فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / سوريا / من الماضي الى الحاضر / تدخل موسكو يزيد من تعقيدات الحرب في سورية

تدخل موسكو يزيد من تعقيدات الحرب في سورية

Russia's intervention in Syria complicates the war
يظهر في هذا الفيديو لقطات لانفجار يتبع غارة جوية نفذها الطيران الروسي مستهدفاً، كما يزعم، قاعدة عسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سورية، 1 أكتوبر 2015. Photo Russian Defence Ministry’s Press and Information Department/TASS

في 20 أكتوبر 2015، وقّع مسؤولون من وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الدفاع الروسية مذكرة تفاهم  حول الطيران فوق الأجواء السورية تجنباً لأي حوادث بين الطرفين، وذلك وفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون.”

ظهرت قضية سلامة الطياريين الأمريكيين والروس بعد أن شرعت روسيا بقصف أهدافٍ في سورية في 30 سبتمبر الماضي خلال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مما شكّل مرحلة جديدة من مراحل التدخل الأجنبي في الحرب السورية. وقبل يومين من ذلك، كان كل من الرئيس الأمريكي بارك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ألقيا خطابهما أمام الجمعية، حيث شدد كل منهما على التهديد الذي يشكله ما يُطلق عليه اسم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش،” الذي ضرب جذوره في كل من سوريا والعراق مؤخراً، والحاجة المُلحة لهزيمته، في حين لم يتم الإتفاق سوى على بعض النقاط الأخرى.

ففي الحرب السورية، تدعم روسيا وإيران الرئيس السوري بشار الأسد، بمقاتلين من حزب الله اللبناني، ومقاتلي المليشيات العراقية والأفغان الشيعة الذين يقاتلون على الأراضي السورية. وفي الوقت نفسه، تدعم كل من تركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، ودول غربية من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، مختلف جماعات المعارضة وتزودهم بالمال والسلاح والمشورة. وعلى الرغم من تصريحات روسيا بأن المُراد من وراء تدخلها هو هزيمة إرهابيّ “داعش،” إلا أنه يُعتقد أن الخسائر الجسيمة لقوات النظام السوري على أرض الواقع، الدافع الرئيسي لتعزيز موسكو دعمها.

كما رفضت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً الادعاءات الروسية باستهدافها مواقع لـ”داعش،” إذ أن 90% من الغارات الجوية الروسية، وفقاً للتصريحات الأمريكية، استهدفت أهدفاً لا تمت بصلة لـ”داعش،” بما في ذلك مواقع لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، لتصل إلى مواقع تُسيطر عليها جماعات معارضة أخرى تقاتل النظام.

وعقب توقيع مذكرة التفاهم، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكي، جون كيربي، للصحافة أنّ نص الاتفاق الكامل سيبقى سرياً بناءً على طلب روسيا، إلا أنها تضمنت بروتوكولات محددة للسلامة يجب على الطواقم اتباعها، بالإضافة إلى استخدام ترددات محددة للاتصال وإنشاء خط للاتصالات على الأرض في حال تعطل الاتصالات الجوية.

وأضاف زميل كيربي في وزارة الدفاع “البنتاغون،” بيتر كوك، أن مذكرة التفاهم تضمن أن الطائرات ستظل “آمنة” بعيداً عن بعضها. ورفض التعليق على ما إذا كانت هذه البروتوكولات تحدد هذه المسافة، إلا أنه أكدّ أن الاتفاق يشمل طائرات التحالف. وتتضمن قائمة أعضاء التحالف كل من المملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة، على الرغم من أنه فعلياً لم تذكر أي تقارير المشاركة الفعلية لأي من الأعضاء العرب منذ إسقاط طائرة الطيار الأردني في 24 سبتمبر 2014 ومن ثم إحراقه حياً من قِبل إرهابيّ “داعش.”

وفي وقتٍ لاحق، ذكر البنتاغون أن طائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في سورية غيرت مسارها مرة واحدة على الأقل، خلال غاراتٍ جوية، لتجنب مواجهة عن قرب مع مقاتلات روسية.

ولطالما كان هناك خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن سورية منذ اندلاع الحرب الأهلية في البلاد عام 2011، حيث تدعم الولايات المتحدة وتركيا وحلفائهما من دول الخليج، مختلف فصائل المعارضة السورية، بينما دعمت كل من روسيا وإيران، على طول الطريق، نظام الأسد. وبالتالي، فإن التدخل الروسي في سورية يزيد من تعقيدات الصراع الدموي المتشعب والمعقد بالفعل، مما سيسفر عن اشتباكات غير مقصودة في الأجواء السورية بين القوتين العظيمتين في العالم، وهو أمرٌ ليس بالمستبعد. وقال كوك “حقيقة اضطرارنا إلى اللجوء إلى مذكرة تفاهم يوضح قلقنا من الأنشطة الروسية وكذلك استعدادنا للعمل مع الروس حينما يكون في ذلك مصلحة لنا.”

ومع ذلك، لا تزال سياسة واشنطن بشأن سورية مشوشة، فمنذ أغسطس 2011، التزمت إدارة أوباما ببيانها بأن الأسد قد فقد شرعيته في الحكم، إلا أنه خلافاً لذلك أظهرت القليل من الإتساق سواء في تعبيرها أو السياسة التي تمارسها تجاه سورية. وفي 19 أكتوبر 2015، كررت وزارة الخارجية أنه “لا وجود لحلٍ عسكري للنزاع في سورية،” وأنه ليس هناك سوى الانتقال السياسي القائم على ما يُسمى بمبادىء “جنيف 1” المتفق عليها مع روسيا والأطراف الأخرى في 30 حزيران 2012، والتي ستعود بالفائدة على السوريين ككل.

ومنذ الاتفاق على هذه المبادىء، أنفقت الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات على الأسلحة والبرامج التي تهدف إلى دعم مختلف فصائل المعارضة السورية، إلا أن غالبية هذه البرامج قد فشلت، بما في ذلك حملة “تدريب وتجهيز المعارضة السورية” البالغ قيمتها 500 مليون دولار، التي تم إيقافها في وقتٍ سابق خلال هذا الشهر.

وإلى أن تم توقيع مذكرة التفاهم مع روسيا، اتسم رد الفعل الأمريكي حيال الضربات الجوية الروسية بالغضب والإدانة. فقد صرّح العديد من المسؤولين الأمريكيين، بما في ذلك وزير الدفاع اشتون كارتر علناً أنّ جهود بوتين “محكوم عليها بالفشل.”

وأضاف كارتر أنه في حين أن وزارة الدفاع الأمريكية كانت على استعداد لإجراء محادثات مع روسيا بشأن كيفية تسوية النزاع السوري، إلا أنّ “موقفنا واضح، إن هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش،” والتطرف في سوريا لا يمكن ان يحصل الا بموازاة انتقال سياسي في سورية،” مؤكداً على نحوٍ فعال على “أهمية السعي في الوقت نفسه نحو تحقيق هذين الهدفين.” وأصر على أن الغارات الجوية الروسية دعماً للأسد لن تغيّر المهمة العسكرية الخاصة بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في البلاد المنكوبة.

وبالتالي، نأت إدارة أوباما بنفسها عن المزيد من التدخل المباشر في الحرب السورية، حيث اكتفت باقتصار مهمتها على استهداف مواقع لـ”داعش.” وقد تم هذا بالفعل منذ سبتمبر 2014 دون أن تثبت أن الحملات الجوية “هزمت” أو حتى “جرّدت” تنظيم الدولة الإسلامية من قوته، وهو الهدف الذي ذكره أوباما منذ بداية الحملة.

في هذه الأثناء، يبدو أن الدعم الروسي للأسد يُجني ثماره بسرعة، حيث تمكنت قوات النظام من استعادة السيطرة على العديد من المناطق الهامة غرب سورية وتستعد للسيطرة على المزيد.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.