فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / اللاجئون السوريون في تركيا: حان الوقت لتبديد بعض الخرافات!

اللاجئون السوريون في تركيا: حان الوقت لتبديد بعض الخرافات!

Turkey- syrian refygees in Turkey
لاجئون سوريون أثناء وصولهم إلى بوابة “أونجوبينار” الحدودية بالقرب من بلدة كيليس التركية بعد فتح السلطات التركية للمعبر الحدودي بمناسبة عيد الأضحى في أغسطس 2017. Photo AFP.

نشر موقع “The Conversation” مؤخراً مقالة سلّطت الضوء على الإشكاليات التي تردّد صداها في المجتمع التركي حول استضافة تركيا للاجئين السوريين. وتقوم صاحبة المقالة غول آكديمير، أستاذة علم الاجتماع بجامعة “MEF” التركية، باستعراض المعلومات و”الخرافات” التي تتداولها وسائل الإعلام التركية في هذا السياق. كما تسعى آكديمير إلى مناقشة التقرير الأخير الذي نشرته إدارة الهجرة التركية في إبريل 2017 وما يتم تداوله من إحصائيات مرتبطة بالتواجد السوري في تركيا.

وتفتتح آكديمير مقالتها بالإشارة إلى أن تركيا كانت من الدول الطاردة للاجئين حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين. ولم يتغيّر هذا الوضع إلا بعدما فرضت الصراعات الدائرة في المناطق المجاورة أن تتحول تركيا إلى دولة مستقبلة للاجئين وتتيح لهم العبور إلى الدول الأخرى. وتشير الكاتبة إلى أن تركيا لم يسبق لها استضافة عدد كبير من اللاجئين حتى اندلاع الأزمة السورية، وهذا ما ترتب عليه استضافة ما يزيد عن 3 ملايين لاجئ سوري بحسب الأرقام المسجّلة في عام 2016.

وتعتمد تركيا في تعاملها مع طالبي اللجوء على ـ”مبدأ التقييد الجغرافي”. ويقصر هذا المبدأ حق الحصول على الحماية الدائمة على طالبي اللجوء الذين هربوا من أوروبا نتيجة ما شهدته القارة العجوز من أحداث. في المقابل، لا يحق لطالبي اللجوء القادمين من أماكن أخرى سوى الحصول على الحماية المؤقتة. ورغم قبولها باتفاقية جنيف وبروتوكولها الإضافي، تعتبر تركيا حالياً الدولة الوحيدة التي تطبق بحزم سياسات مختلفة تجاه اللاجئين الأوروبيين وغير الأوروبيين. ويعني ذلك بالطبع اتخاذ سياسات أكثر حزماً تجاه اللاجئين غير الأوروبيين.

وترى آكديمير أن الشارع التركي بات ينظر بشك واستعداء متناميين تجاه اللاجئين السوريين، خاصةً وأن استضافة تركيا للاجئين تقاطعت بشكلٍ كبير مع قضايا البطالة ونقص التعليم. من جهةٍ أخرى، تذبذب موقف الدولة التركية من المهاجرين، فتارةً كانت أنقرة تعرب عن قلقها تجاه الجانب الإنساني من هذه الإشكالية، وتارةً أخرى ركزت أنقرة على مخاوفها المتعلقة بالأمن الوطني. ويعكس التقرير الذي نشرته الحكومة التركية في عام 2016 عن الهجرة تلك المخاوف المرتبطة بـ”تأسيس نظام قوي ومستدام لإدارة شؤون الهجرة ويتمحور حول الإنسان وعلى أساس مصالحنا الوطنية”.

وعلى الرغم من انتهاج تركيا لسياسة فتح الحدود في بداية النزاع السوري، إلا الحكومة التركية بدأت تميل منذ عام 2014 لإبداء نزعةٍ قومية أكبر أثناء التعامل مع هذا الوضع. وفي الوقت الذي تم فيه زيادة عدد الدوريات المخصصة لمراقبة الحدود، فقد لاح في الأفق انعدام الطابع المنهجي لتوزيع الفوائد الاجتماعية على اللاجئين السوريين، كما تم حرمان بعض السوريين من الحصول على إقامة اللجوء.

وتشير آكديمير إلى أن عدد السوريين الحاصلين على تصريح إقامة في تركيا لا يزيد عن 48738 شخص، في حين تم التعامل مع باقي اللاجئين السوريين في إطار الحماية المؤقتة. وبحسب صاحبة المقال، فقد تم تطبيق هذا النوع من السياسات خلال الهجرات الجماعية التي يصعب فيها تقييم طلبات اللجوء الفردية بصورةٍ فاعلة. ويعتمد هذا النوع من التعامل على ثلاثة مبادئ رئيسية يتضمنها قانون الهجرة وهي “سياسة الباب المفتوح” التي تتجنب النظر إلى الخلفيات الدينية والعرقية، وعدم إعادة اللاجئ إلى بلاده بصورةٍ قسرية، وتوفير الاحتياجات الرئيسية.

وإذا ما تم النظر بصورةٍ إجمالية إلى ما سبق، فإن هذه الإحصائيات وغيرها من الإحصائيات تجبرنا على النظر إلى ما يتم نشره من “خرافات” في وسائل الإعلام والرأي العام التركي حول القضايا المرتبطة بطالبي اللجوء السوريين.

كشف النقاب عن “الخرافات”

Turkey- syrian refugees in Turkey
لاجئون سوريون يقفزون للسباحة في مضيق البوسفور خلال يومٍ صيفي حار شهدته مدينة إسطنبول التركية. Photo AFP

يرى العديد من الأتراك أن السوريين مطالبون بـ”البقاء في بلادهم للدفاع عنها”، لكن الأرقام تشير إلى أن ما يزيد عن 46% من السوريين المقيمين في تركيا لا يتجاوز عمرهم 18 عاماً. ومن “الخرافات” الأخرى التي يتناقلها الأتراك هو أن الحكومة التركية “تطعم السوريين”، إلا أن معظم السوريين في تركيا يعيشون خارج مخيمات اللجوء وبصورةٍ مغايرة لما عليه الحال في أماكن أخرى من هذا العالم. ويعيش 9.12% من طالبي اللجوء السوريين المقيمين في تركيا ضمن مخيمات اللجوء، إلا أن بقية اللاجئين السوريين يحاولون كسب قوت يومهم عبر الاعتماد على أنفسهم، وقد يضطرهم ذلك إلى التسوّل أو جمع القمامة أو أن يتم استغلالهم في أعمال اقتصادية مخالفة للقوانين.

وتستضيف إسطنبول العدد الأكبر من السوريين في تركيا، حيث يقيم فيها 438,861 سوري. وتشير آكديمير إلى أن نسبة السوريين إلى إجمالي عدد السكان في بعض المدن مرتفعة للغاية. وعلى سبيل المثال، تصل نسبة السوريين المقيمين في مدينة كيليس جنوب شرق تركيا إلى 93.5%. وعلى الرغم من اعتماد الحكومة التركية على سياسة وضع طالبي اللجوء في مناطق أقل اكتظاظاً بالسكان، إلا أن الكثيرين منهم يفضلون العيش في المدن الكبيرة التي يملكون فيها شبكات علاقات اجتماعية ويكونون فيها أقل وضوحاً، وبما يحول دون مواجهتهم لممارسات التمميز العنصري.

وتلفت آكديمير النظر إلى عدم احتواء تقرير إدارة الهجرة التركية الأخير على أية معلومات تتعلق بالمساعدات الاجتماعية التي يحصل عليها اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا. وتشير أستاذة علم الاجتماع في جامعة “MEF” التركية إلى دراسة أخرى تم تنفيذها مؤخراً في هذا الخصوص وشملت 604 من العمّال السوريين المقيمين في إسطنبول. وعلى الرغم من ارتفاع معدلات البطالة بين صفوف اللاجئين السوريين وما يواجههم من معوقات للحصول على تصاريح للعمل في وظائف يجيزها القانون، تشير هذه الدراسة إلى أن نسبة العمّال السوريين الذين يحصلون على أي نوعٍ من أنواع المساعدة في تركيا لا تزيد عن 3%.

ويعاني السوريون من صعوباتٍ كثيرة أثناء سعيهم للحصول على تصاريح العمل نتيجة القيود المفروضة على هذا الموضوع. وحتى هذه اللحظة، تم إصدار ما يقل عن 20 ألف تصريح لعمل اللاجئين السوريين بشكلٍ رسمي في تركيا. وشهدت الآونة الأخيرة إجراء دراسةٍ قارنت بين أجور العمال السوريين ونظرائهم الأتراك. وأظهرت هذه الدراسة أن العمّال الأتراك يحصلون على أجرٍ شهري أعلى بـ95 دولار أمريكي مقارنةً مع نظرائهم السوريين. ويرتفع الفارق ليصل إلى 140 دولار عندما تتم مقارنة العمّال الأتراك بالعاملات السوريات.

حاجة ماسة للتعليم

Turkey- syrian refugees in Turkey
السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هالي تتحدث مع إحدى الطالبات السوريات أثناء افتتاح مدرسة شاكر باشا عمران التي تمولها الحكومة الأمريكية بمدينة أضنة التركية. Photo AFP.

تشير الكاتبة إلى التعليم باعتباره من الجوانب الملحّة التي يحتاج لها اللاجئين السوريين في تركيا، خاصةً في ظل ارتفاع نسبة الشباب بين اللاجئين. ومع ذلك، ينظر الرأي العام التركي إلى جميع الاستثمارات الرامية إلى دمج اللاجئين السوريين في المجتمع التركي باعتبارها مبادرات تشجّعهم على البقاء في تركيا.

وتظهر دراسة أخرى أن العديد من الأتراك لا يرغبوا بمنح السوريين حق المواطنة. ويشير 27.5% من المشاركين في هذه الدراسة إلى عدم وجوب توفير أي فرصة من فرص التعلّم للسوريين. إلا أن فرص عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بعيدة المنال في المستقبل القريب بحسب ما تراه آكديمير. وحتى في حال انتهت الحرب على الفور، فإن عودة السوريين إلى بلادهم تتطلب جهداً طويلاً وكبيراً لإعادة تكوين حياتهم في سوريا.

وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة الأطفال السوريين الذين يعيشون خارج مخيمات اللجوء ويحصلون على حقهم في التعلم لا تزيد عن 24%. كما أن أقل من 60% من 900 ألف سوري في سن التعلم مسجلون في المؤسسات التعليمية، علماً بأن أقل من18% من الأطفال السوريون يذهبون إلى المدارس بصورةٍ منتظمة. ويصل عدد المراكز التعليمية المؤقتة المتوفرة للأطفال السوريين إلى 432 مركز. وفي مارس 2017، حصل 459,521 سوري على خدمات تعليمية، وتعكف السلطات التركية حالياً على تحضير مجموعات تعليمية ثنائية اللغة تتضمن الألعاب وتدريبات تعلّم اللغة للأطفال السوريين.

وعلى الرغم من أهمية هذه التدابير، إلا أنها بحسب آكديمير ليست كافية. وتشدّد الكاتبة على ضرورة تعزيز قدرة استيعاب المدارس للطلاب. وتظهر إحدى الدراسات البحثية أن دمج 80% من الأطفال السوريين في النظام التعليمي التركي يتطلب وجود ما لا يقل عن 40 ألف معلّم جديد و30 ألف صف مدرسي.

وقد تؤدي الإجراءات غير الكافية للتعامل مع الاحتياجات التعليمية على المدى الطويل إلى تكوين مشكلات أكثر عمقاً في المستقبل، ومنها ارتفاع معدلات الجريمة واتساع الفجوات الاجتماعية والاقتصادية مع السوريين. وترى آكديمير أن هذا الموضوع مشحون بشكلٍ كبير، ويحظى بسجالٍ كبير بين مناصري الحكومة التركية ومعارضيها. وتشير الكاتبة إلى أن مناقشة الحقائق لا تتم بالطريقة المناسبة، مضيفةً: “لم تتعلم تركيا من تجارب الدول التي استقبلت عدداً كبيراً من طالبي اللجوء في الماضي كباكستان. وفوق ذلك كله، يفتقر النقاش إلى التركيز على حقوق الإنسان وكرامته”.

وتختم آكديمير مقالتها بالإشارة إلى ضرورة مشاركة المجتمع المحلّي التركي في الجهود الرامية إلى دمج اللاجئين السوريين، مشدّدة على الدور الحاسم الذي يمكن أن يلعبه إطلاع الرأي العام التركي على الأوضاع المعيشية للاجئين والفروقات الثقافية معهم في هذا المجال. وترى الكاتبة أن التوصل إلى صيغٍ أفضل للتنسيق بين تركيا والاتحاد الأوروبي سيعود بالفائدة على جميع الأطراف. وتدرك آكديمير أن هذا النوع من التعاون يواجه الكثير من التحديات في الوقت الذي تم فيه تعليق طلب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تشير إلى أهمية إدراك الحاجة الملحة لهذا النوع من التعاون في مثل هذه الأوقات العصيبة.

The Conversation

  • الأسلحة وتأثيرها على قضية خاشقجي

    "لقد قام الرئيس ترامب بتشجيع المملكة العربية السعودية عبر الاعتماد على دبلوماسيته الشخصية والتركيز على الوظائف أكثر من التركيز على المصالح أو المثل الأمريكية الأوسع. وإذا ما تمكن السعوديون من إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية خارج نطاق قضية خاشقجي، فإن ترامب يفتح الباب أمام فرض المزيد من القيود على النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط".
  • مسؤولية أكبر تقع على عاتق وسائل الإعلام الغربي للتمييز بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي

    أكدت دراسة أجرتها جامعة فيينا في عام ٢٠١٧، فإن التغطية الإعلامية التي لا تميز بشكلٍ صريح بين المسلمين والإرهابيين الإسلامويين تغذي المواقف العدائية تجاه السكان المسلمين بصفةٍ عامة. ومع تزايد الوعي بأثر هذا النوع من الأخبار والتقارير، فقد حاولت بعض المنافذ الإعلامية المماثلة لقناة “سي إن إن” التمييز بين “الإسلام المعتدل” و”الإسلام المتطرف”، وبين “الإسلام” و”التطرف الإسلامي”.
  • كيف تتجنب مصر انعدام المساواة والفصل الطبقي في عاصمتها الجديدة

    إذا ما قُدِّر للعاصمة المصرية النجاح، فإنه يتوجب عليها الالتزام بمبادئ المدن الشاملة التي تسفح المجال لجميع المواطنين بالتجمّع فيها والتشارك بها وبفرصها. وكان هذا الجانب أهم مبادئ التصميم التي اعتمدت عليها كوستا. إلا أن تصميم المهندس المعماري البرازيلي لم يصمد في برازيليا الجميلة التي قام بتصميمها بسبب عدم وجود السياسات الجادة والداعمة للسكان من ذوي الدخل المحدود.