تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سوريا: من العصور القديمة الى الإمبراطورية الرومانية

سوريا
صورة نُشرت في الثلاثينيات من القرن الماضي لمنحوتة أثرية في تدمر (تدمر)، المدينة القديمة في وسط سوريا، الواقعة في واحة شمال شرق دمشق. (Photo by STRINGER / AFP)

تقع سوريا في ما يسمى “بالهلال الخصيب” بين مصر وبلاد ما بين النهرين، ويحدها البحر الأبيض المتوسط من الغرب. تعتبر سوريا واحدة من أقدم الحضارات في العالم، والتي يعود تاريخها إلى 8000 عاماً قبل الميلاد على الأقل.

في العصر البرونزي (3200-1200 قبل الميلاد)، كانت المناطق الغربية لسوريا الحالية جزءً من مملكة كنعان القديمة، بينما كانت المناطق الشرقية تنتمي إلى حضارات بلاد ما بين النهرين على نهر الفرات.

كانت مدن مثل إيبلا (تل مرديخ) وقطنا (تل المشرفة) في السهول الخصبة بين حماه وحلب ملجأ لآلاف السكان، وكان ملوكها يتسلطون على مناطق كبيرة. في إيبلا تم اكتشاف قصر ملكي يتضمن 17,000 لوح طيني، بالإضافة إلى العديد من المعابد الكبيرة. كما تم اكتشاف قبور ملكية تحت القصر في قطنا، تحتوي على كل أنواع الكنوز.

بنى ملك مملكة ماري (تل الحريري)، على الضفة الغربية لنهر الفرات، قصراً اشتهر في الشرق الأوسط بأكمله، جدرانه مزخرفة بلوحات جصية بألوان زاهية.

سوريا الهلال الخضيب العراق مصر
الهلال الخصيب

اعتباراً من القرن السادس عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد، كانت مدينة أوغاريت (رأس شمرا) على الساحل الميناء الأكثر شهرة في الشرق، وكانت تتاجر مع مصر واليونان وأناطوليا وبلاد ما بين النهرين. اكتشف علماء الآثار بقايا قصور ومجمعات محلية ومعابد ومقامات، والأهم منها جميعها مكتبات. تم نهب أوغاريت حوالي عام 1200 قبل الميلاد، ربما من قبل شعوب البحر سيئي السمعة الذين لا نعرف عنهم الكثير.

خلال العصر الحديدي (حوالي (1200-600 قبل الميلاد) كانت المنطقة مقسمة إلى عدة ممالك، عواصمها دمشق وحماه وحلب. كان أشهرها معبد “حدد” إله الطقس في حلب، والذي كان حتى ملوك آشور يقدمون له التكريم.

الآشوريون والبابليون والفرس

امتدت الإمبراطورية الآشورية من بلاد ما بين النهرين إلى أرمينيا، وسطت حينها على أجزاء من شمال سوريا. في نهاية المطاف، تمكن الآشوريون من مد مملكتهم إلى الغرب،

عام 612 قبل الميلاد، سقطت عاصمة المملكة الآشورية، نينوى، واستسلمت مملكة آشور إلى البابليين. ولأكثر من نصف قرن، كانت سوريا تحت الحكم البابلي إلى أن حلت محله قوة أخرى أعظم، الأخمينيون (الفرس)، عام 538 قبل الميلاد.

الحكم الهلنستي

سوريا
امبراطورية الاسكندر المقدوني

عندما غزا الإسكندر المقدوني الكبير المنطقة في القرن الرابع قبل الميلاد، أصبح الشرق تحت الحكم الهلنستي. ذهب الإسكندر لاحتلال مصر والإمبراطورية الفارسية، ولكنه مات خلال عقد من غزواته. وبعد وفاته (323 قبل الميلاد)، انقسمت إمبراطوريته بين ثلاثة جنرالات: أصبح أنتيجونوس حاكماً لليونان، وذهبت مصر إلى بطليموس، واستلم سلوقس الجزء الشرقي من الإمبراطورية، من آسيا الصغرى إلى الحدود الشرقية، حدود إيران الحالية مع أفغانستان إلى حد ما. بنى سلوقس أنطاكيا وجعلها عاصمة إمبراطورية السلوقيين. وتم تقسيم سوريا بين السلوقيين والبطليموسيين، إلى أن سقطت تماماً بيد السلوقيين عام 200 قبل الميلاد، وبعد ذلك تفككت بسبب الحروب المتواصلة.

الإمبراطورية الرومانية

عام 64 قبل الميلاد، حوّل بومبيوس سوريا إلى مقاطعة رومانية. تناوبت فترات من الرخاء والسلام مع فترات من الفوضى والحروب (الأهلية). وتعرضت المناطق الجنوبية الشرقية من الإمبراطورية الرومانية بانتظام لهجمات من قبل الفرتيين والساسانيين (الفرس) والقوطيين الذين يتكلمون اللغة الجرمانية والفاندال في الشمال والشمال الشرقي. بالإضافة إلى تلك الهجمات، ضعفت الإمبراطورية الرومانية أحياناً بسبب الصراعات الداخلية على السلطة.

في مدينة تدمر المزدهرة تجارياً، والواقعة في الصحراء السورية، استغلت الملكة زنوبيا هذا الضعف وأعلنت استقلالها عن الرومان حوالي عام 270. وبنت إمبراطوريتها الخاصة، والتي امتدت من مصر إلى أنقرة، ونادت بنفسها إمبراطورة.

منذ القرن الأول الميلادي فصاعداً، انتشرت الديانة المسيحية على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط وما وراءها. وكانت بلاد الشام من بين المناطق الأولى التي اعتنقت المسيحية. في بادئ الأمر، تجاهلت الإمبراطورية الرومانية المسيحيين أو تسامحت معهم، ثم اضطهدتهم، وفي نهاية المطاف اعترفت بهم.

بلغ الاضطهاد شدته إبان حكم دقلديانوس (284-305). إلا أن خليفته قسطنطين (305-337) اعتنق المسيحية. وكان ذلك بداية عصر جديد أكثر استقراراً. في عهد سلفه، كانت الإمبراطورية الرومانية منقسمة إلى إمبراطورية غربية وأخرى شرقية. فقام قسطنطين، زعيم الإمبراطورية الشرقية التي كانت أشد قوة وأرغد اقتصاداً، بنقل العاصمة إلى القسطنطينية التي أتاحت له أن يكون أقرب إلى أعدائه الساسانيين (الفرس). وهكذا وضع قسطنطين لبنة الأساس لما سيعرف فيما بعد بالإمبراطورية البيزنطية، والتي وحّدها يوستنيانوس الأول (527-565). فقد أعاد توحيد الإمبراطوريتين وأخضع المحاربين القوطيين في الأقاليم التي احتلوها، والتي تشمل إيطاليا وأسبانيا وشمال أفريقيا. وعلى الحدود الشرقية، شن حرباً ضد الفرس، انتصر فيها في نهاية المطاف، فقط بعد حملة طويلة ومكلفة ليجبرهم على الانسحاب من (شمال) سوريا.