فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / السكان في السودان

السكان في السودان

السكان في السودان
مشاركين في برنامج الغذاء العالمي، برنامج الغذاء مقابل الأصول، الذي يوفر للناس الوصول الحيوي للغذاء والمياه إلى جانب تحسين وإصلاح البنية التحتية، تينا، شمال كردفان. Photo Mohamed Siddig/WFP​

المحتويات

الفئات العمرية
المناطق السكنية
الديناميكا السكانية
الجماعات العرقية
الدين
الهجرة والتحضر
توزيع الدخل والفقر
التركيبة الاجتماعية

المقدمة

في ظل غياب إحصاءات رسمية لتعداد السكان، قدر عدد سكان السودان بنحو 40.53 مليون نسمة في نهاية عام 2017م، وفقًا لـ بيانات الأمم المتحدة، مناصفة تقريبًا بين عدد الذكور وعدد الإناث، بنسبة نوع 99.9 ذكر لكل 100 أنثى. وبلغ متوسط معدل النمو السنوي للسكان بين عامي 2010م و2017م نحو 2.5%.

والسودان بلد يمتاز بتنوعه العرقي، حتى بعد استقلال جنوب السودان عام 2011م؛ وقد شكل إجراء إحصاء رسمي دقيق للسكان في السودان تحدياً طوال تاريخ البلاد الحديث المضطرب. فلطالما كان العدد الدقيق للسكان في السودان وتكوينه العرقي مسألة خلافٍ سياسي. فعلى سبيل المثال، اتهمت حكومة جنوب السودان، حكومة الخرطوم بتعمد التلاعب ببيانات التعداد في المناطق الغنية بالنفط. وعلاوة على ذلك، كان من الصعب، بسبب الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية، الوصول إلى جميع أنحاء البلاد في وقتٍ واحد لإجراء إحصاء دقيق. وسجل التعداد الرسمي الخامس والأخير، في عام 2008م، عدد سكان السودان -الشمالي حينئذ- بنحو 30.9 مليون نسمة، ما شكل 79% من مجموع سكان السودان ما قبل الانفصال بشقية الشمالي والجنوبي.

اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وهناك لغات محلية سائدة كالنوبية وبعض اللغات المحلية واللغة الإنجليزي.

تظهر الخريطة مدن السودان من حيث عدد السكان إلى جانب نظرة عامة على الكثافة السكانية في السودان. إضغط للتكبير. Fanack©


وتتميز التركيبة السكانية في السودان بالتنوع العرقي والديني واللغوي، فهناك العرب والزنوج والبجا والنوبيون وغيرهم. الغالبية العظمى هم مسلمون بنسبة 96.7%، وباقي الديانات تتراوح بين 3% مسيحيون في شمال السودان والخرطوم وجبال النوبة، وحوالي 0.03% ديانات تقليدية في منطقتي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق.

الفئات العمرية


المجتمع السوداني مجتمع فتي، حيث بلغت نسبة ما هم دون سن الخامسة عشر عامًا نحو 40.8% من جملة السكان في عام 2017م، وفقًا لـ بيانات الأمم المتحدة، فيما 53.7% وقعوا في الفئة العمرية 15-64 عامًا، بينما 5.5% كانوا عند 65 عامًا وما فوق.

ويقدر معدل الخصوبة لدى المرأة السودانية خلال عام 2018م بـ4.85 مولودًا لكل امرأة؛، وقُدر متوسط مدة الحياة المتوقع في العام ذاته بـ 65.8 سنة (63.7 سنة للذكور، و68.1 سنة للإناث).

المناطق السكنية


بلغت الكثافة السكانية عام 2017م في السودان 23 شخصًا/كم2، ووفقًا لبيانات البنك الدولي استحوذت المناطق الحضرية على 34.7% من مجموع السكان، فيما الغالبية 65.3% يعيشون في المناطق الريفية.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة تحتل العصمة الخرطوم المرتبة الأولى في البلاد من حيث عدد السكان بـ 5.13 مليون نسمة. وكان الجهاز المركزي للإحصاء أعلن عن تحضيرات تجري منذ العام 2016م لإجراء تعداد شامل للسكان والمساكن سيجري عام 2018م بتكلفة 50 مليون دولار.

الديناميكا السكانية

سكان السودان من الشباب، حيث أنّ حوالي 60% من مجموع السكان تقل أعمارهم عن 24 عاماً. إنّ حقيقة أنّ 3% فقط من السكان فوق سن الـ65 عاماً تعكس انخفاض متوسط العمر المتوقع عند الولادة؛ حيث يبلغ عمر الرجال 61 عاماً، والنساء 65 عاماً، ومتوسط عمر منخفض جداً يصل إلى 18,9 عاماً.

تحسّن متوسط العمر المتوقع في السودان إلى حدٍ كبير، إذ ارتفع من متوسط 43 عاماً عام 1983، على الرغم من تحسنه بوتيرة أبطأ منذ عام 2006. وقد انخفض معدل النمو السكاني في السودان بشكلٍ مطرد منذ ذلك الحين، إلى مستواه الحالي البالغ 1,78%. فضلاً عن ذلك، فإن معدلات الوفيات في السودان مرتفعة، مع 17 حالة وفاة لكل 1000. وعلى الرغم من ارتفاع معدل وفيات الأطفال، ووجود أحد أعلى معدلات الوفيات للأمهات في العالم (52,86 وفاة/ 1,000 ولادة)، يتواصل نمو السكان. ويتوقع أن يصل عدد سكان السودان بحلول عام 2025 إلى 42,7 مليون نسمة.

أحد الجوانب المثيرة للانتباه في التركيبة السكانية في السودان أنّ نسبة الذكور إلى الإناث عند الولادة هو 105 ذكور إلى 100 من الإناث؛ وهو رقم يتغير بشكلٍ ملحوظ لدى الفئة العمرية ما بين 24 عاماً إلى 54 عاماً، حيث تبلغ 94 ذكور و100 إناث. وقد يعزى ذلك إلى هجرة الذكور للعمل في الخارج، وحقيقة أن الشباب الذكور يموتون بمعدل أعلى من الإناث، وخصوصاً خلال الحروب الأهلية.

مجتمع السودان مجتمع تقليدي، حيث يُعيل الذكور غالبية الأسر. 28% من الأسر تُعيلها النساء، حيث ترتفع هذه النسبة بشكلٍ أكبر في المناطق الريفية. بالإضافة إلى ذلك، يبلغ متوسط حجم الأسرة في السودان ما يقرب من سبعة أشخاص.

الاسقاطات الساكنية المحتملة في السودان. المصدر: UN World Population Prospects, the 2015 Revision. إضغط للتكبير. @ Fanack
معدل وفيات الرضع مقارنة مع معدل وفيات الأمهات في السودان. المصدر: World Data Bank. إضغط للتكبير. @Fanack

الجماعات العرقية

السودان بلدٌ متنوع بشكلٍ كبير على المستويين العرقي والجغرافي. ووفقاً لأرقام صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، يشكل السوادنيون العرب حوالي ثلثيّ السكان في السودان. من بينهم الكبابيش في شمال كردفان، وهم مشهورون بتربية الإبل؛ وقبائل الجعليون والشايقيّة التي استقرت على طول الأنهار؛ ومجتمعات البقارة من البدو الرحل في كردفان ودارفور؛ والشكرية والبطاحين العرب في شرق السودان.

بقية السكان تتألف من جماعات عرقية أخرى؛ وهي البجا في الشرق، والنوبيين في أقصى الشمال، والفور والزغاوة في دارفور، والإنقِسنّا في منطقة جنوب النيل الأزرق، والنوبة في الجبال في جنوب كردفان، وغيرها من الشعوب. تقسّم هذه الفسيفساء من الشعوب إلى حوالي 600 قبيلة بأحجام مختلفة والمنتشرة في جميع أنحاء البلاد، فضلاً عن وجود 300 لغة ولهجة.

يشكك بعض الباحثين والنشطاء بنسبة العرب في السودان، حيث أن هناك خلافات سياسية وأيديولوجية حول من عربي ومن لا. ويجادل البعض أنّ تحدث اللغة العربية فحسب لا يجعل الأفارقة عربا وأنّ معظم القبائل الناطقة باللغة العربية التي تعيش على طول النيل شمال الخرطوم هي في الحقيقة من النوبيين المستعربين.

هاجرت القبائل العربية في شمال السودان في الأصل في القرن الثاني عشر، وتزاوجوا مع السكان الأصليين، وأدخلوا الإسلام إلى البلاد. اللهجة السودانية العربية هي اللغة الأم لحوالي 70% من السكان، وهي اللغة السائدة في البلاد بأجمعها، واللغة الرئيسية في التعليم والإعلام. ويعود تفوق اللغة والثقافة العربية إلى موجات الهجرات العربية في القرن الثاني عشر. كما ساهم انتشار الإسلام في السودان بعملية طويلة من تعريب الشعب السوداني. فضلاً عن ذلك، هناك عدد هائل من اللغات واللهجات المحلية (غير المكتوبة) لمختلف المجموعات العرقية والتي يتم التحدث بها في المناطق الريفية.

استخدمت الهوية العربية والإسلام كأساس للتوحيد الوطني من عصر سلطنة الفونج إلى المهدية والحكم الانجليزي المصري المشترك. كما أنّ صعود الإسلام السياسي في الثمانينيات، والتوزيع غير المتكافىء على نحوٍ متزايد للتنمية، وتهميش المناطق الخارجية، أجج مشاعر إقصاء الجماعات العرقية غير العربية في السودان، وبالتالي خلق الأزمة الحالية للهوية في السودان.

ولا تزال التراكيب القبلية من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المهمة في السودان. كما ساهمت الحروب الأهلية والصراعات العرقية والاقتصادية في المناطق المهمشة في السودان في تصاعد تأثير العوامل القبلية واستمرار ظهور الولاءات القبلية على حساب قوة الحكومة المركزية في السودان. كما يعتبر التمثيل في الحكومة الوطنية على أسس قبلية- عرقية حقيقة من حقائق الحياة في السياسة السودانية منذ عقود.

السكان السودان قبيلة البقارة
نساء من قبيلة البقارة يجلبون الماء. Photo Rita Willaert

السكان السودان انقسانا
سكان تلال انقسانا يفرون من العنف عام 2012.Photo Jerome Tubiana/Crisis Group

السكان السودان الفولانيين في منطقة النوبة
نساء من الفولانيين في منطقة النوبة. Photo Rita Willaert

الدين

السودان بلدٌ مسلم بالكامل تقريباً (97% وفقاً لأرقامٍ حكومية). المذهب السُني المالكي هو المدرسة السائدة للإسلام التي يلتزم بها السكان المسلمين. هناك أقليات صغيرة من غير المسلمين، التي تتألف من المسيحيين في جبال النوبة بالقرب من الحدود مع جنوب السودان، وبضعة آلاف من الأقباط المسيحيين من أصول مصرية، الذين يعيشون بشكلٍ رئيسي في الخرطوم، والذين استقروا في السودان على مدى القرنين الماضيين. بعد تنفيذ قانون الشريعة الإسلامية في السودان في عام 1983 والأسلمة الشاملة التي تقوم بها حكومة عمر البشير، هاجر العديد من الأقباط من السودان.

ينقسم المسلمون السُنة في السودان بشكلٍ أساسي إلى طائفتين رئيسيتين، الختمية والأنصار. يظهر هذا الانقسام في المجال السياسي، حيث دعمت الختمية الحزب الاتحادي الديمقراطي، في حين دعم الأنصار حزب الأمة. كما أنّ الزعماء الروحيين لهاتين الطائفتين هما أيضاً الزعماء السياسيين لتلك الأحزاب. لا توجد فروق دينية ذات أهمية بين هاتين الطائفتين المهيمنتين، فالإنقسام الطائفي سياسي، إذ يتعلق بدور كل طائفة منذ الثورة المهدية في الثمانينيات والتحالفات السياسية الداخلية والخارجية. تقليدياً، يُغطي النفوذ الطائفي والسياسي للأنصار جنوب وغرب البلاد، في حين تقع معاقل الختمية في الشرق والشمال.

ظهرت الحركات الإسلامية المتطرفة نسبياً بين المواطنين المثقفين في المدن مطالبين بإقامة دولة إسلامية تُطبق الشريعة الإسلامية. هذه المجموعات، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي استمرت بأسماء مختلفة طوال تاريخ السودان وشكلت تحدياً للطوائف الدينية التقليدية، استولت على السُلطة عام 1989.

بالإضافة إلى ذلك، ظهرت جماعة إسلامية محافظة من السلفيين السُنة باسم أنصار السُنة، وهي مدعومة بقوة وبخاصة من الناحية المالية، من قِبل الجماعات السلفية المماثلة لها في المملكة العربية السعودية. بقي أنصار السنة بعيدين عن السياسة لفترة طويلة من الزمن بعد ظهورهم في الستينيات، إلا أنهم بدأوا مؤخراً بالمشاركة في الحياة السياسية، كما أنّ بعض قادتهم جزء من الحكومة الحالية.

كما تجذب الطرق الصوفية المختلفة أيضاً أعداداً كبيرة من المناصرين في السودان، في كلٍ من المناطق الريفية والحضرية، ولعبت دوراً هاماً في نشر الإسلام في السودان وبقية شمال أفريقيا.

السكان السودان المسيحون
كاتدرائية سانت ماثيو في الخرطوم. Photo David Stanley

السكان السودانكنيسة كاثوليكية في أبيي،
اجتماع أحد الشعانيين في كنيسة كاثوليكية في أبيي، وهي منطقة متنازع عليها على طول الحدود بين السودان وجنوب السودان. Photo Caritas International/Flickr

السكان السودان رجال صوفيون
رجال صوفيون أثناء خطبة الجمعة في أم درمان. Photo Swiatoslaw Wojtkowiak

الهجرة والتحضر

تعتبر الهجرة عاملاً مهماً في الديناميكا السكانية في السودان. قبل الاستقلال بفترة طويلة، شهد السودان موجات من المهاجرين من غرب افريقيا في القرن الثامن عشر. كما هاجر آلاف السودانيين داخلياً، سواء بصفة دائمة أو مؤقتة. كانت أول هجرة جماعية موسمية ودائمة هجرة الأفراد من دارفور إلى منطقة الجزيرة كعمال في مزارع القطن في الأربعينيات. وفي وقتٍ لاحق، تم تشريد أعداد هائلة من البدو بسبب انتشار الجفاف والمجاعة التي أثرت على المناطق الشمالية الغربية من البلاد، وشماليّ دارفور وشماليّ كردفان، عام 1984.

ازدادت الأمور سوءاً مع تصاعد الحرب الأهلية في أواخر الثمانينيات ومن ثم في دارفور بداية عام 2003. وبحلول نهاية عام 2014، كان هناك 2,3 مليون نازح داخلياً، وذلك وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مما يجعل السودان يأوي واحداً من أكبر تجمعات النازحين داخلياً في العالم. ازدادت الهجرة بين الولايات خمسة أضعاف منذ الستينيات، أغلبها من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، بحثاً عن فرص للعمل وخدمات اجتماعية أفضل، وبالتالي أضعف القدرة الإنتاجية الريفية في السودان.

نتج عن توزيع السكان غير المتكافىء الناجم عن هجرة العمال والنازحين اختلافات كبيرة في الكثافة السكانية بين الولايات، حيث أنّ ولاية الخرطوم- المنطقة الأكثر كثافة سكانية – خمسة عشر ضعفا عن المعدل الوطني.

كما يستضيف السودان أعدادأ هائلة من اللاجئين من الدول المجاورة. وتُقدر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه، بحلول نهاية عام 2015، ممكن أن يصل عدد اللاجئين وطالبو اللجوء في البلاد إلى 460,000، معظمهم من إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان. ومع ذلك، فإن تقديرات الحكومة السودانية أعلى بنسبة 50% على الأقل من المفوضية.

هناك على الأقل 300,000 سوداني من دارفور ممن لجأوا إلى تشاد بعد اندلاع الحرب الأهلية في دارفور عام 2003، وحوالي 150,000 سوداني في جنوب السودان.

السكان السودان القطن
حصاد القطن. Photo Arne Hoel/World Bank

السكان السودان مخيم أبو شوك
مستوطنة للنازحين في مخيم أبو شوك، الفاشر.Photo UNEP

ويعيش حوالي 1,3 مليون سوداني كلاجئين في دولٍ أخرى، معظمهم في المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى. ويعتبر المهاجرون السودانيون ثاني أكبر مصدرٍ للنقد الأجنبي الذي يحتاجه الاقتصاد الوطني بشدة، إلا أنّ هؤلاء المهاجرين أيضاً يقعون ضمن قائمة هجرة الأدمغة بالنسبة لبلد فقير مثل السودان.

توزيع الدخل والفقر

يُصنف السودان بين أفقر الدول في العالم، حيث صُنف من قِبل الأمم المتحدة باعتباره من الدول ذات الدخل المنخفض. يُقدر الناتج المحلي الإجمالي في السودان بـ73,80 مليار دولار، حيث سُجل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في السودان أخيراً بـ987 دولار عام 2014. وعلى صعيدٍ آخر، نما اقصاد السودان بشكلٍ كبير بسبب الطفرة النفطية بين عاميّ 1998 و2011، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد من 533 دولار أمريكي ليصل إلى 987 دولار أمريكي عام 2014، مما حدّ من الفقر المدقع الذي وصل إلى ما نسبته 85% عام 1990 ليُصبح اليوم ما نسبته 47%.

تعكس أرقام المنظمات الدولية حول اقتصاد السودان نمواً سريعاً خلال العقدين الماضيين. ومع ذلك، على أرض الواقع، يعيش ما يقرب من سوداني واحد من أصل إثنين، أي 46% من السكان، تحت خط الفقر بأقل من ثلاث دولارات في اليوم، غير قادرين على توفير ما يسد رمقهم من الطعام. وفي حين أن النمو الاقتصادي ضروري، إلا أنه لا يكفي للحدّ من الفقر.

تشّكل الفوارق الجغرافية في الفقر قضية سياسية شائكة، مما يسبب اضطرابات كبيرة تؤثر على استقرار البلاد. يبلغ أدنى معدل للفقر في ولاية الخرطوم بنسبة 26%، في حين أنّ شمال دارفور الأعلى بنسبة 69%. الولايات الأربع الميسورة الحال هي الخرطوم والجزيرة وشمال دارفور ونهر النيل. ويعود هذا بلا شك إلى تركيز التنمية والموارد الاقتصادية في هذه المناطق من السودان حيث توجد القوة السياسية والمراكز الحضرية. وعليه، فإن غالبية الاستثمارات الضخمة في البُنية التحتية، مثل الطرقات والجسور والاتصالات وبناء المصانع الجديدة، خلال سنوات الطفرة النفطية، تمت في هذه المناطق الأربع المتميزة.

السكان السودان الطلاب
صبية في أحد مدارس منان تلكوك، ولاية كسلا. Photo World Bank Photo Collection

 الجفاف السكان السودان
عانى السودان من عدد من سنوات الجفاف الطويلة والمدمرة.. Photo David Jensen/UNEP

يعاني سكان المناطق الريفية في السودان من فقرٍ أكبر من أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية، ولكن هناك فوارق حتى في المناطق الريفية وبين المزارعين المستقرين وجماعات البدو الرحل؛ حيث يشكل البدو الرحل ما نسبته 9% من سكان السودان و14% من سكانها الفقراء.

كما يعاني سكان قطاعيّ الزراعة البعلية التقليدية وتربية المواشي من مستويات أعلى من الفقر من أولئك الذين يقطنون المناطق التي تعتمد على الزراعة المروية. كما أنّ الاعتماد على النفط منذ عام 2000 أضر الزراعة بشكلٍ عام، سواء التقليدية أو الحديثة، في السودان.

وفي حين أنّ الحكومة، والشركات المحلية والأجنبية، والاستثمارات، محصورة بمشاريع النفط المربحة الناشئة حديثاً، تم تخصيص القليل من الموارد للزراعة، التي كانت العمود الفقري للاقتصاد الوطني قبل النفط.

فاقمت الحروب الأهلية والصراعات الفقر، وشردت سكان المناطق الريفية، وأوقفت الأنشطة الانتاجية، وجذبت الشباب للمشاركة في القتال الدائر، لذا فمن غير المستغرب أنّ المناطق التي تعاني من الصراع، مثل جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور، تعاني بشكلٍ أكبر من الفقر والحرمان. ولكن يمكن للمرء القول أنّ الفقر سبب الصراع وليس نتيجةً له.

ويبيّن التاريخ الاجتماعي- الاقتصادي الحديث للسوادن أنّ المناطق المعرضة للجفاف، مثل البحر الأحمر، وشمال دارفور، وشمال كردفان، أكثر عُرضة للفقر من غيرها من المناطق التي تمتاز بوفرة مواردها الطبيعية.

كما أنّ التفاوت القائم على نوع الجنس من القضايا الجوهرية في السودان. فالفقر بين الأسر التي تُعيلها النساء يصل إلى حوالي 35%، بينما تصل نسبته إلى 29% في الأسر التي يُعيلها الرجال. بالإضافة إلى ذلك، فإن حوالي 60% من النساء حاصلات على درجة أقل من التعليم الابتدائي، مقارنةً بما نسبته 50% من الرجال.

ستتم تخفيف جميع هذه الفروقات بسياسة حكومية فعّالة بمعالجة الأسباب الجذرية – إنهاء الحروب والصراعات الأهلية، وتحقيق السلام الدائم والعدالة والتنمية المُنصفة والمتساوية، والاستثمار في المناطق الريفية وفي الزراعة، وما إلى ذلك.

التركيبة الاجتماعية

تسببت التطورات والتغييرات الهائلة التي حصلت في السودان منذ الثمانينات، بسبب الصراعات المسلحة، والطفرة النفطية قصيرة الأجل، وانفصال جنوب السودان، بتغير التركيبة الاجتماعية في السودان بشكلٍ مستمر.

التقسيم التقليدي لطبقات عُليا ووسطى ودُنيا، لم يكن، أو في الأحرى لم يسبق أن كان مطبقاً في السودان. فحتى الثمانينات من القرن الماضي كانت الحكومة أكبر أصحاب العمل في السودان، لذا فإنّ كبار موظفي الحكومة وذوي الرتب المتوسطة، بما في ذلك موظفي الخدمة المدنية والمهنيين مثل المحامين والمعلمين، وضباط الجيش والشرطة، والأطباء، شكلوا نوعاً من الطبقة المتوسطة. وفي المناطق الريفية، كان التجار المحليون، وأصحاب المقامات الرفيعة، وزعماء القبائل، يمثلون الأفراد الذين يعملون في الإنتاج الزراعي والحيواني. وكان هناك أيضاً شريحة صغيرة نسبياً، ولكنها مهمة، من عمّال السكك الحديدية والمصانع.

وفي السودان اليوم، تغير هذا المشهد بشكلٍ كبير. فقد غيرت الهجرة إلى المراكز الحضرية، وإفقار المزارعين في المناطق الريفية والصراعات، والاضطرابات في المناطق الخارجية، التركيبة الاجتماعية في البلاد.

فقد ارتفع معدل البطالة في السودان إلى 19,5% عام 2014 من 15,9% عام 2011. البطالة مرتفعة على وجه الخصوص بين الشباب، بما في ذلك الآلاف من خريجي الجامعات، إذ يحاول عشرات الآلاف كسب العيش كباعة متجولين في الشوارع.

كما أصبح قطاع الدفاع والأمن، الذي يتلقى أكثر من 60% من الإنفاق الحكومي، مصدراً مهماً لتوظيف الشباب البائس، وبخاصة في المناطق الريفية. ومع خسارة الشركات والأسر التقليدية التي تعمل في تجهيز وتصدير المنتجات الزراعية أراضيها، ظهر صنف جديد من رجال الأعمال الذين يعتمدون على المعارف والعلاقات السياسية والحكومية لتأمين العقود الحكومية المربحة. فقد أصبح بناء والحفاظ على العلاقات مع مستويات عُليا في الحكومة أكثر الطرق فعالية للقيام بالأعمال التجارية.

السكان السودان ضباط الشرطة
حفل تخريج ضباط الشرطة المدربين حديثاً من جنود الجيش الشعبي السابقين، بمن فيهم 69 امرأة. Photo Tim McKulka/UN

السكان السودان أحياء الخرطوم الفقيرة
لقطة من أعلى سطح لأحياء الخرطوم الفقيرة. Photo Stephen Riley

السكان السودان الأحياء الفقيرة بور سودان
الأحياء الفقيرة المبنية على الرمال في بور سودان. Photo Flickr

تُسيطر طبقة رجال الأعمال الجديدة، بشكلٍ أكبر، على الميدان العام من خلال التحكم بوسائل الإعلام وقنوات التلفزيون الخاصة. وفي حين تتدهور أوضاع النقابات العمّالية والمهنية، والمنظمات الاجتماعية والأهلية، وتفككها، يسعى المزيد والمزيد من الأشخاص، حتى في المراكز الحضرية، إلى البحث عن ملاذٍ آمنٍ في الكيانات القبلية ومن يربطونهم بصِلة قرابة، للحصول على الدعم والتكافل في وجه السياسات والإجراءات الحكومية المتطفلة على نحوٍ متزايد.

من ناحيةٍ أخرى، يعيش سكان الأحياء الفقيرة ومدن الصفيح الضخمة في ضواحي الخرطوم وغيرها من المدن الكبرى في ظروفٍ مروعة، في حين أن سكان الأحياء الراقية يعتبرونهم تهديداً اجتماعياً وأمنياً خطيراً.

وخلافاً لضحايا الجفاف في الثمانينيات، يتمتع النازحون داخلياً اليوم بوعي سياسي أكبر، مما يجعلهم يشكلون تحدٍ أكبر للطبقات الحاكمة. كما تتسبب الهجرات الجماعية الكبيرة للسكان أيضاً بتأجيج التوترات العرقية والاشتباكات في كلٍ من المراكز الإقليمية والمناطق الريفية.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.