فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / أزمة مسلمي “الروهينغا” تضع النقاط على حروف “السياسات الإنسانية” التركية وطموحات إردوغان في زعامة العالم الإسلامي

أزمة مسلمي “الروهينغا” تضع النقاط على حروف “السياسات الإنسانية” التركية وطموحات إردوغان في زعامة العالم الإسلامي

TURKEY - OIC - ISLAM - SUMMIT
إردوغان وسط زعماء منظمة التعاون الإسلامي. Photo OZAN KOSE / AFP

 

أثارت الأزمة الإنسانية التي تتصاعد وتيرتها في ميانمار موجةً كبيرةً من الإدانة الدولية، وذلك في أعقاب إجبار ما يقارب 370 ألف من مسلمي “الروهينغا” على النزوح إلى خارج البلاد. إلا أن هذه الإدانات لم تترجم إلى أي عمل ملموس على أرض الواقع بحسب المقالة التي نشرها مؤخراً موقع “The Conversation” للباحث المتخصص في السياسات الدولية سيمون واتماو.

وحازت أزمة “الروهينغا” على اهتمام كبير من قبل الأمم المتحدة ومفوضيتها السامية لحقوق الإنسان، حيث وصف رئيس المفوضية الأمير زيد رعد الحسين هذه الأزمة بأنها “نموذجًا ممنهجًا للتطهير العرقي”. وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس قد سبقه بتصريحٍ مماثل ندّد فيه بسياسة ميانمار تجاه مسلمي “الروهينغا”. وفي الوقت الذي اتسم فيه رد فعل الدول الغربية تجاه الأزمة بالبطء والتردّد، فقد سعى قادة الدول ذات الأغلبية المسلمة، وبصورةٍ خاصة ماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش وباكستان، إلى فرض أكبر قدر ممكن من الضغط الدولي على حكومة ميانمار.

ويرى واتماو أن الموقف التركي تجاه الأزمة كان الأكثر حدّة وقوّة، لافتاً النظر إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سعى عبر تصريحاته لأن يكون الصوت الذي ينافح عن مسلمي “الروهينغا” على المستوى العالمي.

المساعدات التركية

BANGLADESH - TURKEY - ROHINGYA - UNREST - DIPLOMACY
قرينة الرئيس التركي في زيارة لكوكس بازار. Photo SUZAUDDIN RUBEL / AFP

 

يشير أحد تصريحات الحكومة التركية إلى أن إردوغان كان الشخصية الدولية الأولى التي استطاعت الحصول على موافقة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى ميانمار. وكانت حكومة ميانمار قد منعت وصول مساعدات الأمم المتحدة إلى مسلمي “الروهينغا” في ذروة احتدام أعمال العنف.

وفي 7 سبتمبر 2017، أصبحت وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا” الجهة الأولى التي تتمكن من إيصال شحنة مساعدات دولية أولية قدرها ألف طن إلى ولاية “راخين” التي تعيش فيها الغالبية العظمى من مسلمي “الروهيغا”.

وفي الوقت نفسه، أعلنت تركيا عن خططٍ لتوزيع المساعدات الإنسانية على معسكرات “الروهينغا” في بنغلاديش. وتزامن إعلان أنقرة عن هذه الإجراءات مع زيارة زوجة الرئيس التركي أمينة أردوغان إلى معسكرات النازحين.

استنكار عام

لم يوفّر إردوغان الفرصة في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في العاصمة الكازاخستانية أستانة، والذي جرت فعالياته في 10 سبتمبر 2017، حيث أدان موقف ميانمار تجاه مسلمي “الروهينغا”. ويرى الكاتب أن إردوغان أراد تولي زمام مبادرة منظمة التعاون الإسلامي بوصفه الرئيس الحالية لها، علماً بأنه سبق له وأن قام بوصف أحداث العنف الدائرة هناك بأنها “إبادة جماعية“.

ومنذ اندلاع الأزمة في 25 أغسطس 2017، اتخذ الرئيس التركي عدة مبادرات لتوحيد موقف قادة الدول الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وبما يكفل فرض المزيد من الضغوط على حكومة ميانمار. وفي هذا الصدد، أجرى إردوغان محادثات في 31 أغسطس 2017 مع زعماء موريتانيا وباكستان وإيران وقطر لحثهم على المشاركة في الجهود الرامية لإيقاف أعمال العنف ضد مسلمي “الروهينغا”.

ويسلط واتماو في مقالته الضوء على مواقف السياسيين الأتراك تجاه الأزمة، حيث لفت إلى الاهتمام الواسع الذي حظيت به تصريحات وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في أروقة السياسية العالمية. وبدوره، غرّد نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشيك بعض الصور لإثارة الاهتمام باستهداف الروهينغا، إلا أن هذه الصور لم تكن بذات صلة بالأزمة، وهو ما وضع شيمشيك في حالةٍ من الحرج.

طموحات عالمية

يتساءل واتماو في هذا القسم من مقالته حول السبب الكامن وراء سعي أنقرة للعب دور مفصلي في هذه الأزمة. وبحسب الكاتب، يلعب الفراغ السياسي الذي خلفه تراجع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دورها القيادي العالمي دورًا كبيرًا في ذلك. ويبدو أن دعم أنقرة المتواصل للغرب قد شارف على نهايته. فعلى الرغم من عضوية تركيا في حلف الناتو وسعيها المتواصل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن سياسة تركيا الخارجية في عهد الرئيس إردوغان والحكومة الحالية لحزب العدالة والتنمية حوّلت أنظارها نحو الجنوب بحثًا عن فرص جديدة.

وتعتمد السياسة الخارجية التركية الحالية، بحسب واتماو، على عقيدة “الجغرافية السياسية الحضارية“. وأطلق هذا المصطلح أكاديميان متخصصان في جامعة بيلكنت وهما بينار بيلغن وعلي بيلغيتش، حيث يعني “الاعتماد على الثقافة والحضارة كعوامل تحدّد بصورةٍ حتمية طبيعة السلوك الدولي”.

وتهدف هذه الاستراتيجية الجديدة، بحسب بيلغن وبيلغيتش، إلى وضع تركيا في صميم القضايا الجيوسياسية التي تربط بين الغرب وباقي دول آسيا. ولتحقيق هذا الهدف، لا بد وأن تعتمد تركيا على إرثها السياسي في التدخل في القضايا العالمية، فضلاً عن الاستناد في هذا الجانب على جذورها التاريخية التي تعود إلى منطقة آسيا الوسطى وعلى تاريخها العثماني.

وأصبح هذا التحول أكثر وضوحًا في أواخر العقد الأول من القرن الحالي. ويعود الفضل في هذا التحول إلى أحمد داود أوغلو، الأستاذ المتخصص في الجغرافيا السياسية ووزير الخارجية التركي السابق بين عامي 2009 و2014. وتأكيداً لهذا الطرح، فقد أطلقت مجلة “فورين بوليسي” في عام 2010 على داود أوغلو لقب “العقل المدبر للصحوة التركية العالمية“.

ويرى واتماو أن أحمد داوود أوغلو استطاع في فترةٍ قصيرة تعزيز التأثير الذي تحظى به الدبلوماسية التركية على المستوى العالمي، وبصفةٍ خاصة في قارتي آسيا وإفريقيا. وتم افتتح أول سفارة تركية في ميانمار عام 2012 بهدف الاستفادة من فرص التجارة في ميانمار بعد اعتماد هذه الدولة الآسيوية على الاقتصاد الليبرالي في 2008. وبالطبع، فقد كانت قضية مسلمي الروهينغا من الجوانب التي دفعت تركيا للتوجه نحو هذه الدولة.

وأجرى داود أوغلو زيارة إلى مخيمات لاجئي “الروهينغا” في عام 2013، حيث طالب حكومة ميانمار بالمضي قدماً في عملية تزويد أبناء هذه الأقلية بحقوقهم كمواطنين. وتزامنت هذه السياسة الخارجية الجديدة مع تطلعات تركيا بأن تصبح “قوّة إنسانية عالمية”. وأطلق أمين فؤاد كيمان وأنور زقاق على هذا الطموح الذي عاشته تركيا لأكثر من عقدٍ من الزمن اسم “الدولة الإنسانية“.

وبحسب عبد الرحمن علي، الصحفي ووزير التخطيط الصومالي السابق، فإن التوجه الإنساني التركي حل وسط بين أسلوب الغرب في تقديم المساعدات وما تقوم به الصين في هذا المجال. ويفرض النموذج الغربي العديد من الشروط على الدول المستفيدة من المساعدات، بالتزامن مع الاعتماد على أسلوب بيروقراطي يركز على القضايا الأمنية. في المقابل، يميل النموذج الصيني إلى دعم الأنظمة الفاسدة والاستبدادية. أما النموذج التركي، بحسب عبدالرحمن علي، فإنه يسعى عادةً إلى تجاوز البيروقراطية للتركيز على “معيار الأخلاقية الذي يعتمد على حماية حقوق الإنسان ومساعدة الضعفاء”.

وبالطبع، فقد عزّزت تركيا من طموحاتها في هذا المجال عبر زيادة تمويل المساعدات الإنسانية على مدار السنوات الخمس الماضية. وفي هذا الصدد، أكدت مؤسسة “Development Initatives” غير الحكومية البريطانية أن تركيا تحتل حالياً المرتبة الثانية عالمياً على مستوى تقديم المساعدات الإنسانية، حيث أنفقت أنقرة في عام 2016 قرابة 6 مليار دولار أمريكي في هذا المجال. وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية رأس قائمة الدول التي تقوم بتقديم المساعدات بـ6.3 مليار دولار.

المنافحة عن حقوق المسلمين

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.Photo ADEM ALTAN / AFP

يرى وانماو أن السياسة الداخلية تلعب دوراً هاماً في هذا التوجه، لافتاً إلى أن الكثير من التصريحات التي أطلقها إردوغان بشأن قضية “الروهينغا” تصب بالكامل في مصلحته الشخصية. وتلعب صورة تركيا كدولة قوية وقادرة على الوصول إلى المسلمين في جميع أنحاء العالم دورًا هامًا في الداخل التركي. وأصبح المواطنون المسلمون الذين عانوا لعقودٍ من التهميش أكثر تأثيراً في وسائل الإعلام والأعمال والسياسات خلال فترة حكم إردوغان للبلاد على مدى 15 عامًا.

وينظر مؤيدو إردوغان المتحمسون في تركيا إلى الزعيم التركي باعتباره البطل المنافح عن حقوق المسلمين في كل مكان. ويتشارك المؤيدون الأتراك في هذه التوجه مع قطاعات عريضة من الرأي العام في العالم الإسلامي.

وقام إردوغان باستغلال صورته كزعيم ينافح عن حقوق المسلمين في كثير من الأزمات الأخرى. ومن الأمثلة على ذلك، ما قام به في مصر خلال فترة حكم الرئيس السابق مرسي بين عامي 2011 و2012 وتجاه فلسطين. وبعد صدامه العلني مع إسرائيل والغرب، أطلق بعض الصحفيين المناصرين للقضية الفلسطينية عليه لقب “ناصر الجديد” في الصحف العربية.

منافسة تلوح في الأفق

شهدت الأيام الأخيرة بروز المملكة العربية السعودية كمنافس محتمل لزعامة تركيا للصف الإسلامي في أزمة “الروهينغا”. وأصدر سفير المملكة العربية السعودية في تركيا بيانًا أكد فيه على دعم المملكة القوي لمسلمي “الروهينغا” منذ عقود. وبدورها، لم توفّر إيران الفرصة، حيث تعهدت بإيصال شحنات من المساعدات إلى ميانمار قريبًا.

ووعد إردوغان بإثارة قضية “الروهينغا” في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر 2017. وتجدر الإشارة إلى أن زعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي اعتذرت عن حضور هذا الاجتماع.

ويختم الكاتب بالقول إن دعوة إردوغان لحماية المسلمين في جميع أنحاء العالم قد تكون لحظة حاسمة لزعامة تركيا على المستوى الدبلوماسي، لافتاً إلى أن سير الدول الإسلامية من عدمه في ركب أنقرة سيضع النقاط على حروف “السياسات الإنسانية” التركية.

The Conversation

  • الأسلحة وتأثيرها على قضية خاشقجي

    "لقد قام الرئيس ترامب بتشجيع المملكة العربية السعودية عبر الاعتماد على دبلوماسيته الشخصية والتركيز على الوظائف أكثر من التركيز على المصالح أو المثل الأمريكية الأوسع. وإذا ما تمكن السعوديون من إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية خارج نطاق قضية خاشقجي، فإن ترامب يفتح الباب أمام فرض المزيد من القيود على النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط".
  • مسؤولية أكبر تقع على عاتق وسائل الإعلام الغربي للتمييز بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي

    أكدت دراسة أجرتها جامعة فيينا في عام ٢٠١٧، فإن التغطية الإعلامية التي لا تميز بشكلٍ صريح بين المسلمين والإرهابيين الإسلامويين تغذي المواقف العدائية تجاه السكان المسلمين بصفةٍ عامة. ومع تزايد الوعي بأثر هذا النوع من الأخبار والتقارير، فقد حاولت بعض المنافذ الإعلامية المماثلة لقناة “سي إن إن” التمييز بين “الإسلام المعتدل” و”الإسلام المتطرف”، وبين “الإسلام” و”التطرف الإسلامي”.
  • كيف تتجنب مصر انعدام المساواة والفصل الطبقي في عاصمتها الجديدة

    إذا ما قُدِّر للعاصمة المصرية النجاح، فإنه يتوجب عليها الالتزام بمبادئ المدن الشاملة التي تسفح المجال لجميع المواطنين بالتجمّع فيها والتشارك بها وبفرصها. وكان هذا الجانب أهم مبادئ التصميم التي اعتمدت عليها كوستا. إلا أن تصميم المهندس المعماري البرازيلي لم يصمد في برازيليا الجميلة التي قام بتصميمها بسبب عدم وجود السياسات الجادة والداعمة للسكان من ذوي الدخل المحدود.