فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / الثقافة في السودان / السينما في السودان: الفيلم الروائي أبرز الغائبين

السينما في السودان: الفيلم الروائي أبرز الغائبين

Sudan- Cinema sudan
صورة التقطت في 22 ديسمبر 2014، تظهر سينما حلفايا المغلقة في العاصمة السودانية، الخرطوم. لا تزال العديد من دور السينما في السودان فارغةً بعد إغلاق أبوابها بسبب المصاعب الاقتصادية وسياسات الحكومة بعد عام 1989. Photo AFP

وصلت السينما السودان عقب اختراعها وبدء انتشارها في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أواخر القرن التاسع عشر. لكن حصيلة ما يزيد عن مائة عامٍ من علاقة السودانيين بهذا الفن لم تتعدى المشاهدة وإنتاج أفلام قصيرة، معظمها أفلام تسجيلية، مع غياب شبه تام لصناعة الأفلام الروائية الطويلة.

بعد نحو عشرة أعوام فقط من تدشين أول عرض سينمائي في العالم سنة 1895 بباريس، وصل مصور للسينماتوغراف إلى السودان في 1906 وصور أفلاما فيه. وفي 1910، صور المخرج السويسري د.م. دفيد فيلماً عن رحلة صيد قام بها إلى السودان. يخبرنا رائد السينما السودانية الراحل كمال محمد إبراهيم في كتابة “السينما في السودان ماضيها، حاضرها، مستقبلها،” أن أول عرض سينمائي في السودان تمّ بمدينة الأبيض في عام 1911 ضمن الاحتفالات بمناسبة إكمال مد خط السكة الحديد إلى هناك. وفي العقد الثاني من القرن العشرين بدأت سينما “سكيتنج رينج” بالعاصمة السودانية الخرطوم تقديم عروض منتظمة للأفلام الصامتة. كان معظم الحضور يتألف من أفراد الحكومة الاستعمارية البريطانية وغيرهم من الأجانب. ثم أدخل الحكام الإنجليز السينما المتجولة التي جابت أنحاء السودان المختلفة. ومهد ذلك لظهور أول دار عرض للأفلام الناطقة في 1930.

بلغ عدد دور العرض في الثمانينات 71 داراً حسب إحصائية مدنا بها المخرج والباحث السينمائي عبد الرحمن نجدي. إلا أن كل ذلك انتهى في ليلةٍ وضحاها، فبعد أقل من عامين من استيلاء الإسلاميين على السلطة في العام 1989، تمت تصفية المؤسسة العامة للسينما التي كانت تتولي مسؤولية استيراد وتوزيع الأفلام، وبدأت العروض السينمائية في التلاشي والتوقف، فلم ينقضي النصف الأول من التسعينات، حتى صارت جل تلك الدور تقريباً مجرد أحواش وأطلال مهجورة. وحالياً، لا تعمل في السودان سوى سينما واحدة موجودة بمركز عفراء التجاري بالخرطوم.

الإنتاج السينمائي

جرى في عام 1940 تأسيس شركة السينما السودانية التي أنتجت أفلاماً غنائية قصيرة مع شركة مصر للتمثيل والسينما، لكن بداية الإنتاج السينمائي ارتبط بإنشاء وحدة أفلام السودان في عام 1949 علي يد المستعمرين الانجليز. واقتصر إنتاج هذه الوحدة آنذاك على الأفلام التسجيلية الدعائية والإخبارية والإرشادية إضافة إلى إصدار جريدة سينمائية نصف شهرية.

وفي عام 1951، جرى إنتاج أول فيلم سوداني ملون، وكان عبارة عن أغنية مصورة للفنان حسن عطية. والآن ليس هناك فيلموجرافيا عن كل إنتاج وحدة أفلام السودان، إلا أن هناك لجنة جرى تشكيلها في عام 1999 حصرت وجود 3654 فصلاً (الفصل نحو 10 دقائق) من الأفلام وأعداد الجريدة التي أٌنتجت خلال الـ50 عاماً الماضية.

ارتبطت وحدة أفلام السودان باسمي رائدي السينما السودانية: كمال محمد إبراهيم، وجاد الله جبارة (1920- 2008) اللذان التحقا بالعمل في الوحدة عند تأسيسها. وهما اللذان اخرجا كل الأفلام الأولى للوحدة ووضعا سيناريوهاتها، ثم رفدا أرشيف السينما في السودان بعشرات من الأفلام التسجيلية والروائية خلال مسيرة استمرت لعدة عقود.

في ستينات القرن العشرين، جرى إنشاء إدارة الإنتاج السينمائي في وزارة الثقافة، وتم ضم وحدة أفلام السودان إلى هذه الإدارة، كما تم تأسيس وحدة السينما في تلفزيون السودان، وبرزت آنذاك أسماء عدد من الرواد السينمائيين منهم الخير هاشم، ومحمد عيد زكي، والرشيد مهدي. وفي 1972، تم إنشاء قسم للسينما في مصلحة الثقافة بوزارة الثقافة والإعلام.

وظهر في العقدين السابع والثامن من القرن، الجيل الثاني من السينمائيين السودانيين متشكلاً من المتخصصين الذين درس معظمهم السينما في أوروبا ومصر. أحدث هذه الجيل حراكاً واضحاً في المشهد السينمائي السوداني، وكان من أبرز أفراده المخرجين: حسين شريف، إبراهيم شداد، أنور هاشم، الطيب المهدي، سامي الصاوي، عبد الرحمن نجدي. عمل هؤلاء على التأسيس لسينما تسجيلية إبداعية تتجاوز نمط الإنتاج الدعائي والإرشادي الذي اتصفت به وحدة أفلام السودان في سنواتها الأولى، وأنتجوا بالفعل أفلاماً تسجيلية وروائية قصيرة وافرة الفنيات الجمالية.

والى جانب أفلام الرائدين إبراهيم وجبارة، ظهر العديد من الأفلام التسجيلية الأخرى، منها “السودان الحديث” للخير هاشم، و”جزع النار” و”النمور شكلها أفضل” لحسين شريف، و”دائرة على حجر” لسامي الصاوي، و”الزار” (وهي ما يشبه الطقوس الشعبية تتضمن رقصات خاصة لاستحضار أو طرد الأرواح لمنع المشاكل والأمراض في المستقبل) لحورية حاكم، و”الضريح”، و”أربعة مرات للأطفال” للطيب المهدي.

السينما الروائية

سبعة أفلام روائية طويلة فقط هو ما أنجزته السينما في السودان حتى الآن. جاءت البداية في العام 1970 حينما قام “استوديو الرشيد” بإنتاج فيلم “آمال وأحلام” للمخرج إبراهيم ملاسي، ثم جاءت افلام “تاجوج” (1982)، و”بركة الشيخ” (2001) و”البؤساء” لجاد الله جبارة، و”شروق” (1973)، و”رحلة عيون” (1983) لأنور هاشم، و”العدل فوق القانون” و”يبقى الأمل” لعبد الرحمن محمد عبد الرحمن. ويمكن إضافة فيلم “عرس الزين” (1976) للمخرج خالد الصديق فمؤلف القصة والممثلون سودانيون لكن الفيلم من إنتاج وإخراج كويتي.

كانت جهود إنتاج الأفلام الروائية قد بدأت منذ وقتٍ مبكر في السودان ولكنها اختصرت في غالبيتها على الأفلام القصيرة، وجاءت بواكيرها على يد الرائدين كمال محمد إبراهيم وجاد الله جبارة، فقدم الأول فيلمي “الطفولة المشردة” (1952) و”المنكوب،” وقدم الثاني “تور الجر في العيادة،” ثم توالي الإنتاج، واشتهر مما أنتج “انتزاع الكهرمان” لحسين شريف (1975)، و”جمل” و”حبل” و”إنسان” لإبراهيم شداد، و”المحطة” للطيب المهدي وغيرهم.

نالت بعض الأفلام السودانية جوائز من مهرجانات دولية وإقليمية، ومن بين ذلك فاز فيلم “الضريح” للطيب المهدي بذهبية القاهرة للأفلام القصيرة عام 1972، ونال فيلم “ولكن الأرض تدور” لسليمان محمد إبراهيم ذهبية مهرجان موسكو لعام 1979، وحصد فيلم “جمل” لشداد جائزة النقاد في مهرجان كان عام 1986، وجائزة مهرجان ليل، وجائزة السيف الذهبي في مهرجان دمشق للأفلام التسجيلية، وحصل فيلم “حبل” للمخرج نفسه على ذهبية مهرجان دمشق في العام التالي، كما حاز فيلم “تاجوج” لجاد الله جبارة على عدة جوائز في تسعة مهرجانات دولية وإقليمية.

النشاط الموازي

صاحب عمليات المشاهدة والإنتاج السينمائيين في السودان أنشطة ثقافية وفكرية أخرى مرتبطة بفن السينما.

Sudan- Sudanese cinema
سارة جاد الله، ابنة المخرج السوداني الأسطوري جاد الله جبارة، تتحدث من منزلها في الخرطوم يوم 28 مايو 2016. بمساعدة من الخبراء الألمان ، بدأت سارة برقمنة مجموعة أفلام والدها بالكامل لخلق ما تعتقد أنه أول أرشيف خاص للسودان لأفلام 15 و35 ملم. Photo AFP

ومن ذلك ظهرت في العام 1957 جمعية الخرطوم للفيلم، وفي عام 1978 تأسس نادي السينما السوداني، وصدرت في ذات العام مجلة “سينما” عن وزارة الثقافة، وبعدها مجلة “السينما والمجتمع” في عام 1980. ثم شهد العام 1989 ميلاد “جماعة الفيلم السوداني” التي اهتمت بعمليات صناعة الأفلام والتدريب.

غياب الفيلم الروائي

يلخص المخرج والباحث السينمائي وجدي كامل في كتابه “السينما هرم الدولة المقلوب،” أهم المشكلات التي واجهها إنتاج الأفلام الروائية الطويلة ومن أههما: غياب دور الدولة في التخطيط السينمائي، وعزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في هذا المجال، وانهيار دُور العرض في التسعينيات، فضلاً عن الافتقار للأجهزة والمعدات التصويرية الحديثة، وعدم وجود متخصصين خريجين في العديد من المجالات الدقيقة للإنتاج السينمائي، إضافة إلى وجود رقابة رسمية متزمتة. ويضيف كامل سبباً آخر ألا وهو: “ضعف الإسهام وضعف والمهارة الفنية والتقنية في المحاولات المعدودة التي جرت لإنتاج أفلام روائية سودانية طويلة.” ويقول إن تلك التجارب لم تعمل على تنظيف الأرض من شوك التجريب، فواجهت مصائر بائسة من الناحية التطبيقية الحرفية والفنية ونالت سمعة سلبية لدى المشاهد، ما جعل القطاع الخاص غير متحمس للدخول في مغامرات من تلك الشاكلة.

التراجع الشامل

ينقل السينمائي ناصر الطيب في كتابه “نشأة وتطور الفيلم التسجيلي في السودان” عن عوض الضو، آخر مدير لإدارة الإنتاج السينمائي، قوله إن العمل “استمر بصورة جيدة في الإنتاج السينمائي حتى 1981- 1982، بعدها بدأ العد التنازلي للاهتمام بالسينما من جانب الدولة.” وعقب وصول الإسلاميين للسلطة في 1989 امتدت النكسة التي أصابت نشاط المشاهدة السينمائية في السودان لتصيب الإنتاج السينمائي والنشاط الثقافي الموازي في مقتل. فقد اعتبرت الأيديولوجية الإسلامية الحكومية السينما وغيرها من فنون الأداء الأخرى غير إسلامية ومخالفة للأخلاق الإسلامية. تمت تصفية مؤسسة الدولة للسينما، وقسم السينما في مصلحة الثقافة، ووحدة السينما في تلفزيون السودان، وجرى قطع التمويل، فتوقف الإنتاج بشكلٍ تام منذ العام 1995. كما تم إغلاق نادي السينما، وتوقفت مجلة “سينما” عن الصدور، وتشتت عدد مقدر من السينمائيين السودانيين في دول المهجر والاغتراب.

محاولات الإحياء

شهدت السنوات عقب بداية القرن الواحد والعشرين تأسيس وتنشيط عدد من الكيانات التي عملت لإحياء النشاط السينمائي في السودان، فجرى في العام 2001 بعث نادي السينما السوداني، كما تم إعادة تأسيس “جماعة الفيلم السوداني،” وتولت الجماعة في 2016 إعادة إصدار مجلة “سينما.”

وفي 2010 وبرعاية من معهد جوتة الألماني بالخرطوم بدأ مشروع “سودان فيلم فاكتوري” لتدريب الشباب على أسس صناعة الأفلام. وفي عام 2014 أصبح هذا المشروع منصة سودانية مستقلة لإنتاج الأفلام والسينما، وأنتجت المنصة أكثر من 44 فيلماً، ونظمت ما يزيد عن 50 ورشة تدريبية ودروساً رئيسية في المجالات المختلفة للصنعة السينمائية.

كما شهدت السنوات الأخيرة قيام كيانات أخرى مهتمة بعمليات الإنتاج والمشاهدة السينمائيين، من أبرزها مجموعات “سينما الشباب،” و”غرفة صناعة السينما،” ومبادرة تعليم الأطفال صناعة السينما. وفي عام 2002، قامت عدد من المهرجانات السينمائية التي أحدثت حراكاً سينمائياً، حيث انتظم سنوياً “مهرجان السودان للسينما المستقلة” الذي تنظمه “سودان فيلم فاكتوري،” ومهرجان جائزة تهارقا الدولية للسينما والفنون الذي تنظمه “سينما الشباب،” ومهرجان الفيلم الأوروبي، ومهرجان الخرطوم للفيلم العربي.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.