثل أهم مدرسة فكرية شعرية ظهرت في السودان في ستينات القرن الماضي.

ويرى الكاتب أن مناخ التصوف الإسلامي، الذي كان سائداً في السودان إبان دولة الفونج، قد لعب دوراً أساسياً في تشكيل ملامح الشعر السوداني لتلك الفترة، وأن الناس قد ألفوا العامية السودانية التي ميزت شعر تلك الفترة، مما مكن الشعراء فيما بعد من الارتقاء للفصحى بيسر. فقد تأثر الأدب السوداني بهجرات الشعوب العربية وهذا ما جعل شعر الدوبيت مكانة كبيرة في الأدب السوداني، وهو نوعٌ من الشعر الفارسي انتقل للعربية واصطلح عليه العرب بالرباعية.

Sudan- Tayeb Salih
الكاتب السوداني، الطيب صالح يعدّ أحد أكثر الروائيين العرب تقديراً في القرن العشرين. كتب روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال،” التي تدور أحداثها حول أحد السودانيين الذي يعيش تجربة الحياة والحب في بريطانيا في ستينيات القرن الماضي.

ثم ظهرت بعض الأشعار المقفاة في فترة الحكم التركي للسودان (1821-1885)، اعقبهم شعراء الثورة المهدية (1885-1899) ولكنهم ساروا على النهج التقليدي من حيث الالتزام بالوزن والقافية وكانوا يفتتحون بالغزل التقليدي ثم يطرقون بعد ذلك الغرض الذى من أجله كتبت القصيدة.

اتسمت الفترة ما بعد المهدية وعودة الاستعمار الإنجليزي المصري (1899-1956) ببعض الركود. وبظهور اندية الخريجين والصحافة السودانية في عشرينيات القرن الماضي توفرت منابر جديدة للشعراء ليعبروا من خلالها عن شعورهم ووعيهم القومي. كان لهذا النشاط أثره على مجمل الحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية في السودان.

الشعر السوداني في العصر الحديث

في الثلاثينيات والأربعينيات ظهر شعراء متميزون مثل التجاني يوسف بشير وإدريس جماع وحمزة الملك طمبل، الذين جددوا الشعر السوداني وطوروه من حيث المعنى والمبنى. اعقبهم شعراء نالوا قسطاً من الاهتمام على نطاق عربي أوسع، فقد تغنت السيدة أم كلثوم في الستينيات بقصيدة للشاعر السوداني الهادي آدم والتي حملت عنوان “أغداً ألقاك،” وكأنها بيضة ديك للشعراء السودانيين على النطاق العربي.

استأثر موضوع الهوية كقضية وطنية بقدرٍ كبير من اهتمام الشعراء، فظهرت مدرسة الغابة والصحراء.

وهي حركة شعرية ثقافية تأسست في أوائل الستينات من القرن الماضي، وقد رأت في مفهوم التمازج العربي الذي رمزت له بالصحراء والثقافة الأفريقية، ودلت عليه بالغابة كخطاب لمسألة الهوية السودانية.

من أهم سمات حركة الشعر السوداني في العقود الثلاثة الماضية التوسع الطاغي لشعر العامية السودانية على حساب الشعر المكتوب بالعربية الفصحى. قدم شعراء العامية الذين يمثلهم محمد الحسن سالم حميد ومحمد طه القدال وعاطف خيري ومحجوب شريف وغيرهم شعراً سودانياً خالصاً بلغةٍ عامية محلية متجددة تحمل مضامين ورؤى وأفكار حداثية جديدة بإيقاعات وأساليب خاصة مستمدة من تاريخ وتقاليد ثقافة السودانيين، وتستند في الوقت نفسه على افضل إنجازات الشعر العربي الحديث. ولا يمكن اغفال إسهامات شعراء الالفية الشباب الذين تنتمى انتاجاتهم لمدارس شعر النثر التي لا تزال تثير الجدل في الساحة الثقافية.

الرواية والقصة في السودان

يرصد فؤاد مرسي  في كتابه “القصة القصيرة في السودان،” سلبيات تلك الفترة التي اتسمت “بالكتابة عن الواقع بأفكار مسبقة تحكمها العادات والتقاليد أكثر مما تمليه الضرورات الفنية والجمالية، هذا عدا عيوب البدايات المعروفة من مباشرة وتقريرية، واستطراد إلى حد الملل.” ويرى أن الرومانسية كانت الاتجاه الغالب على كتابات هذه الفترة.

تعود بدايات القصة القصيرة بشكلها الحديث للمرحلة الواقعة في الفترة 1933- 1945. أشهر روادها سيد الفيل، وعبدالحليم محمد، وبدوى ناصر، ومحمد احمد المحجوب، وعرفات محمد عبدالله، ومعاوية محمد نور.

ومن المساهمين المهمين الآخرين في هذا النوع الناشىء السيدة ملكة الدار أحمد، التي بدأت في كتابة القصص القصيرة، وأصبحت واحدةً من رواد الرواية السودانية.

ومع ذلك، ومع اكتساب فكرة الأدب الوطني الحديث الشرعية ، كان للتأثيرات الأخرى لمسة واضحة مع مزج الكتّاب للعوامل المؤثرة والأساليب المختلفة. فعلى سبيل المثال، تعتبر رواية “تاجوج “ التي صدرت عام 1948 للروائي محمد عثمان هاشم أول رواية سودانية مكتملة الملامح والشروط الفنية، وقد انطلق فيها الكاتب من التراث الشعبي السردي السوداني باستثمار القصة الشعبية ذائعة الصيت في شرق السودان غرام “تاجوج والمحلّق“. وقد حاول عثمان هاشم أن ينسج من هذه القصة الشعبية رواية حديثة اتضحت فيها براعته في حبك عقدة فراق “المحلّق” من “تاجوج” بعد أن تزوجها، ورسم النهاية المأساوية للعاشقين كما تجري قصص الحب عادة.

مهد هؤلاء الكتاب الطريق لكتّاب ما بعد الاستقلال في الستينيات والسبعينيات. وكما هو الحال في أي مكانٍ آخر في العالم العربي، تحول بعض الكتاب إلى الواقعية الاجتماعية للتعبير عن التغييرات السياسية الحاصلة، ولكن بشكلٍ عام تميزت الفترة بإزدهارٍ إبداعي شهد نشر المئات من الروايات.

الطيب صالح ايقونة الرواية السودانية

شهدت العقود القليلة الماضية نشر عشرات المئات من الروايات السودانية إلا أن الروائي السوداني الطيب صالح (1929 – 2009) بقي أيقونة لم يرق لقمته أحد. بدأ الطيب صالح الكتابة منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وكان مسكوناً ببيئته السودانية وعكس ذلك في رواياته وقصصه، فعالج بطريقة أدبية إيحائية إشكالية التعددية الأثنية والثقافية في المجتمع السوداني وصدمات التباين الثقافي بين الحضارات، وخاصة في روايته الأشهر “موسم الهجرة إلى الشمال،” التي نُشرت عام 1966. تحكي الرواية، التي صُنفت ضمن قائمة أفضل 100 كتاب على مر العصور عام 2002، قصة مجموعة من المفكرين الممزقين بين وطنهم السودان وأوروبا. فالشخصية الرئيسية، وهو طالبٌ سوداني مفتونٌ ويشعر بالاشمئزاز في نفس الوقت من الغرب، ينتقل إلى المملكة المتحدة حيث يُقيم علاقاتٍ مع نساءٍ مأخوذاتٍ أيضاً بالشرق.

وقال الطيب صالح في إحدى المرات عن روايته، التي لقيت انتشاراً عربياً وعالمياً وترجمت لعشرات اللغات الأجنبية، “لقد أعدت تعريف ما يُسمى بالعلاقة بين الشرق والغرب باعتبارها متناقضة في جوهرها، في حين أنها كانت تعامل في السابق في إطار رومانسي.”

ومن بين الأعمال الأخرى للطيب صالح، رواية عرس الزين التي تعكس تفاصيل المجتمع السوداني، حيث فاز الفيلم المقتبس عن الرواية بجائزة في مهرجان كان لعام 1976، بالإضافة إلى رواية الرجل القبرصي.

نافذة أمل

على مر العقود، بدأت الرواية السودانية تصبح اكثر نضجاً وقيمة وانتشاراً واعترافاً. فقد تبوأت راويتان للقاص السوداني امير تاج السر مكانتهما في قائمة البوكر العربية القصيرة لعامي 2017 و2018 ووصلت راوية “شوق الدرويش“ للقاص الشاب حمور لذات القائمة في 2016، لتؤكد حضور النص الروائي السوداني وقدرته على المنافسة لدى القراء غير السودانيين.

وعلاوة على ذلك، فازت رواية مسيح دارفور، لبركه ساكن بجائزه سين الأدبية بسويسرا وحصلت رواية وحش القلزم، لعماد البليك على جائزه اطلس للرواية. وتمثل سوق النشر المصرية والخليجية منفذاً مهماً للإنتاج الروائي السوداني.

حقق هذا الجيل من الروائيين تحولاتٍ نوعية في استخدام تقنيات الرواية واتسمت بالعمل على نقد الواقع وتشريح البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع وتعقيداتها مثلما نجد في رواية مروان حامد “الغنيمة والإياب.” وظهر تأثر بعضهم بمدرسة الواقعية السحرية اللاتينية مثل رواية “عصافير اخر أيام الخريف” للروائي أحمد الملك، والبناء على مرويات التاريخ مثل الحسن البكري وحمور زيادة.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: unknown ©AFP | ©AFP

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا