تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

إصلاح قطاع الأمن في السودان: الفرص والتحديات

من اليسار إلى اليمين) اللواء محمد حمدان دقلو "حميدتي،" نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، يتحدث مع رئيس المجلس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان خلال حفل استقبال بالخرطوم لدى وصول فريق التفاوض الحكومي من جوبا حيث وقعت الحكومة
من اليسار إلى اليمين) اللواء محمد حمدان دقلو “حميدتي،” نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، يتحدث مع رئيس المجلس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان خلال حفل استقبال بالخرطوم لدى وصول فريق التفاوض الحكومي من جوبا حيث وقعت الحكومة والجماعات المتمردة على اتفاق تاريخي. (October 8, 2020/Ebrahim HAMID / AFP)

بقلم: مات ناشد

يتطلب قطاع الأمن في السودان إصلاحاتٍ جوهرية لحماية الانتقال الهش إلى الديمقراطية، بيد أن الأمر الأكثر إلحاحاً يتمثل في إعادة تحديد دور وتشكيل الوحدات الأمنية وفرض إشرافٍ مدني على أصولها المالية المُبهمة.

في ظل نظام الديكتاتور السابق عمر البشير، شُكلت قوات الأمن المتنافسة على أسسٍ عرقية وقبلية لسحق التمردات وحمايته من أي انقلابٍ محتمل، إذ تنحدر قيادة القوات المسلحة السودانية، كحال البشير، من دوائر النخبة ممن يصفون أنفسهم بالقبائل العربية المتمركزة حول ضفة النهر. وفيما بعد، سلّح نظام البشير الرعاة العرب في دارفور لمحاربة من يصفون أنفسهم بالقبائل الأفريقية. كانت هذه الميليشيات العربيةالمعروفة باسم الجنجويد أو الجان على صهوة حصانسيئة السمعة لقيادتها عمليات قتلٍ جماعي في دارفور في مطلع الألفية.

وفي عام 2013، تغيّر اسم الجنجويد إلى قوات الدعم السريع وكُلفت بحماية حدود السودان وحماية البشير من أي إنقلاب، بل إن البشير سبق وأطلق على قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف بإسم حمديتيلقب حمايتي،أي المسؤول عن حماية البشير.”

كما ساعد جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني البشير في الحفاظ على قبضةٍ من حديد على البلاد بإخفاء النشطاء والمعارضين وقتل المتظاهرين. أسفرت رشوة هذه الوحدات الأمنية المختلفة عن استنزاف موارد السودان الغنية على مدى 30 عاماً من حكم البشير القمعي. وبالرغم من ذلك، لا تزال النفقات العسكرية تشكل ما يقرب من 10% من الميزانية الوطنية، وهو رقم لا يشمل الاقتصادات الغامضة التي يسيطر عليها مسؤولو الأمن،وبالتالي، يعدّ إصلاح قطاع الأمن مستحيلاً دون مراجعة وفرض ضرائب على هذه الأنشطة الاقتصادية، فهذه هي الطريقة الوحيدة لتعطيل تدفق الإيرادات التي تمكن قوات الأمن من استيعاب العديد من المجندين الجدد.

فمن جانبه، يُسيطر حميدتي على مناجم الذهب المربحة في جميع أنحاء البلاد، والتي يبيعها بشكلٍ خاص إلى الإمارات العربية المتحدة لإثراء حاشيته. فقد جعلت مناجم الذهب حميدتي أحد أغنى وأقوى الرجال في السودان. وفي ديسمبر 2019، زُعم أن حميدتي كان يستعد لتسليم السيطرة على مناجم الذهب، لكن الافتقار إلى الشفافية يجعل من المستحيل تقييم كيفية إدارة العائدات وإنفاقها.

كما تُسيطر قوات الأمن الأخرى، بما في ذلك الجيش، على قطاع الاتصالات والمصارف والطيران والإعمار، بل إنهم يديرون خدمات سيارات الليموزين الفارهة ويتحكمون بالمتنزهات السياحية وأماكن الفعاليات. وعليه، يعدّ فرض إشرافٍ مدني على هذه الأنشطة أمراً غاية في الأهمية لإنقاذ الاقتصاد وتقليص سيطرة ونفوذ أمراء الحرب على المسؤولين المدنيين.

وعلى صعيدٍ متصل، يُشكل اتفاق جوبا وهو اتفاقٌ تاريخي وقع عليه حميدتي نيابةً عن الخرطوم أيضاً تحدياً لإصلاح قطاع الأمن، بيد أنه يُحسب للاتفاق محاولة إنهاء النزاعات المحتدمة في دارفور وجنوب كردفان وجبال النوبة. ومع ذلك، يمكن تحقيق ما يشبه الاستقرار من خلال ضمان التعويض وحقوق الأرض للنازحين على الرغم من التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الترتيبات.

ومع ذلك، يعد اتفاق جوبا بدمج آلاف المقاتلين من شبكة الجماعات المسلحة في أجهزة الأمن السودانية، بيد أنه لا بد من أخذ العبرة والمغزى من جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد ساهم قرار الدولة بضم عشرات الآلاف من المسلحين في الجيش والشرطة في تضخم قطاع الأمن وانتهاكاتٍ على يد منتسبيه. علاوةً على ذلك، حافظ العديد من المقاتلين المدمجين على ولائهم لقادة الميليشيات السابقين بدلاً من اتباع أوامر قادتهم الجدد.

اللواء محمد حمدان دقلو "حميدتي،" نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، يلوح بيديه خلال حفل استقبال في العاصمة الخرطوم في 8 أكتوبر 2020.
اللواء محمد حمدان دقلو “حميدتي،” نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، يلوح بيديه خلال حفل استقبال في العاصمة الخرطوم في 8 أكتوبر 2020.(Photo by Ebrahim HAMID / AFP)

أما فيما يتعلق بوضع السودان حالياً، فببساطة، لا تستطيع الخرطوم دفع رواتب آلاف المقاتلين الجدد ذلك أن البلاد تتأرجح على حافة انهيارٍ اقتصاد، فالتضخم يقف بالفعل عند أحد أعلى المعدلات في العالم مقترناً بارتفاعٍ حادٍ بالأسعار مما يجعل السلع الأساسية مُكلفةً بالنسبة للكثيرين. كما أن المجتمع العالمي متردد في دفع فاتورة السلام، حيث تكافح العديد من البلدان للتغلب على ضعف النشاط الاقتصادي الناجم عن جائحة فيروس كورونا.

وبغض النظر عن النفقات، ينبغي تقليص حجم الجيش ليعكس الواقع الحالي والتاريخي للسودان. ومن الجدير بالذكر أن السودان لم يقاتل دولةً أخرى منذ حصوله على الاستقلال في عام 1956، حيث تم نشر الأجهزة الأمنية تقليدياً لسحق التمردات الداخلية، ثم جندوا لاحقاً كمرتزقة في النزاعات الإقليمية.

يتطلب إنشاء جيشٍ مهمته حماية المواطنين عقداً اجتماعياً جديداً يضمن أن تكون قوات الأمن مسؤولة أمام الهيئات المدنية وتحظى بالاحترام لا الخوف منها. كما يمكن لتأميم الوحدات الأمنية عن طريق عزل أو على الأقل الحدّ من التكوين العرقي لكل قوة أن يساعد في تحقيق هذه المهمة، إذ يعتبر القيام بذلك ضروري لإقناع المقاتلين الاستثمار بالتفويض الوطني واستعادة ثقة المدنيين في الأجهزة الأمنية. وفي هذا الصدد بالتحديد يُشكل اتفاق جوبا عقبةً أخرى ذلك أنه يضعف التمثيل المدني في الحكومة بينما يكافىء قادة المتمردين الوحشيين بالمقام الرفيع والسلطة. يتضح هذا من مراقبة المجلس الأعلى المشتركالذي يستبعد المدنيين ويكلف كبار الضباط بتنفيذ الترتيبات الأمنية في دارفور.

وعليه، تخاطر اتفاقية جوبا بترسيخ السودان كدولة مليشيات ما لم يتمكن المسؤولون المدنيون من التغلب على انقساماتهم للعب دورٍ بارز في صنع القرار. فالجهود التي تبذلها مجموعات المجتمع المدني السوداني والمسؤولون المدنيون تحتاج إلى الدعم بضغطٍ دولي منسق. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة بصدد إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد لوي ذراعالخرطوم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مما يمهد الطريق أمام الاستثمار الدولي.

وعليه، يجب على الإدارة الأمريكية القادمة والاتحاد الافريقي وأوروبا إقناع المستثمرين عدم التعاون مع قوات الأمن، التي تقوض أنشطتها الاقتصادية التحول الديمقراطي في البلاد. كما ينبغي على الكتل الثلاث أيضاً الضغط على الإمارات العربية المتحدة ومصر، الملتزمتان بمآزرة قوات الدعم السريع والجيش على التوالي، إذ سيؤدي الفشل في التخفيف من تأثير هذه البلدان إلى ضياع الفرصة لتأمين حليفٍ ديمقراطي في منطقة مضطربة.

وعلى نفس القدر من الأهمية، لا بد من ضمان استغلال الاستثمار الاقتصادي لتطوير الأطراف المهمشة تاريخياً في السودان. فمن دون إيجاد بدائل اقتصادية قابلة للتطبيق، بالكاد يمتلك السودان فرصةً لتسريح المقاتلين المتمردين السابقين ونزع سلاحهم وإعادة دمجهم في الحياة المدنية.

إن تقديم تعويض مناسب وتوجيه المجتمعات ضمن برامج إعادة الإدماج أمرٌ أساسي، وإلا فقد يتردد المقاتلون السابقون في نزع سلاحهم، كما كان الحال في يناير 2020 عندما اشتبك عملاء سابقون من جهاز الأمن والمخابرات الوطني مع قوات الدعم السريع والجيش احتجاجاً على حزم إنهاء الخدمة.

ومع ذلك، ينبغي على الحكومات تجنب إنشاء برامج إعادة الإدماج التي تلبي فقط مصالح وحوافز المقاتلين السابقين، إذ تبرز الحاجة إلى استراتيجيةٍ أوسع نطاقاً لضمان وصول المقاتلين السابقين إلى سبل العيش المستدامة، حتى لا يشكلوا تهديداتٍ أمنية في وقتٍ لاحق. سيتطلب ذلك مساعدةً دولية، وتعاوناً بين نشطاء مدنيين وسياسيين مدنيين، وشجاعةً مشتركة لفرض رقابةٍ على الأصول المالية الغامضة التي تمتلكها قوات الأمن.