فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / من الماضي الى الحاضر / من الماضي إلى الاستقلال

من الماضي إلى الاستقلال

Meroe Sudan Antiquity
مروي, السودان. Photo Valerian Guillot.

المحتويات

    Loading index...

المقدمة

Napatan Kings Sudan Antiquity
تماثيل ملوك نبته معروضة في معرض الدفوفة الغربية في كرمة. تم اكتشاف التماثيل السبع التي يعود تاريخها إلى القرنين السادس والسابع قبل الميلاد في عام 2003.

بدأ نشوء الممالك جنوب مصر، وصولاً إلى الشلال السادس على النيل، بمملكة كوش بمراحلها المختلفة؛ كرمة، ومروي، ونبتة. يرتبط تاريخ هذه الحقبة ارتباطاً وثيقاً بمصر، إلا أنّه تمتع بسِمات سودانية مميزة. ازدهرت مملكة كوش على مدى خمسة قرون خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث سيطرت على أراضٍ واسعة ممّا يُعرف اليوم بالسودان. كان شعب السودان في الماضي وثنياً؛ حيث اعتنق البعض اليهودية إلّا أنّهم سرعان ما تحولوا إلى المسيحية.

أسست الممالك المسيحية على امتداد نهر النيل بعد مئتي عام فقط على سقوط مملكة كوش، واستمرت حتى مجيء العرب منتصف القرن السابع. ومرةً أخرى، تمّ تأسيس دول جديدة- سلطنات دارفور وتقلي الإسلامية. وفي عام 1821، غزا الأتراك البلاد واستمر حكمهم هناك 60 عاماً. وبعد اشتعال الثورة في البلاد وقيام الدولة المهدية لـ13 عاماً، سقطت البلاد تحت استعمار الحكم الثنائي، البريطاني المصري، حتى استقلالها عام 1956.

وفي أعقاب الاستقلال، اندلعت الحرب الأهلية، التي انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011، في حين استمرت الحرب في دارفور وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق الجنوبية في عام 2015. حُكمت البلاد من قبل الأنظمة العسكرية التي استولت على السلطة من خلال الانقلابات، باستثناء بعض الفترات الديمقراطية الوجيزة.

العصور القديمة

Sudan Kingdom of Kush Antiquity 700px
Map of the area historically known as the Kingdom of Kush. Source: the British Museum. ©Fanack ©Fanack

مع اقتراب نهاية العصر الحجري الحديث، أنشأ سكان السودان القدماء حضارة إفريقية تحولت فيما بعد إلى مملكة كوش، شمال نقطة ملتقى النيل الأزرق بالأبيض. في المرحلة الأولى، تمركزت مملكة كوش في عاصمتها كرمة، ومن ثم نبتة، عندما غزا الملك قشطة مصر في القرن الثامن قبل الميلاد، مشكّلاً سلالته الحاكمة الخامسة والعشرين في مصر والتي حكمت لقرنٍ من الزمان، إلى أن تمّ طردهم عام 656 قبل الميلاد.

خلال مرحلتها الكلاسيكية، كانت مروي عاصمة مملكة كوش. استمرت مملكة مروي، التي تُعرف وفقاً للجغرافيا اليونانية بأثيوبيا، حتى القرن الرابع بعد الميلاد، عندما ضعفت وتفككت بسبب التمرد الداخلي والغارات القبلية. وفي نهاية المطاف، تمّ الاسيتلاء على عاصمة المملكة الكوشية وإحراقها من قِبل مملكة أكسُوم.

تمتاز آثار الحضارة الكوشية، وفن عمارتها، وفنونها، وممارسات الدفن فيها بالزوايا الحادة. وعلى الرغم من أنّ الأهرامات ذات المنحدرات الحادة والصلبة التي وجدت في مروي وجبل البركل، أصغر حجماً من تلك الموجودة في مصر، إلّا أنّها متعددة. ومع ذلك، لم يتم حتى الآن فكّ رموز اللغة المكتوبة للكوشيين، والتي تعتمد على الهيروغليفية المصرية.

كانت تُعرف كوش باعتبارها أحد أول الأماكن في العالم التي استخرِج منها الخام فضلاً عن إنتاج الحديد لصنع الأدوات الزراعية والأسلحة على حدّ سواء. مكنّت صناعة الحديد الكوشيين من الحفاظ على واحدة من أفضل الاقتصادات في إفريقيا، وازدهار التجارة مع مصر إلى الشمال. أمّا المنتجات الإفريقية النادرة الأخرى، مثل خشب الأبنوس، فقد كان يتمّ تصديرها إلى الحبشة القديمة شرقاً ومصر شمالاً.

الممالك المسيحية


سادت حالة من عدم اليقين بعد سقوط مروي، إلى حين ظهور الممالك المسيحية الثلاث على طول نهر النيل. احتلت النوبة من قِبل سكانها الأصليين، النوبيين، التي سُميت بالمجموعة (س) النوبية المجهولة، حيث حملت تقاليد الدفن الخاصة بهم سماتٍ من الثقافة المروية. هاجم النوبيون وحلفاؤهم، البليميين البدو (البجا)،الرومان في صعيد مصر، إلّا أنّهم تعرضوا للهزيمة.

بدأت المسيحية تبرز في وقتٍ مبكر مع نهاية القرن الأول. فقد استغرق الأمر أكثر من مئتي عام لظهور المملكة المسيحية الأولى نوباتيا (543 بعد الميلاد)، وعاصمتها فرس، التي تقع في أقصى شمال السودان اليوم. تشتهر فرس بكاتدرائيتها، التي نجت من الأسلمة وصمدت إلى أن غمرتها مياه بحيرة ناصر عام 1964، التي تكونت نتيجة تجمع المياه خلف سدّ أسوان العالي في مصر. وفيما بعد، أُسست مملكة المقرة، التي امتدت من دنقلة حتى نهر عطبرة، عام 570 ميلادي، في حين أُسست مملكة علوة إلى الجنوب بعد عشر سنوات، وعاصمتها سوبا بالقرب من الخرطوم.

توسعت مملكة المقرة على حساب نوباتيا وأصبحت المملكة المهيمنة. وبحلول القرن السابع، ازدهرت المقرة وأصبحت قوية بما فيه الكفاية لمقاومة المدّ الإسلامي وغزو العرب الذين استلوا آنذاك بالفعل على مصر. وبعد عدّة غزوات فاشلة، تمكّن العرب من إحراز تقدّمٍ حتى دنقلة، حيث حاصروا المدينة ودمروا الكاتدرائية المسيحية. وبسبب الخسائر الفادحة التي تكبدوها، طلب ملك المقرة التسوية مع عبد الله بن سعد، الذي كان قائد الحملة آنذاك، فوافق. وعُرفت الهدنة باسم “معاهدة البقط“، والتي سمحت بالتعايش السلمي وتبادل التجارة، حيث استمرت هذه المعاهدة سارية المفعول لمدة ستمائة عام. ومع مرور الوقت، أدخل تدفق التجار العرب الإسلام إلى بلد النوبة، ليحل الإسلام تدريجياً محل المسيحية. انهارت سوبا، آخر الممالك النوبية، حوالي عام 1504.

مملكة سنار الفونج وأسلمة السودان

Sennar Sultanate Sudan Antiquity
رسم توضيحي لمجموعة من الفرسان النوبيين في سلطنة سنار يراقبهم تاجر بريطاني. الرسم من قبل المصور التاريخي انجوس ماكبرايد.. Photo Flickr. ©Flickr

أدرك العرب الذين كانوا يعيشون في الممالك المسيحية أنّ أعدادهم كانت كبيرة في الوقت الذي كانت فيه هذه الممالك ضعيفة، وبالتالي تطورت فكرة إنشاء تحالف بين القبائل العربية التي جابت البلاد. جاء عبد الله جمّاع، الذي قاد فيما بعد جماعةً معروفة باسم “العبدلاب”، من المناطق الشرقية التي امتازت بثرائها وقوتها من تجارة البحر الأحمر، ويعود له الفضل في الاستيلاء على سوبا. ومع ذلك، تعرّض جمّاع لمعارضةٍ من قِبل الفونج، وهي جماعة نوبية مُسلمة من القبائل الإفريقية بقيادة عمارة دنقس، والذين جاؤوا من محافظة النيل الأزرق الجنوبية. وبعد عدّة مناوشات انتهت لصالح الفونج، تمّ التوصّل إلى تحالفٍ بين الفونج والعبدلاب بتقسيم البلاد إلى كونفدرالية. حكم الفونج من سنار في الجنوب، بينما تولى العبدلاب القسم الشمالي إلّا أنّها كانت خاضعة لسنار، ممّا زرع بذور التحريض في السودان اليوم.

تمّ تأسيس نظام شبه اقطاعي، وقُسّمت الدولة على أسس جغرافية وعرقية/عنصرية؛ حيث توجّب على كل جزءٍ دفع الضرائب والرسوم لسلطان سنار. كانت سلطنة سنار، التي كانت أيضاً تُعرف بالعربية باسم السلطنة الزرقاء، تُسمى إسلامية، إلّا أنها في جوهرها تمتلك اتجاهاً خفي وقوي غير إسلامي، وبخاصة التقاليد الوثنية القديمة التي كانت تتعارض مع الإسلام

أصبحت العاصمة سنار، مزدهرة من خلال التجارة واستضافت ممثلين من جميع أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا، فقد كانت ثروة وقوة السلاطين نابعة من سيطرتهم على الاقتصاد. كان السلطان يُسيطر على جميع القوافل، بالإضافة إلى موارد الذهب، التي كانت بمثابة العملة الرئيسية للبلاد.

استمر ازدهار سنار لقرنين من الزمان. وفي عام 1762، أطاحت جماعة تُسمى الهمج بالسلطان ونصّبت بعد ذلك عضواً آخر من أعضاء العائلة المالكة سلطاناً لتحقيق مآربها، في حين فرضت أحد أتباعها كوزيرٍ حاكم. كان ذلك بداية صراعٍ طويلٍ بين الفونج وقبائل الهمج من محافظة النيل الأزرق الجنوبية، حيث حاول كلاهما السيطرة على سلطنة سنار. أضعف هذا الصراع المملكة وجعلها لقمة سائغة للغزاة الأتراك.

الغزو التركي

في عام 1821، قاد إسماعيل باشا، قائد الجيش وأصغر أبناء الخديوي العثماني اسمياً في مصر، محمد علي، جيشاً إلى سنار (ينبغي عدم الخلط بينه وبين حفيد محمد علي إسماعيل باشا الذي أُعلن خديوي مصر في 1863). كان هدف الاحتلال في الدرجة الأولى السيطرة على موارد البلاد المادية والبشرية. وكان محمد علي مهتماً بالذهب والرقيق الذي ستوفره له السودان لبناء الدولة الحديثة التي كان يطمح لها في مصر.

تمّ إنجاز الاحتلال على مراحل، كان آخرها ضمّ بحر الغزال، ودارفور، والإقليم الاستوائي في الجنوب. بعد الاحتلال، دخلت البلاد حقبة جديدة، وتطوّرت من مجموعة من الأنظمة السياسية مع علاقات محدودة مع العالم الخارجي إلى كيان سياسي جديد وموحّد.

أثناء الحكم التركي-المصري للسودان، بدأت البلاد الاندماج في الأسواق والسياسات الاقليمية والدولية. وإلى حدٍّ ما، تمّ تحديث الإدارة، وتم إدخال محاصيل وأساليب زراعية جديدة، بالإضافة إلى توسيع التجارة الخارجية. كما تمّ خلال تلك الحقبة تدفق جماعات المستكشفين الأوروبيين في محاولةٍ للوصول إلى منابع النيل.

كانت السياسة الداخلية التركية قاسية جداً، إذ اعتمدت على القمع والجمع القسري للضرائب والجمارك الباهظة، بغض النظر عن قدرة المنتجين المحليين على الدفع. قاوم السودانيون النظام الجديد، وفي النهاية تفجر غضبهم إلى تمرّدٍ بقتل إسماعيل باشا وحراسه الشخصيين في شندي في بداية الغزو، وعلى سبيل المثال، ثورتهم بين عامي 1822-25، والمقاومة القبلية، وتمرّد الجنود الجهادية. مهدّت هذه الأحداث الطريق أمام الثورة المهدية في عام 1881.

المهدية 98-1885


جاءت الثورة المهدية نتيجة قسوة وظلم الحكم التركي. تميزت بالمصطلحات الدينية لتهذيب وتجديد الإيمان كما عبّر عنها قائدها محمد أحمد المهدّي، وهو شخصية دينية صوفية.

في يونيو 1881، دعا المهدي الشعب لدعمه لإسقاط الحكم التركي، حيث بدأت الثورة في جزيرة أبا، على النيل الأبيض. تجمع العديد من الأشخاص على الجزيرة دعماً له، وانضموا إلى القتال في أول معارك الثورة، ظافرين بالنصر. طلب المهدي اللجوء غرباً، في غدير في جبال النوبة، حيث تمكن في عام 1882، من هزيمة جيش من ستمائة جندي بقيادة يوسف باشا الشلالي.

وبحلول سبتمبر 1882، سيطر المهديون على جميع كردفان، وفي 5 نوفمبر 1883 أبادوا جيشاً مصرياً قوامه عشرة آلاف جندي بقيادة جنرال بريطانيفي شيكان. بعد معركة شيكان، أصبحت هزيمة الأتراك مؤكدة، ولم يكن حتى بمقدور الجيش بقيادة الجنرال تشارلز غوردون، الذي أرسل على عجل إلى الخرطوم، إنقاذ الوضع في مصر. وفي 26 يناير 1885، استولى المهديون على الخرطوم وقتلوا الجنرال غوردون.

Mahdi Sudan Antiquity
قبر المهدي ومنزل خليفة في كسلا. Photo Carsten ten Brink

توفي المهدي في يونيو 1885، ليعقب حكم المهدي الخليفه عبد الله بن محمد. تمثلت مهمة الخليفة الأولى في الحفاظ على منصبه ضدّ مؤامرة من قِبل أقارب المهدي. أنشأ نظاماً إدارياً مركزياً للغاية- كان بجوهره، حكماً عسكرياً يقوده طاغية. اختلفت طريقته في التعامل مع شؤون البلاد اختلافاً بسيطاًعن الاحتلال التركي، وأدّت إلى بروز العديد من حركات التمرّد فضلاً عن المعارضة واسعة النطاق لحكمه. تمرّدت بعض القبائل في وسط وغرب السودان ضدّ الخليفة؛ حيث أخمدت الثورات بلا رحمة.

استندت السياسة الخارجية للخليفة على نشر المهدية بالوسائل العسكرية، حيث بعث قواته إلى دارفور، وفي الشرق، هزم الأحباش. وفي جنوب السودان، أجبروا على الخروج من أعالي النيل عام 1897 من قِبل قوات دولة الكونغو الحرة. وعلى الحدود المصرية في الشمال، تعرضت جيوشه لأسوأ الهزائم في توشكي في أغسطس 1889، عندما أباد الجيش الإنجليزي المصري بقيادة الجنرال فرانسيس جرينفيل جيش عبد الرحمن النجومي. هزمت القوات البريطانية الدولة المهدية في 2 سبتمبر 1898، في معركة أم درمان، حيث تمّ ذبح الآلاف من السودانيين.

الحكم الثنائي الإنجليزي المصري 1955-1899

General Gordon Sudan Antiquity
تمثال الجنرال غوردون في الخرطوم والذي بقيّ أمام القصر حتى الاستقلال، ويوجد اليوم على أرض مدرسة غوردون للبنين في المملكة المتحدة. Photo Brian Harrington Spier

في يناير 1899، أعاد اتفاقٌ إنجليزي- مصري الحكم المصري في السودان، ولكن الآن كجزء من حكم ثنائي، أو سيادة مُشتركة تمارسها بريطانيا ومصر. فقد تقاسم الخديوي والتاج البريطاني السيادة في البلاد، ولكن تحملّت الخزينة المصرية الجزء الأكبر من النفقات. في الواقع، لم تكن الشراكة بين البلدين سوى على الورق، حيث سيطر البريطانيون على الحكم الثنائي. فقد كان يتم ترشيح الحاكم العام من قِبل الحكومة البريطانية وتعينه من قِبل خديوي مصر، حيث كان الحاكم يمارس صلاحيته ويقود حكومة الحكم الثنائي من الخرطوم، كما لو كان حكماً استعمارياً. ومع ذلك، بعد العام 1910، أُنشئ المجلس التنفيذي، الذي تطلب الحصول على موافقته لجميع التشريعات والمسائل المتعلقة بالميزانية، لمساعدة الحاكم العام.

خلال فترة الحكم الثنائي، شهد الشمال فقط تنميةً اقتصادية. في أول عقدين، مدّد البريطانيون خطوط التلغراف وخطوط السكك الحديدية، إلّا أنّ الخدمات لم تصل المناطق النائية، وافتتح بورتسودان، على البحر الأحمر، في عام 1906 كمنفذ رئيسي للبلاد على البحر. وفي عام 1911، تم تدشين مشروع الجزيرة الزراعي لتوفير القطن عالي الجودة لصناعة المنسوجات في بريطانيا، كما تمّ الانتهاء من سدٍّ للري بالقرب من سنار في عام 1925. شحن المزارعون القطن إلى الخارج، حيث جعل مشروع الجزيرة القطن أساس اقتصاد البلاد، وتحولت إلى أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في السودان. وبالإضافة إلى ذلك، تمّ إنشاء المدارس الابتدائية والمتخصصة، بما في ذلك كلية غوردون التذكارية التي افتتحت في الخرطوم في عام 1902.

وفي الجنوب، لم تخطُ الإدارة أيّ خطوة جادة نحو التنمية. وفي عام 1922، تمّ سنّ قانون المناطق المغلقة “قانون المناطق المقفولة“، كجزء من سياسة عزل الجنوب. وبموجب هذا القانون، تمّ حظر أو تقييد سفر السوادنيين الشماليين إلى المنطقة الجنوبية، الأمر الذي تطلب موافقة مُسبقة من قِبل محافظي الأقاليم الإنجليز، فضلاً عن فرض قيودٍ على التجارة مع الجنوب. ولكن، أوصى مؤتمر جوبا في عام 1947 بتمثيل الجنوب في المجلس التشريعي.

في عام 1924، أغتيل السير لي ستاك، الحاكم العام للسودان، في القاهرة. أمرت بريطانيا جميع القوات المصرية وموظفي الخدمة المدنية، وموظفي القطاع العام الانسحاب من السودان.

الحركة الوطنية والاستقلال

تعود جذور الحركة الوطنية السودانية إلى نمو الطبقة الاجتماعية الجديدة التي كانت مرتبطة بالتنمية الاقتصادية التي رسختها السُلطات الاستعمارية في قطاع الخدمات، والصناعة، والزراعة، وكذلك إلى النظام التعليمي الذي أُنشئ حديثاً من قِبل الإدارة الاستعمارية البريطانية.

وفي هذا الصدد، تختلف هذه الحركة الوطنية بشكل ملحوظ عن المهدية أو التمرد القبلي الذي اعتمد فقط على إحياء أو تكرار المهدية. تطورت الحركة الوطنية في المدن وخاطبت السكان هناك، مع تردد صداها في بعض المناطق الريفية، خاصةً عندما شارك الزعماء الدينيون أنفسهم في السياسة.

تحالفت القطاعات التقليدية للمجتمع- تلك التي تعاونت مع الإدارة الاستعمارية في الإدارة المحلية- مع السُلطات ضدّ الحركة الوطنية الناشئة التي كانت تطمح للتحرير، وتنظر إلى مصر كمثالٍ وحليف. طالبت الحركة بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري.

أولى التنظيمات التي تمّ تأسيسها هي جمعية الوحدة السودانية بقيادة علي عبد اللطيف، وهو ضابط في الجيش السوداني سُجن عام 1921 بتهمة التحريض. في عام 1924، تم تشكيل تنظيم جديد باسم جمعية اللواء الأبيض، الذي كان يهدف إلى طرد البريطانيين من البلاد. عمت المظاهرات مدينة الخرطوم في شهريّ يونيو وأغسطس من ذلك العام، ولكن تمّ قمعها. عند اغتيال السير لي ستاك، الحاكم العام، في القاهرة في 19 نوفمبر 1924، أجبر البريطانيون الجيش المصري على الانسحاب من السودان، وتغلّب الإنجليز على كتيبة سودانية تمردت دعماً للمصريين. انتهت الثورة السودانية، وبقي الحكم البريطاني دون منافس إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

انتهى السلام الطويل الذي ساد منذ عام 1924 في عام 1936، عندما تمّ توقيع المعاهدة البريطانية- المصرية، والتي سمحت للمسؤولين المصريين بالعودة. احتجّ السودانيون من المثقفين لعدم التفاوض على مستقبل السودان وعدم استشارتهم. في هذه الأجواء، تمّ تأسيس مؤتمر الخريجين، الذي بقي الكيان السوداني السياسي الرئيسي حتى ظهور الأحزاب السياسية السودانية عام 1946. استلهم قادة مؤتمر الخريجين تجربة المؤتمر الهندي. في البداية، اقتصر المؤتمر على الأنشطة الاجتماعية والإصلاحية، إلّا أنّه انتقل تدريجياً إلى عالم السياسة. رفضت الإدارة، في البداية، الاعتراف بالمؤتمر كهيئة تمثيلية للسودانيين، على الرغم من أنّها فعلت ذلك، آخذين بعين الاعتبار التأييد الواسع الذي يتمتّع به المؤتمر على أرض الواقع.

كان هناك اتجاهين داخل المؤتمر- المعتدلون الذين شكلّوا الأغلبية، والمتطرفون. مال المعتدلون إلى التعاون مع السُلطات، في حين اتجه المتطرفون بقيادة إسماعيل الأزهري، الذي أصبح فيما بعد أول رئيس وزراء سوداني، إلى مصر، وسرعان ما اكتسبوا الدعم داخل وخارج المؤتمر. تمكّن الأزهري من السيطرة على المؤتمر بدعمٍ من حزب الأشقاء، أول الأحزاب السياسية السودانية، تحت رعاية السيد علي الميرغني، وهو زعيم الطائفة الدينية الختمية. كما أسّس المعتدلون حزباً خاصاً بهم، حزب الأمة، بدعمٍ من السيد رحمان المهدي، نجل المهدي وزعيم طائفة الأنصار، بنية التعاون مع البريطانيين إلى جانب السعي للاستقلال، تحت شعار “السودان للسودانيين.”

وإلى جانب الحركة السياسية، تأثّرت الحركة النقابية السودانية بقيادة عمّال السكة الحديدية السودانية، بالحزب الشيوعي السوداني، وتمكّنوا من تشكيل اتحاد نقابي كسب الاعتراف الرسمي. كما عُرف المزارعون بنشاطاتهم وشكّلوا نقابة خاصة بهم، تحت راية يسارية، وساهموا كثيراً في النضال ضدّ الاستعمار.

استقلال السودان
استقلال السودان، رفع العلم في الأول من يناير 1956 من قبل رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة محمد أحمد محجوب. ©Flickr

حاولت الإدارة الاستعمارية تقديم نوعٍ من التحول الدستوري الذي من شأنه أن يسمح بمشاركة السودانيين في حكم البلاد، ولكن بعد فوات الأوان. اقترحوا إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان، يتألف من الحاكم العام و28 سوداني، إلّا أنّ المجلس واجه مقاطعة من قِبل الحركة النقابية القوية والطائفة الختمية، في حين انضم حزب الأمة وطائفة الأنصار وأيّدوا مجلس الشورى. المصير ذاته واجه الهيئة التي أطلق عليها الجمعية التشريعية، التي شملت جنوب السودان، وهو تغييرٌ من السياسة البريطانية التي سعت في البداية إلى عزل الجنوب.

وأعلنت السيادة المصرية على السودان بعد انقلابٍ عسكري بقيادة جمال عبد الناصر الذي أطاح بالملكية وتولى زمام السُلطة. كان القادة الجدد على أتم الاستعداد لرفض فكرة السيادة على السودان، ووافقوا على استقلال البلاد. وفي ضوء ذلك، تم توقيع المعاهدة البريطانية المصرية عام 1953، التي منحت الحكم الذاتي وحق تقرير المصير للسودانيين في غضون ثلاث سنوات. عُقدت فيما بعد انتخاباتٌ لاختيار برلمان تمثيلي لحكم السودان في نوفمبر وديسمبر 1953، الذي نتج عنها فوز الأزهري، الذي وافق، على الرغم من أنّ حزبه الاتحادي من أشد المؤيديين للوحدة، على دعم التصويت لصالح الاستقلال في البرلمان أواخر عام 1955. استقلت السودان في يناير 1956.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©Fanack | ©Flickr | ©Flickr | ©Flickr | ©Flickr

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.