فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الصراع على القدس وادعاءات إردوغان

الصراع على القدس وادعاءات إردوغان

Erdogan
Photo: OZAN KOSE / AFP

نشر الباحث في المختص في السياسة الدولية جيمس دورسي على مدونته مقالاً تناول فيه التوجهات التركية إزاء ملف القدس عقب التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيّب إردوغان. ويحلل دورسي في مقاله الدوافع الكامنة وراء مطالبة الرئيس التركي بحقٍّ تاريخي في القدس وعلاقة ذلك بالمستجدات في المنطقة. وبحسب صاحب المقالة، فإن أحد أهم أهداف تركيا يتمثل في الظفر بقيادة العالم الإسلامي والتفوّق على المملكة العربية السعودية، المنافس الوحيد لها في هذا المجال. كما يتطرق دورسي في المقالة إلى ما أبدته العديد من دول المنطقة من ردودٍ فعل على المساعي التركية في هذا الإطار، بما في ذلك الأردن وإسرائيل والسعودية نفسها.

ويبدأ دورسي مقالته بالإشارة إلى الكلمة التي ألقاها إردوغان مطلع أكتوبر الجاري في جلسة افتتاح البرلمان التركي، إذ لم يتوانى إردوغان عن المطالبة بجزءٍ غير تركي من الإمبراطورية العثمانية، ليعلن للمرة الأولى عن أنّ القدس تركية.

وقال إردوغان: “ما زال بالإمكان العثور على آثار المقاومة العثمانية في هذه المدينة التي اضطُررنا إلى مغادرتها بعيون دامعة إبان الحرب العالمية الأولى. وعلى هذا النحو، فالقدس مدينتنا. إنها مدينة تنتمي إلينا”.

وأردف قائلاً: “بنى السلطان سليمان المظهر الحالي للمدينة القديمة، وهو قلب القدس، بما في ذلك الأسوار والسوق والعديد من المباني. ولقد أولى أجدادنا عناية خاصة لهذه المدينة، حيث أظهروا احتراماً كبيراً على مدى قرونٍ خلصت من الزمن”.

ويقصد إردوغان من حديثه الإشارة إلى السلطان العثماني الذي عاش في القرن السادس عشر وكان راعياً لنهضةٍ عمرانية ضخمة، كما عُرف عنه حمايته لرعاياه اليهود.

وسبق لإردوغان وصف قرار معاودة استخدام متحف “آيا صوفيا” كمسجد في شهر يوليو الماضي بأنه يمهد الطريق “لتحرير” المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين. وشهد القرن السادس الميلادي بناء آيا صوفيا ككنيسة أرثوذوكسية في إسطنبول، ليتم بعد ذلك تحويلها إلى مسجد ومن ثم إلى متحف.

وأصدر مكتب أردوغان بعدها بشهر مقطعاً مصوراً لا يتجاوز أربع دقائق تمت فيه الإشارة إلى أنّ سعي تركيا لقيادة العالم الإسلامي له دوافع عسكرية وقومية بالإضافة إلى دوافع دينية. ومزج المقطع ما بين الرمزية الدينية والرمزية العثمانية، وجاء ذلك على وقع أنغام موسيقى عسكرية. وانتهى ذلك المقطع المعنون باسم “التفاحة الذهبية” بمشهد بانورامي للمسجد الأقصى.

ويرى دورسي أن الرئيس التركي لا تعتريه الأوهام حول إمكانية عودة القدس إلى الحكم التركي، وهو المعروف بإضفاء صبغةٍ دينية على مشاعره القومية الخام.

إلا أن إردوغان يأمل عبر الخروج بمثل هذا الادعاء أن يصبح على قدم المساواة في مسألة قيادة العالم الإسلامي مع أحد ألد خصومه في المنطقة ألا وهي السعودية، سيّما وأن المملكة يتواجد فيها أكثر مدن الإسلام قداسةً وهما مكة والمدينة.

وبدلاً من السعي إلى استعادة الأراضي العثمانية المفقودة، فإن إردوغان يطالب بالوصاية على الحرم القدسي الشريف في القدس ومجمع المسجد الأقصى الذي يشرف عليه حالياً الوقف الديني الأردني.

وصعّد الرئيس إردوغان من لهجته في الوقت الذي بدأت فيه السلطة الفلسطينية بالتواصل مع تركيا وقطر عقب تطبيع الإمارات والبحرين لعلاقاتهما مع إسرائيل وعلى خلفية سلسلة تصريحاتٍ من مسؤولين سعوديين وخليجيين بارزين تم فيها توجيه أصابع الاتهام إلى إدارة الرئيس محمود عباس بإهدار فرص السلام مع ما وصفه دورسي بـ “الدولة اليهودية”.

ويرى صاحب المقالة أن تحركات إردوغان تثير قلق الأردن خاصة مع مخاوفها من احتمال دعم إسرائيل لطموحات السعودية الهادفة لتقاسم إدارة الحرم القدسي مع المملكة الهاشمية إن لم تستبدلها تماماً، لا سيما وأن إسرائيل تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج.

ونقلت صحيفة “إسرائيل هايوم” الأوسع انتشاراً والداعمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن دبلوماسي عربي لم تذكر اسمه وهو يشير إلى ضرورة توفير الدعم المالي السعودي لمواجهة النفوذ التركي في القدس.

وورد على لسان ذلك الدبلوماسي الذي أدلى بتصريحاته في يونيو الماضي، التالي: “إذا ما أطلق الأردنيون يد الأتراك في مجمع المسجد الأقصى دون حائل، فإن وضعهم الخاص بإدارة الوقف ومقدسات المسلمين سيصبح شكلياً في خلال عدة سنوات فحسب”.

وكان رائد دعنا، المدير السابق للوعظ والإرشاد في المسجد الأقصى، قد قال إن السعودية دعت سرّاً في عام ٢٠١٨ عدداً من القيادات الإسلامية الفلسطينية لحشد دعم للدور السعودي في الوقف، وكان ذلك في أعقاب اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وربط الشيخ دعنا بين سرّية الدعوة ورفض عدد من الشخصيات الدينية الفلسطينية قبولها.

وسبق للأردن زيادة عدد أعضاء الوقف من 11 إلى 18 في العام الماضي لإضفاء طابع إسلامي على حساب الطابع الأردني الحصري ولقطع الطريق على محاولات القوى الإقليمية للنفوذ إلى هذا الكيان.

وشمل الأعضاء الجدد مسؤولين من السلطة الفلسطينية التابعة للرئيس محمود عباس وشخصيات لها علاقاتها مع تركيا ودول الخليج مثل الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس السابق ومنكر الهولوكوست والمدافع بشدة عن موقف إردوغان تجاه القدس، إضافة إلى المفتي الحالي الشيخ محمد حسين الذي كان يحظى بعلاقاتٍ قوية مع الإمارات حتى الشهر الماضي ثم منع الإماراتيين من زيارة المسجد الأقصى احتجاجاً على اعتراف الإمارات بإسرائيل.

وكان أردوغان يمهد الطريق على امتداد السنوات الأخيرة للمطالبة بملايين الدولارات من التبرعات لصالح المنظمات الإسلامية المحلية والدعاة الأتراك في القدس وزوارها الذين تتهمهم إسرائيل بتحريض الفلسطينيين على الاحتجاج.

كما تدرج رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت)، وهي جزءٌ من مكتب إردوغان، المسجد الأقصى ضمن برامج رحلات العمرة.

وتقول مصادر إسرائيلية إن مكان التقاء النشطاء والزوار في القدس هو المركز الثقافي التركي في القدس بالإضافة إلى مقهى تركي تم تجديده مؤخراً على بُعد دقيقتين من حائط البراق “الحائط الغربي” وتزينه أعلام فلسطين وتركيا وصور الرئيس إردوغان والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

ويختم دورسي مقالته بالإشارة إلى ما قاله الصحفي والمحلل الإسرائيلي المحافظ نداف شراغاي في هذا النطاق. فالصحفي الإسرائيلي لفت النظر إلى سعي تركيا الجاد “لتعميق مشاركتها ونفوذها في الحرم القدسي والبلدة القديمة في القدس وأحياء القدس الشرقية”، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن أنقرة “تشجع أنشطة الدعوة بهدف جذب الجمهور الفلسطيني للتراث الإسلامي التركي وإضعاف سيطرة إسرائيل على البلدة القديمة والقدس الشرقية

“الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر فنك”.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: OZAN KOSE ©AFP | OZAN KOSE ©AFP

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!