فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / الاقتصاد في السودان / الذهب في السودان: نعمة أم نقمة؟

الذهب في السودان: نعمة أم نقمة؟

Sudan- Gold sudan
سودانيون ينقبون عن الذهب في قرية العبيدية في شمال السودان. Photo AFP

تزايد انتاج الذهب في السودان خلال عقد واحد من الزمان بأكثر من 1200%، ليقفز حسب تقرير لإدارة المسح الجيولوجي الأمريكي من 7 أطنان عام 2008 إلي أكثر 90 طناً عام 2017. وأكد وزير المعادن السوداني أن انتاج الذهب في النصف الأول من عام 2018 قد تجاوز63 طناً وأن الدولة تعول عليه كثيراً في الخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة. وأشار إلى أن قطاع التعدين ساهم العام الحالي بنسبة 6% في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل نمو 14%.

تحول التعدين لأهم قطاع في الاقتصاد، حيث بلغت قيمة صادرات الذهب عبر البنك المركزي السوداني العام الماضي 1,87 مليار دولار وهي تشكل حوالى 57% من اجمالي صادرات البلاد لعام 2017 إضافة لمبالغ ضخمة أخرى تدخل الاقتصاد دون المرور على البنك المركزي. ويحتل السودان المرتبة الثانية افريقياً والتاسعة عالمياً في قائمة منتجي الذهب.

تحديات ومخاطر

بالرغم من التحديات والمخاطر الأمنية والبيئية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بصناعة واقتصاد التعدين، وفر التنقيب عن الذهب، الذي بدأ بشكلٍ واسع قبل حوالى عقدٍ من الزمان، فرص عمل دائمة ومؤقتة لحوالي 1,5 مليون شاب سوداني في المئات من مواقع التعدين في كل مناطق السودان التي لا يعرف احد عددها بدقة لتنقل الشركات والمعدنين الافراد من موقع لآخر.

ينشط في التنقيب عن الذهب في السودان اكثر من 400 شركة وطنية واجنبية، أقدمها شركة أرياب للتعدين، التي أسستها شركة فرنسية كندية في مرتفعات البحر الاحمر شرق السودان عام 1991 ثم انتقلت ملكيتها لحكومة السودان. ومع ذلك، تنتج هذه الشركات 20% فقط من كمية الذهب سنوياً فيما ينتج المعدنون التقليديون 80%.

يستعين العاملون في التعدين الأهلي التقليدي بأجهزة بسيطة ورخيصة للكشف عن المعادن تستورد اغلبها من الصين، وحين يشير الجهاز اليدوي الذي يعمل بالبطاريات لاحتمال وجود معادن في الصحاري والوديان التي يجوبونها، يحفرون الموقع ويجمعون الصخور وينقلونها لمطاحن أقيمت قرب مواقع التعدين لطحن الحجارة ومعالجتها بالزئبق والسينايد لاستخلاص الذهب، ومن ثم يبيعونها لوسطاء في مواقع الإنتاج أو في المدن.

مزيد من الذهب، مزيد من التضخم والتهريب

تصاعد انتاج الذهب حوالي عام 2010، وخفف لحدٍ معقول من عواقب صدمة انفصال جنوب السودان عام 2011 وخسارة السودان لـ70% من انتاجه النفطي. ومع ذلك، كان تأثيره على مجمل الاقتصاد معقداً ومربكاً لأسباب كثيرة منها تضارب السياسات الحكومية وتعدد الأطراف ذات المصلحة. ولتعويض النقص الحاد في العملات الأجنبية، دخل بنك السودان المركزي إلى السوق المحلية كمشترٍ للذهب من المعدنين عبر وسطاء محليين لتصديره بنفسه. ولأن المصرف المركزي لا يملك موارد مالية حقيقية لشراء الذهب، اضطر للاستعانة بمطابعه مما ضاعف من عرض النقود وفاقم من التضخم ووصل به إلى 63%. وبالتالي ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية والأغذية والأدوية خاصة المستوردة منها إلى الضعف وفي بعض الحالات تتضاعفت ثلاثة أضعاف.

وفي محاولةٍ للحد من الغلاء والطلب على العملات الأجنبية، عمدت الحكومة لتجفيف السيولة في السوق بإجراءاتٍ إدارية قيدت بموجبها حق الشركات والمواطنين في سحب الأموال النقدية من حساباتهم منذ مارس 2018. أدى هذا الاجراء المتعسف إلى المزيد من الطلب على النقد المحلي والاجنبي واستعار حمى السوق السوداء وزعزعة الثقة في النظام المصرفي وخلق دائرة مفرغة من الإجراءات وردود الفعل المعاكسة. فقد اعلنت الحكومة عن سياسة جديدة في أكتوبر 2018 تطرح بموجبها سندات (أوراق) مالية للجمهور بأرباح عالية لتمويل شراء الذهب من منتجيه بموارد حقيقية حسب تعبير رئيس الوزراء السوداني معتز موسى.

نتج عن هذا الوضع، وأدى اليه في نفس الوقت، حقيقة مريرة وهي أن نسبة لا تقل عن 35% من الذهب الذي ينتج في السودان يتم تهريبه للخارج خاصة إلى دبي في دولة الامارات العربية المتحدة، التي صارت بسبب ذلك اكبر شريك تجاري للسودان متفوقة على الصين. وتشير الأرقام الرسمية إلي ان انتاج الذهب عام 2017 بلغ 90 طناً فيما بلغت حصيلة صادراته 1,87 مليار دولار، مما يعني ان اكثر من مليار دولار من الذهب قد تم بيعه خارج القنوات الرسمية. وتشير بعض المصادر إلى نسب تهريبٍ أعلى من ذلك بكثير وقد يتجاوز نصفه، حيث تفتقر الأجهزة الحكومية المسئولة عن انتاج وتجارة الذهب للموارد والقدرات والأدوات اللازمة للسيطرة الكاملة على القطاع.

وقد نشرت وسائل الاعلام السودانية والعالمية عشرات التقارير عن تهريب الذهب من السودان فيما اعلن جهاز الامن والمخابرات في السودان عن احباط الكثير من محاولات تهريب الذهب منها محاولة لتهريب 245 كيلوجراماً من الذهب في عملية واحدة، حيث تتم الكثير من عمليات التهريب عبر مطار الخرطوم. وقد ضبط واعتقل سودانيون يهربون الذهب حتى لدول بعيدة جداً عنها مثل الهند حسب تقارير صحفية سودانية وهندية.

مليشيات الذهب

صاحب الحراك السكاني الواسع لأكثر من مليون ونصف من الشباب لمواقع التعدين الأهلي تعقيدات امنية وسياسية عديدة حيث بدأ بعض السكان المحليون في بعض المواقع الاحتكاك بالمعدنين الغرباء والتنازع على ملكية الأراضي ومواقع التعدين مما أوقع الكثير من الضحايا.

تشير ورقة أكاديمية نشرت مؤخراً إلى ان التهريب عبر منافد سودانية او في الدول المجاورة يحدث لتفادي الضرائب والرسوم الحكومية وتجاوز أسعار الصرف الحكومية المتدنية مقارنة بأسعار السوق السوداء التي تسمى في السودان السوق السوداء الموازية. ويمكن ان يستهدف تهريب الذهب أيضاً أغراض أخرى اكثر ضرراً بالاقتصاد والمجتمع مثل تمويل الحروب الاهلية وغسل الأموال القذرة لتجارة المخدرات والسلاح مسببة مشاكل امنية وسياسية حساسة ومعقدة.

فقد أكد تقرير لمجلس الامن الدولي أن موسى هلال، زعيم احدي الميلشيات المتورطة في الحرب الاهلية في دارفور، قد حصل على 54 مليون دولار من عائدات التعدين الأهلي. ويضيف التقرير ان 123 مليون دولار من عائدات الذهب قد وجدت طريقها لجيوب زعماء فصائل أخرى متمردة على الحكومة في إقليم دارفور المضطرب.

وكان وزير الداخلية السوداني آنذاك، الجنرال عصمت عبد الرحمن، قد حذر، في 5 يناير 2017، من وجود ثلاثة آلاف اجنبي مسلح في منطقة جبل عامر في دارفور، لكن اتضح فيما بعد ان هؤلاء المسلحين يتبعون الزعيم القبلي موسي هلال الذي كان يحتكر انتاج الذهب في جبل عامر ولديه سند ومنفذ اجنبي قريب ومضمون يتمثل في الرئيس التشادي ادريس دبي زوج ابنته. خسر هلال صراعاً دامياً سقط فيه الكثير من القتلى وانتهى باستيلاء الجنرال حميدتي قائد احدي المليشيات الموالية للحكومة على المنطقة، وهو الذي يستثمر مناجم جبل عامر لحسابه حالياً.

وفي حادثة أخرى اندلعت اشتباكات بين قبائل سودانية وتشادية قتل فيها تسعة اشخاص على الأقل وجرح العشرات بسبب التنافس على مواقع تنقيب حدودية في ديسمبر 2017.

كما حدثت اضطرابات امنية أخرى في مناطق كثيرة، منها حادث في منطقة الباوقة شمال السودان في مارس 2018، حيث قتل شخص وأصيب ستة آخرون برصاص حراس شركة روسية تعمل في التنقيب في ارض يعتبرها سكان المنطقة ملكاً لهم. أثار الحادث غضباً واسعاً لأن الضحايا قالوا ان الروس هم الذين اطلقوا النار عليهم. وقتل شخص آخر في مدينة كالوقي جنوب السودان في نوفمبر 2017 في احتجاجاتٍ مماثلة ضد شركة تعدين.

مخاطر بيئية وصحية

اصدر البرلمان السوداني تحذيراً من اخطار التعدين الأهلي بعد نفوق اعداد كبيرة من الحيوانات والاسماك في حلفا ودنقلا اقصى شمال السودان بسبب استخدام مادة السيانيد الشديدة السمية في عمليات تنقية الذهب في مناطق التعدين الأهلي.

يقول الخبير السوداني هاشم سيد حسن، المتخصص في جيولوجيا المناجم، أن غالبية العاملين في التعدين الأهلي يستخدمون الزئبق في استخلاص الذهب فيما تستخدم الشركات السينايد، وكلاهما شديد السمية وخطر على الصحة والبيئة، ويضيف أن السينايد أكثر خطورة، حيث تؤدي كمية لا تتجاوز 0,2 جرام منها إلى الموت خلال ثوانٍ قليلة بعد شللٍ كامل لكل أجهزة التنفس بسبب نقص الأكسدة الذي يصيب الخلايا.

وقد جاهر المواطنون في العديد من مناطق التعدين للتصدي بمعارضتهم لأنشطة شركات التعدين التي تضر بالبيئة وتدمرها. ويحذر ناشطون من أن الحكومة تمنح الشركات المحلية والأجنبية حقوق استثمار وتنقيب عن الذهب لا تراعي مصالح السكان وتضطر الحكومة للتدخل لمصلحة المستثمرين بأشكال مختلفة بما فيها استخدام القوة مما يسبب مشاكل امنية وسياسية.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: ASHRAF SHAZLY ©AFP | ASHRAF SHAZLY ©AFP

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا