فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / عالقون في لبنان: حياة عائلة سورية لاجئة في عالم النسيان

عالقون في لبنان: حياة عائلة سورية لاجئة في عالم النسيان

Translation-Syrian refugees
سوريون يستعدون لمغادرة مخيّم اللاجئين بمدينة عرسال الموجودة في وادي البقاع على الحدود الشرقية مع سوريا يوم 7 يوليو 2018، حيث سيغادرون باتجاه بيوتهم في منطقة القلمون السورية. المصدر: AFP.

هيفن كراولي: أستاذة باحثة في جامعة كوفنتري

قد تخونني الذاكرة عندما أحاول استرجاع كيفية التقائي بريهام على موقع “فيسبوك”، إلا أنني بالتأكيد أذكر كيف كانت تتحدث بطلاقة، وكيف كانت تحبّ أختها الصغرى فاطمة، وكيف كان يعتريها شعورٌ صامت باليأس تجاه إمكانية التمتّع بحياةٍ جديدة.

لا يزيد عمر ريهام عن 9 أعوام، وهي لاجئةٌ سوريّة تقيم في إحدى البلدات الموجودة في شمال لبنان مع والديها وأخوتها الثلاثة، علماً بأن أصغرهم لا يتجاوز عمره ثمانية أشهر. يخبرني والدها عبد أن العائلة انتقلت في عام 2012 إلى لبنان هرباً من الحرب التي قوّضت عالمها في سوريا. حينذاك، كانت ريهام في الثالثة من عمرها ولم يتجاوز عمر أختها وقتها العام الواحد.

كان عبد يعمل حتى تلك اللحظة كعامل بناء. لقد كان واحداً من مئات آلاف العمّال السوريين الذين اعتادوا السفر جيئةً وذهاباً عبر الحدود لسدّ ما اعترى سوق العمل اللبناني من ثغرات أثناء مرحلة إعادة الإعمار التي أعقبت انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. مرّت ست سنوات والعائلة ما زالت تسكن لبنان، في انتظار انتهاء الحرب وفرصة إعادة بناء حياتهم. يقول عبد: “كان لنا بيتٌ في سوريا. وكانت هناك مدرسة وحديقة يجتمع فيها الأصدقاء. والآن دمّرت الحرب كلّ شيء. لقد تدمّر كلّ شيء وتدمّرت أحلامنا وأحلام أطفالنا”.

ريهام وعائلتها من بين حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري يقيمون في لبنان. ثلث هؤلاء غير مسجّل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومعظمهم لا يحظى إلا بالنذر اليسير من الحقوق. ويظهر بوضوح من البحث الذي أجريته وزملائي مع السوريين الذين خاطروا بكلّ شيء بهدف الوصول إلى أوروبا في عام 2015، بما في ذلك المخاطرة بحياة أطفالهم، أن قرار الانتقال من لبنان غالباً ما كان نتيجة الوضع المتدهور وانعدام الأمل بالمستقبل.

وبعد مرور ثلاثة أعوام، تظهر أدلّة المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي أن اللاجئين السوريين في لبنان باتوا يعانون من التهميش أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ يعيش حالياً ما يزيد عن نصفهم في حالة فقرٍ مدقع. وفي الوقت الذي تراجع فيه مستوى المساعدات الإنسانية المخصصة لدعم السوريين المقيمين في لبنان، فقد تراجعت جودة حياة هؤلاء. وتزامن ذلك مع انتشار التقارير المنتظمة عن اندلاع الحرائق في الخيام المؤقتة وعن نقص الخدمات الأساسية، بما في ذلك نقص إمدادات المياه، والمراحيض والمصارف الصحية. يأتي ذلك في الوقت الذي يشير فيه من استطاع العثور على عمل من اللاجئين إلى انخفاض الأجور وما يواجهونه باستمرار من عنصرية وتمييز. وشهد شهر أكتوبر من عام 2017 قطع الحصص الغذائية التي اعتمد عليها عبد وعائلته نتيجة نقص التمويل.

أكثر ما لا تطيقه العائلة هو وضع الأطفال، وبشكلٍ خاص عدم تمكّن ريهام وفاطمة من التعلّم. ويعاني حوالي 280 ألف طفل سوري من انعدام إمكانية دخول المدرسة في لبنان، إذ لم تطأ قدم بعضهم الصفوف الدراسية قط. وتحتاج بعض العائلات إلى عمل الأطفال لدعم دخل الأسرة المحدود للغاية. كما يتم إجبار أطفال آخرين على الزواج المبكّر لتأمين مستقبلهم الاقتصادي، ومعظم هؤلاء الأطفال من الفتيات. بالنسبة عبد، فإن تكاليف المواصلات هي المشكلة الأكبر، حيث يقول: “كل يوم نواجه مشكلات كبيرة على مستوى نقل الأطفال إلى المدرسة، فالمدرسة بعيدة جدّاً عن منزلنا وهذا يكلّف الكثير من المال. وأنا ليس لدي المال الكافي لإرسال الأطفال إلى المدرسة”.

عالقون في عالم النسيان

Translation- Syrian refugees Lebanon
لاجئون سوريون ينظرون إلى اندلاع الحريق في مخيم للاجئين بالقرب من قرية قب إلياس في وادي البقاع اللبناني يوم 2 يوليو 2017. وكان حريقاً كبيراً قد اندلع في مخيّم للاجئين السوريين في المنطقة الوسطى من لبنان، ما أسفر عن وفاة شخص وجرح ستة أشخاص آخرين وأخلاء المئات بحسب ما ذكره الصليب الأحمر. المصدر: AFP.

بصورةٍ مماثلة لآلاف السوريين الآخرين، بات عبد وعائلته عالقين في عالم النسيان، فهم غير قادرين على إعادة بناء حياتهم في لبنان أو على العودة إلى سوريا، ناهيك عن وجود خيارات قليلة للمستقبل.

وفي الوقت الذي تضامن فيه بعض اللبنانيين مع اللاجئين، فقد تنامت التوترات المرتبطة بالموارد والوظائف. ورغم استمرار الصراع الدائر في سوريا، فقد علا صوت السياسيين اللبنانيين منذ عام 2017 وهم يدعون اللاجئين للعودة إلى ديارهم. بدورها، قامت بعض البلديات بإجلاء اللاجئين السوريين بصورةٍ قسرية من منازلهم منذ عام 2016. وأعرب عددٌ متزايد ممّن يعيشون في لبنان عن القلق من إجبارهم على العودة إلى مناطق الحرب.

يأتي ذلك في الوقت الذي باتت فيه جهود الاتحاد الأوروبي للحيلولة دون وصول اللاجئين السوريين إلى أوروبا أكثر فعالية. وإلى جانب إغلاق الحدود المقدونية، فقد عزّزت الاتفاقية التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع تركيا في مارس من عام 2016 من صعوبة إمكانية حصول السوريين وغيرهم من اللاجئين على الحماية في الاتحاد الأوروبي بشكلٍ كبير، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى وقوع عشرات الآلاف من الناس في فخ اليونان. ورغم الجهود الرامية إلى زيادة الطرق القانونية والحد من مخاطر الهجرة عبر البحر، فإن تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى تفوّق عدد اللاجئين السوريين الذين يحتاجون إلى إعادة التوطين بشكلٍ كبير على عدد الأماكن المتوفرة.

وحتى هذه اللحظة، لم تفلح جهود عبد للتوصل إلى حل طويل الأمد لما تعايشه عائلته من أوضاع. وكان جدّ وجدّة ريهام يعيشان مع العائلة في سوريا ومن جديد في لبنان قبل إعادة توطينهما في النرويج عام 2015. ويعيش عمّ ريهام في هولندا. ولا يتم التعامل مع الجدّين والعم باعتبارهما أقارب من الدرجة الأولى حتى يكون في مقدورهم إجراء عملية لم الشمل للعائلة. ويقول عبد إنه ذهب مرّاتٍ عدّة إلى مفوضية اللاجئين في لبنان، لكنه ما زال في انظار ردّ حول إمكانية إعادة توطين العائلة.

خياراتٌ محدودة

رسائل عبد التي أرسلها لي تقطر بالإحباط واليأس. إنه يناشدي العثور على منظمةٍ تستطيع مساعدته على الخروج من لبنان مع عائلته. يقول عبد: “أنا أحب أطفالي، وكلّ ما أريده توفير حياة كريمة لهم. ما أريده لا يتجاوز أن يكونوا في أمان”. ويهيمن خوفه مما قد يحدث لأولاده في لبنان على أفكاره المرتبطة بالمستقبل. أخبرني أنه على استعداد للذهاب إلى أي دولة، وألمح إلى أنه سيقوم بكلّ ما يلزم لتحقيق هذا الهدف. إلا أن خيارات عبد محدودة.

ومع تنامي تدهور الوضع في لبنان، يعاني السوريون وغيرهم من اللاجئين من نقص السبل الآمنة والقانونية التي تتيح لهم الوصول إلى ما يكفله لهم القانون الدولي ولأطفالهم من حقوق. ومع ذلك، فإن هناك بعض المبادرات الجديدة والمهمة التي يمكن أن تغيّر كلّ ذلك، ما يوفر شريان حياةٍ للأطفال من طينة ريهام وأختها.

وتعتبر مبادرة الممرات الإنسانية من أبرز هذه المبادرات في هذا الصدد. وتعمل المبادرة، التي تم إطلاقها في عام 2016 بتعاون كامل مع الحكومة الإيطالية دون أن تمولها الدولة، على تزويد اللاجئين المهمشين بإمكانية الوصول بطريقةٍ آمنة وقانونية إلى الحماية في إيطاليا، وهي بذلك توسّع وتعمّق مفهوم الحماية. وحتى هذه اللحظة، ما تزال أعداد المستفيدين من هذا الأمر صغيرة نسبياً، حيث لا يتجاوز العدد الإجمالي حاجز الألف شخص. ومع ذلك، يعتبر عبد الأمر إمكانية جديرة بالمتابعة.

أما ريهام، فهي أقل ثقةً من والدها، حيث تقول: “لا أريد الذهاب إلى إيطاليا. أريد الذهاب إلى النرويج حيث سيكون في مقدوري التواجد مع جدّي وجدّتي. إنني أفتقدهم كثيراً، وكل ما أريده هو أن أراهم وأن ألقي نفسي في أحضانهم”.

من الصعب معرفة ما سيحدث بعد ذلك لهذه العائلة أو لآلاف العائلة المماثلة لها، خاصةً وأن العالم قد فقد الاهتمام على ما يبدو بمثل هذا النوع من الحالات منذ فترةٍ طويلة.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • الدعم الخارجي يبقي البشير على سدّة السلطة في السودان

    إن بقاء النظام في السلطة لا يمكن رده ببساطة إلى الوضع المحلي، خاصةً وأن النظام يحظى بحلفاء أقوياء على المستوى الدولي. فالغرب الذي كان ينتقد عمر البشير واعتبره مجرم حرب بدأ في الآونة الأخيرة بالتعامل معه على أنه مصدرٌ للاستقرار والمساعدات الاستخباراتية في منطقة مضطربة. كما أن الرئيس السوداني يحظى بدعمٍ سياسي ومالي من حلفاء عرب رئيسيين.
  • سياسة ترامب في الشرق الأوسط تختلف عن إدارة أوباما

    أراد أوباما تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط، ثم تحويل عبء الأمن على شركاء الولايات المتحدة هناك، مثل إسرائيل والسعودية، وبصورةٍ مماثلة لما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة. وعلى هذا النحو، فقد كانت سياسات الرئيس الأمريكي السابق تهدف إلى سحب القوات الأمريكية من المنطقة، وإبرام الاتفاق النووي الإيراني، واستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. وبخروج القوات الأمريكية من سوريا، سيكون المجال متاحاً أمام الطموح الإيراني لتوسيع وجودها العسكري ونفوذها السياسي هناك – وهو أمرٌ لا يخيف المسؤولين في الولايات المتحدة فحسب، بل في السعودية وإسرائيل أيضاً.
  • الاعتداءات العالمية على الصحافة تهيمن على جائزة "شخصية العام" من مجلة "التايم"

    إن قرار صحيفة التايم باختيار مجموعة من الصحفيين لا يشكل علامة فارقة لما قام به هؤلاء الأشخاص من أثر فحسب، بل أيضاً لأنه كان بمثابة إشارة إلى أزمة الثقة العالمية في الصحافة و"الحقيقة". وبالطبع، فإن المرشحين للحصول على هذه الجائزة المرموقة لم يتواجدوا في قائمة الترشيح النهائية بفضل ما قاموا به من أعمالٍ فحسب، بل أيضاً لما يمثلونه من جوانب وأفكار.