فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / السودان / المجتمع في السودان / المرأة في السودان: حضورٌ فاعل في الحياة العامة وسط كوابح متكاثرة

المرأة في السودان: حضورٌ فاعل في الحياة العامة وسط كوابح متكاثرة

Sudan- Sudanese women
Photo AFP ©AFP ⁃ ASHRAF SHAZLY

تسجل المرأة في السودان حضوراً فاعلاً في الحياة العامة، وتمثل نسبة كبيرة من الدارسين في المؤسسات التعليمية، والعاملين في الخدمة المدنية، ودورها البارز في النشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي. ومع ذلك تواجه العديد من الكوابح والقيود التي تفرضها قيم وعادات المجتمع التقليدي المحافظ وقوانين الدولة التي ازدادت تعارضاً مع تطلعات النساء للمساواة والحرية عقب استلام الإسلاميين للسلطة في 1989.

وصلت المرأة السودانية إلى الحكم في عصر الممالك النوبية قبل الإسلام والمسيحية، واشتهرت من ملكات ذلك الزمان أمانجي ريناس، وشنكد خيتو، وأماني شاخيتو.

افتتحت أول مدرسة للبنات في العام 1907 بمدينة رفاعة جنوب الخرطوم. بدأت تتبلور الحركة النسوية السودانية في النصف الأول من القرن العشرين، وصولاً إلى تكوين “الاتحاد النسائي السوداني” في العام 1952، الذي حمل لواء المطالبة بحقوق النساء السياسية والاجتماعية. وأفادت إحصائية حكومية سودانية في 2008 أن هناك أكثر من 700 منظمة نسوية عاملة في السودان. وتُعد “مبادرة لا لقهر النساء” أنشط الفعاليات النسوية في الساحة السودانية حالياً.

أول برلمانية منتخبة في افريقيا

كانت المرأة السودانية رائدة وسباقة في العديد من المجالات على المستويين الأفريقي والعربي، فظهرت أول صحيفة نسائية في 1955. ومنذ الانتخابات البرلمانية الأولى التي قامت في 1953 كان للمرأة حق التصويت، وصار هناك طبيبات وإعلاميات وقياديات سياسيات استطاعت إحداهن، وهي فاطمة أحمد إبراهيم، أن تفوز في الانتخابات النيابية لعام 1965 لتصبح أول نائبة برلمانية منتخبة في أفريقيا والشرق الأوسط. ومع أواخر الستينات كانت المرأة السودانية قد نالت حق المشاركة في كل مجالات العمل، وكسبت تقنين المساواة في فرص التأهيل والتدريب والترقي، والحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي، والدخول في الخدمة التقاعدية.

في عام 1971 صارت نفيسة أحمد الأمين أول وزيرة سودانية. وحالياً يبلغ عدد النساء في مجلس الوزراء الاتحادي سبع نساء من إجمالي 48 عضواً، وتبلغ نسبة المعلمات 69%، والمحاميات 41%، وضابطات الشرطة 10%، فيما تصل نسبة الطالبات في مؤسسات التعليم إلى 51%. أما عضوات البرلمان فيبلغ عددهم 78 من إجمالي 354 عضواً حالياً، وينص قانون الانتخابات السوداني على تخصيص نسبة 30% (كوتة) من مقاعد المجلس التشريعي المركزي والمجالس الولائية، وذلك عبر قوائم انتخابية منفصلة للمرشحات.

وتعتبر الكاتبة دواجة العوني أن “الدور البارز الذي تلعبه المرأة السودانية في مجتمع يغلب عليه الطابع التقليدي المحافظ يُعد من المفارقات التي يلاحظها كل من زار السودان.” وترى أن الشخصية التحررية للمرأة في السودان ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج ميزة اجتماعية انطبعت في شخصية السودانيين رجالاً و نساءً، بفعل التأثيرات الأفريقية التي جعلتهم أكثر تلقائية مع الجسد وأكثر عفوية في سلوكياتهم،” وتقول إن ذلك قد يعود أيضاً إلى التراث الصوفي القوي في السودان والمتسم بنمط إسلام شعبي وبسيط ومتسامح ويساوي بين الجنسين.

ختان الاناث

لكن وعلى الرغم من قيم التسامح الموجودة في الثقافات السودانية التقليدية، فإن النساء السودانيات واجهن، تحت طائلة التشريعات والعرف والتقاليد القبلية، صعوبات وأشكال عديدة من التمييز والقهر والعنف، من أبرزها “الختان، أو الخفاض،” الذي ظل يمارس على مدى مئات السنين.

وكانت التشريعات السودانية قد جرمت ختان الإناث منذ العام 1947، ولكن القانون الجنائي السابق (قانون 1983) ومن بعده القانون الجنائي لعام 1991 النافذ حالياً يخلو من أي إشارة لتجريم هذه الممارسة. وعلى الرغم من الجهود الشعبية والرسمية التي بذلت لمكافحة ختان الإناث إلا أنه لا زال مستشرياً، خاصة في الأرياف. وأشارت إحصائية حكومية في عام 2016 إلى أن نسبة ممارسته انخفضت إلى 31.5% بين الفتيات أقل من 14 عاماً، لكن مديرة المشروع القومي لمكافحة ختان الإناث ذكرت في بيان رسمي أن نسبة الختان على المستوى القومي بلغت 65.5%. وتتعرض المختونات لمشكلاتٍ عديدة منها مصاعب وآلام قاسية في الولادة تتسبب في وفاة بعضهن.

قيود جديدة

مع استيلاء الإسلاميين على السلطة في السودان عام 1989 تزايدت بشكل واضح القيود الرسمية والمجتمعية المفروضة على المرأة تحت شعارات وبرامج “التأصيل الإسلامي” وتطبيق “المشروع الحضاري” لإعادة تشكيل وصياغة الإنسان السوداني.

وشهدت الحروب المحلية في عهد “الإنقاذ،” وعلى الأخص منها حرب دارفور، سلسلة متصلة من جرائم الاغتصاب الجماعي للنساء التي أرتكب معظمها مليشيات الجنجويد المدعومة من قبل الحكومة، وشارك في بعضها الجنود النظاميون.

أما في المدن، فإن أكثر ما واجهته النساء هو حملات التوقيف وعقوبات الحبس والجلد والغرامة التي ظلت تتعرض لها الكثير من الفتيات بعدة تهم تتعلق بالسلوك الشخصي أو بالزي الذي يرتدونه، وأحياناً بسبب وجودهن في أماكن عامة مع رجال ليس لديهن صلة شرعية معهم.

جرى منحه هذه الحملات السند قانوني بإصدار ما يعرف بمنظومة قوانين النظام العام التي تحوي بنوداً في القانون الجنائي لعام 1991م، وقانون مختص سمى “قانون النظام العام لولاية الخرطوم” لعام 1996. ويجرم القانونان طائفة واسعة من السلوكيات الشخصية، ويضمان مواداً تجرم ما أسمته “الأفعال والمواد الفاضحة والمخلة بالآداب،” و”الزي الفاضح،” و”الإغواء،” و”الأفعال الفاحشة،” و”الإخلال بالحياء،” و”الأغاني الهابطة.” ونتيجة لعدم التحديد الدقيق لما تعنيه هذه التسميات الفضفاضة صار تعريف هذه المواد القانونية يعتمد على التقدير الشخصي لرجل الشرطة، وكانت النساء هن الأكثر تضرراً واستهدافاً، حيث فتح الباب واسعاً لاقتيادهن فرادى وجماعات لأقسام الشرطة والمحاكم، ووجد بعض رجال الشرطة في ذلك فرصة لممارسة الابتزاز المالي والجسدي ضد الموقوفات والاعتداء الجنسي على بعضهن مقابل إطلاق سراحهن.

ووفقاً لتصريحاتٍ للقيادية في حزب الأمة، مريم المهدي، نشرت أواخر عام 2010، فإن أربعين ألف امرأة سودانية تعرضن للجلد في عام واحد تنفيذاً لأحكام صدرت وفقاً لقوانين النظام العام.

من أشهر الانتهاكات التي وقعت مؤخراً تحت طائلة “النظام العام” حبس ومحاكمة الناشطة الحقوقية ويني عمر (30 عاماً) في ديسمبر الماضي بتهمة “الزي الفاضح،” بينما كانت ترتدي تنورة وقميصاً ووشاحاً، والمشي بطريقة غير لائقة! وعندما برأتها المحكمة من هذه التهم، وبسبب حملة التضامن الواسعة التي حظيت بها، ترصدها رجال النظام العام، ودبروا حملة أمنية قامت في فبراير 2018 باقتحام منزل كانت موجودة فيه مع بعض أصدقائها. وجرى فتح بلاغات ضدهم تتهمهم بالدعارة وشرب الخمر وتعاطي المخدرات، لكن فحص المتهمين اثبت أنهم لم يكونوا قد تعاطوا أي نوع من الخمر أو المخدرات.

كما تواجه نساء السودان أشكالاً أخرى من التمييز تتعلق بحقوقهن وواجباتهن بموجب قانون الأحوال الشخصية المأخوذ من الشريعة الإسلامية. هذا القانون ينص على أن الولي هو الذي يزوج البنت، ويعطيه الحق في فسخ عقد الزواج إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها دون رضاه، كما ينص اسقاط حق المرأة في النفقة حال امتناعها عن طاعة زوجها، ويعتبر أن شهادة المرأة الواحدة نص شهادة الرجل، ويمنح الزوج وحده الحق في الطلاق، ويشترط على الزوجة تقديم تعويض في حال اتفقت مع زوجها على الخلع. وأكثر ما يعاب على هذا القانون أنه لم يحدد سناً أدنى للزواج، وأعطى الولي حق تزويج التي تجاوزت عشر سنوات، بإذن القاضي.

اغتصاب زوجي

في مايو 2018، قضت محكمة سودانية بالإعدام على فتاة في التاسعة عشر من عمرها بتهمة قتل زوجها بعد أن حاول اغتصابها. وأفادت المحكومة نورا حسين أن والدها أجبرها على الزواج من ابن عمها وهي في السادسة عشر، وكشفت أنها رفضت إقامة علاقة مع الزوج في ليلة الزفاف، غير أنها تعرضت للاغتصاب في يوم لاحق بعد أن أحضر الزوج 3 من أقاربه الذكور امسكوا بها ثم قام باغتصابها عنوة، وعندما حاول الزوج تكرار محاولة الاغتصاب في اليوم التالي قامت بمقاومته وطعنته بسكين مما أدى إلى موته. وبعد حملة تضامن محلية ودولية واسعة مع نورا، استبدلت محكمة الاستئناف في يونيو الماضي قرار الإعدام بالسجن لمدة خمس سنوات.

تحدي رجال الدين

وفي سبتمبر 2018 أثارت حلقة من برنامج “شباب توك” قدمتها قناة دوتش فيله بعنوان “ماذا تريد المرأة السودانية اليوم؟” ضجةً كبيرة في الشارع السوداني بسبب الحوار الحاد الذي جرى فيها بين الشيخ محمد عثمان صالح رئيس “هيئة علماء السودان،” والفتيات الحاضرات المدافعات عن حقوق المرأة وحرياتها الشخصية والعامة. وكانت مداخلة الفتاة وئام شوقي (28 عاماً) من أكثر المداخلات المثيرة للجدل عندما هاجمت الشيخ صالح لأنه اعتبر أن الزى “غير الشرعي” الذي تلبسه البنات هو السبب في التحرش بهن ودافع عن زواج القاصرات، وطالبت شوقي بضمان حريات النساء الشخصية وبالمساواة في الحقوق الأسرية وحقوق الزوجة في العصمة.

وهاجم أئمة المساجد وعدد كبير من الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي القناة الألمانية والبرنامج ومقدمه واتهموهم ببث الفساد ونشر الكفر والإلحاد والعلمانية في السودان. كما هاجموا وئام ووصفوها بقلة الأدب وبالطعن في ثوابت الدين. وهدد بعض المتشددين بمهاجمة قناة “سودانية 24” التي تعاونت مع القناة الألمانية في تسجيل الحلقة في الخرطوم.

يذكر أن حكومات السودان ظلت ترفض التوقيع على اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) منذ طرحها في 1979 وحتى الآن. ويحتل السودان حالياً المرتبة 165 من أصل 188 بلداً على مؤشر عدم المساواة بين الجنسين.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ ASHRAF SHAZLY

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.