فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / كارتل ميليشيات طرابلس الاحتكاري: الاستقرار غير المدروس يقف في وجه التقدّم السياسي ويجازف بتجديد الحرب في ليبيا

كارتل ميليشيات طرابلس الاحتكاري: الاستقرار غير المدروس يقف في وجه التقدّم السياسي ويجازف بتجديد الحرب في ليبيا

Translation- Fajr Libya
مقاتل في كتيبة محسوبة على تحالف مقاتلي “فجر ليبيا” المحسوب على الإسلاميين أثناء عرض عسكري في أعقاب المعارك التي تم شنها على تنظيم “الدولة الإسلامية” في مدينة صبراتة غربي العاصمة طرابلس في يوم 28 فبراير 2016. المصدر: AFP.

نشر المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية مقالة مهمة سلّطت الضوء على ما تعيشه العاصمة الليبية طرابلس من وضعٍ إشكالي على وقع التحديات الكبرى التي تواجهها حكومة الوفاق الوطني في مواجهة الميليشيات المحلية المتحكمة بالعاصمة.

ويبدأ وولفرام لاخر، أحد كبار الأعضاء في وحدة الشرق الأوسط وإفريقيا بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، مقالته بالإشارة إلى تمكّن مجموعة صغيرة من الميليشات المحلية من تعزيز سيطرتها بشكلٍ تدريجي على جزءٍ كبير من العاصمة الليبية منذ تأسيس تواجد حكومة الوفاق الوطني المدعومة على يد الأمم المتحدة في طرابلس في مارس من عام 2016. وعلى الرغم من ولاء هذه المجموعات المسلّحة بشكلٍ اسمي لحكومة الوفاق الوطني، إلا أنها اليوم تسيطر في حقيقة الأمر على الحكومة. ونمت هذه المجموعات لتصبح شبكاتٍ إجرامية تطال أروقة الأعمال والسياسة والإدارة. وبات نهب أموال وعائدات الدولة – وهو من العلامات المميزة للاقتصاد السياسي في ليبيا – يصب في مصلحة مجموعة ضيقة أكثر من أي وقت مضى منذ اندلاع ثورة 2011. وتعمد المجموعات الأخرى، التي أقصيت من هذا الترتيب، إلى بناء تحالفاتٍ جديدة لتغيير ميزان القوى في طرابلس بالقوة. وعلى هذا النحو، فإن هناك حاجة ملحّة لترتيبات أمنية جديدة في العاصمة، بما يكفل الحيلولة دون تجدّد الصراع وتهيئة الأرضية المناسبة لإقامة تسوية سياسية ذات نطاقٍ أوسع.

وكان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني قد وصلت إلى طرابلس في مارس من عام 2016، وذلك بعد مرور ثلاثة أشهر من التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي. وقامت الأطراف الرئيسية الداعمة للاتفاق وهي الأمم المتحدة والحكومات الغربية بتشجيع أعضاء المجلس الرئاسي التسعة بقوّة على الانتقال بسرعة إلى طرابلس وفرض الوقائع على الأرض. وكان ذلك على الرغم من عدم سيطرة المجلس على أيٍّ من قوات الأمن النظامية التي يستطيع من خلالها حماية نفسه في العاصمة. وأدى ذلك إلى اعتماد المجلس الرئاسي على مجموعاتٍ مسلحة مختارة من طرابلس ومصراتة لحمايته. وبحسب لاخر، فقد كانت هذه الخطوة مثيرة للجدل وساهمت في فشل الاتفاق السياسي الليبي. وكان اثنان من أعضاء المجلس الذين قاطعوا اجتماعاته السابقة لم يشاركا على الإطلاق في أيّ اجتماعاتٍ تم عقدها في طرابلس.

وفي غضون عام من وصول المجلس الرئاسي إلى العاصمة طرابلس، قامت حفنةٌ من المجموعات المسلحة التي دعمت تأسيسه في طرابلس بالاستيلاء على جزءٍ كبير من العاصمة، حيث قامت بإخراج منافسيها بصورةٍ تدريجية من المدينة في أعقاب سلسلةٍ من الاشتباكات. وحصلت هذه المجموعات بعد ذلك على مستوى غير مسبوق من التأثير على مؤسسات الدولة في طرابلس. وتتضمن قائمة المجموعات الأربع كلاً من كتيبة ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجوري، وكتيبة “النواصي” بقيادة عائلة قدّور، وقوّة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة، وفرع أبو سليم التابع لجهاز الأمن المركزي بقيادة عبد الغني الككلي.

وأدى التحوّل الحاصل في المشهد الأمني بطرابلس إلى تحسّن كبير في أمن المواطن العادي، حيث تم الانتقال من توليفةٍ معقدة تتعدد فيها المجموعات إلى مجموعة احتكارية صغيرة من الميليشيات الكبيرة. وأظهرت الأمم المتحدة والسفارات الغربية ثقتها في الوضع الراهن، حيث بدأت تدريجياً بالعودة إلى طرابلس ودعمت بشكلٍ ضمني ما قامت به الميليشات الموالية لحكومة الوفاق الوطني من توسّع عنيف. إلا أن تحالف ميليشيات العاصمة، بحسب لاخر، يهدّد بإفشال محاولات الأمم المتحدة الجارية للتوسط بغرض التوصل إلى تسوية سياسية أكثر استدامة وينذر بنشوب صراعٍ جديد وكبير حول العاصمة.

ظهور كارتل الميليشيات

Translation- Government of National Accord
نائب رئيس حكومة الوفاق الوطني أحمد معيتيق في مؤتمرٍ صحفي عقده يوم 26 يونيو 2018 في العاصمة طرابلس. ودعت حكومة الوفاق الوطني مجلس الأمن الدولي لإيقاف صادرات النفط “غير القانونية” من هذه الدولة الغارقة في الفوضى بعد سيطرة الإدارة المنافسة لها على الموانئ الرئيسية. المصدر: AFP.

التزمت مجموعةٌ صغيرة من الميليشيات المسلّحة بدعم المجلس الرئاسي عندما قرّر الانتقال إلى العاصمة طرابلس. وكانت المجموعات المحسوبة على ما بقي من المؤتمر الوطني العام، الذي تم انتخابه في عام 2012، وعلى الحكومة المنبثقة عن المؤتمر قد أعلنت رفضها لمجلس الرئاسة، معلّلةً هذا الرفض بأن المجلس قد تم فرضه من الخارج. وتبعت مجموعات مصراتة المسلحة الكبيرة في طرابلس بشكلٍ جزئي مواقف أبناء مدينتها من القادة السياسيين، حيث قامت بدعم المجلس الرئاسي بصورةٍ جزئية ومعارضته أيضاً بصورةٍ جزئية. من جانبه، قام هيثم التاجوري – الذي كانت مجموعته المسلحة إحدى المجموعات الكثيرة الموجودة في العاصمة وتحوّلت منذ ذلك الحين إلى الميليشيا الأكبر في طرابلس – بالتحرّك بشكلٍ علني ضد المجلس الرئاسي قبيل أسبوعين فقط من وصول المجلس إلى المدينة. وأبقت العديد من المجموعات المسلّحة الأخرى خياراتها مفتوحة.

ويرى صاحب المقالة أن وصول المجلس الرئاسي أجبر المجموعات المسلحة على الانحياز إلى جانب معيّن، علماً بأن اختيار المجموعات للجانب الذي تقف في صفه لم يعتمد في جميع الأحوال على المبادئ. وركز المجلس الرئاسي قبل انتقاله إلى طرابلس على كسب دعم كتيبة “النواصي” وقوّة الردع الخاصة، حيث تمركزت هاتان المجموعتان في منطقة سوق الجمعة وسيطرت على المنطقة المحيطة بالقاعدة البحرية التي يتواجد فيها مكتب المجلس. كما سيطرت قوّة الردع الخاصة على المطار الوحيد العامل في العاصمة. وانضمت مجموعة التاجوري في خطوةٍ تلقائية إلى قائمة مناصري المجلس الرئاسي ليلة وصوله إلى العاصمة. ودخلت مجموعة عبد الغني الككلي الموجودة في منطقة أبو سليم في غضون عدّة أيام ضمن هذا التحالف. وكانت جميع المجموعات الأربع تتنافس مع مجموعاتٍ محلية أخرى على المناطق والمقدرات؛ لتجد المجموعات المنافسة نفسها تلقائياً في المعسكر الآخر. وسرعان ما وقع المجلس الرئاسي تحت تأثير الميليشيات التي تحميه وقام ببذل القليل من الجهد للوصول إلى المجموعات الأخرى.

وبدأت هذه الميليشيات الأربع منذ ذلك الحين بالتوسع. وجرى رسم خطوط النزاع بشكلٍ جزئي بحسب الولاء للحكومتين المتنافستين في طرابلس. كما أثر الانقسامات الأيديولوجية بصورةٍ جزئية على معالم النزاع الدائر، خاصةً إذا ما علمنا أن التيار السلفي المدخلي، الذي يسيطر على قوّة الردع الخاصة، يعتبر أنصار الإسلام السياسي من الخوارج. وترتسم معالم هذا النزاع أيضاً بصورةٍ جزئية نتيجة المنافسات بين العصابات. وكانت الميليشيات الأربع قد سيطرت بحلول مارس 2017 على أغلبية المنطقة الوسطى من طرابلس؛ لتقوم في مايو 2017 بطرد بقايا منافسيها من جنوبي العاصمة. ولم تعد هذه الميليشيات تواجه معارضةً عنيدة من المجموعات المسلحة المحلية إلا في منطقة تاجوراء الشرقية.

وقامت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدعم توسع الميليشيات بموافقتها الضمنية على هذا التوسّع، فضلاً عمّا قدّمته من مشورة لمسؤولي حكومة الوفاق الوطني الذين قاموا بالتنسيق مع المجموعات المسلّحة. واستند هذا الدعم على التوقعات ببناء مجلس الرئاسة تدريجياً لقوته الخاصة “الحرس الرئاسي” بغرض حماية نفسه. إلا أن تأثير الميليشيات الأربع الكبرى الذي تنامى بسرعةٍ كبيرة أثبت انعدام قدرة الحرس الرئاسي على التحوّل إلى قوةٍ كبيرة.

اقتصاد التوسّع

Translation- Libyan militia
قادة قبليين ليبيين يصلون في مدينة الزنتان على بعد 170 كيلومتراً من العاصمة طرابلس يوم 28 مارس 2018. المصدر: AFP.

يتساءل لاخر في هذا القسم من المقالة عن الأسباب التي أتاحت سيطرة هذه المجموعات المسلّحة الأربع على جزءٍ كبير من طرابلس في غضون عامٍ واحد. ورفض صاحب المقالة أن تكون الميزانيات التي حصلت عليها هذه المجموعات السبب في ظهور هذه السيطرة. وكانت هذه الميليشيات الأربع وما تزال تابعة رسمياً للمؤسسات الأمنية بصورةٍ مماثلة لما عليه الحال مع معظم المجموعات الليبية المسلحة. وتعتبر مجموعات التاجوري والككلي وعائلة قدّور جزءاً من جهاز الأمن المركزي، حيث تقوم هذه المجموعات بتغطية الرواتب والتكاليف التشغيلية عبر هذا الجهاز. وكانت ذروة عملية التوسّع التي قامت بها الميليشات عبر ما تحصل عليه من تمويلاتٍ حكومية في عامي 2012 و2013. وانخفضت الميزانيات المخصصة للميليشيات بعد انقسام مؤسسات الدولة في أعقاب الحرب الأهلية التي اندلعت في منتصف عام 2014. ولم يتغيّر هذا الأمر بتشكيل حكومة الوفاق الوطني. ولم يسمح المصرف المركزي للمجلس الرئاسي إلا بالحصول على نذرٍ يسير من التمويل.

وعوضاً عمّا كانت تحصل عليه من تمويلاتٍ حكومية، فقد اعتمد توسّع المجموعات المسلّحة من الناحية المالية على تدفقات الدخل التي طورتها في أعقاب تقلّص التمويل الحكومي منذ عام 2015. وتمثل أحد الآثار المترتبة على تقليص الميزانيات في الارتفاع الحاد لما شهدته طرابلس من عمليات اختطاف في عامي 2015 و2016. كما بدأت الميليشيات بتكوين “ابتزازات الحماية” أثناء هذه الفترة، وبصورةٍ مماثلة لفرض الضرائب على الأسواق.

واستغلت المجموعات المسلّحة لاحقاً ما وفره استفحال الأزمة الاقتصادية الليبية من فرص، حيث عزّزت هذه الأزمة بشكلٍ تدريجي من قدرة هذه المجموعات على اختراق البنية التحتية للنظام المالي. ومنذ نهاية عام 2014، تراجعت الثقة بالدينار الليبي نتيجة انهيار إنتاج النفط الذي بدأ في عام 2013 وبسبب ما شهدته مؤسسات الدولة من انقسام منذ أواسط عام 2014. واتسع الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء، ليوفر ذلك هوامش ربح متزايدة لمن تمتع بالقدرة على الوصول إلى العملات الصعبة بسعر الصرف الرسمي. ودفع هذا الأمر المجموعات المسلّحة في طرابلس للبدء بـ”حماية” فروع البنوك لضمان امتياز الحصول على العملات الصعبة بأسعار الصرف الرسمية. وتم تنفيذ هذا الموضوع في بداية الأمر عبر ما وصفه صاحب المقالة بـ”الانتهاكات صغيرة الحجم” التي تتضمن دفع المصارف لإصدار البطاقات الائتمانية، ومن ثم السفر إلى الخارج وسحب العملات الأجنبية والعودة لصرفها في السوق السوداء. ويتضمن أحد المخططات الأكثر تعقيداً الحصول على الاعتمادات المستندية تتيح الحصول على العملات الأجنبية بسعر الصرف الرسمي بغرض توريد السلع، ليجري بعد ذلك توريد ما يقل عمّا تم الإعلان عنه – أو حتى عدم توريد أي شيء – وتحويل العملة الصعبة بالدينار في السوق السوداء. وقد يقوم قادة الميليشيات بابتزاز مدراء فروع المصارف أو الحصول على تواطئهم الكفيل بالحصول على الاعتمادات المستندية المخصصة للشركات التي يتم استخدامها كواجهة.

وأدى تأثير المجموعات المسلّحة المتزايد على البنوك إلى انهيار الثقة في النظام المصرفي بشكلٍ أكبر، بالتزامن مع انتشار شائعاتٍ تزعم تحالف موظفي المصارف مع عصابات الخطف بهدف توفير المعلومات عن الودائع. وبحسب لاخر، فقد أسفرت مخططات التحايل عن تشديد السلطات لإمكانية الحصول على العملات الأجنبية بسعر الصرف الرسمي، ما دفع التجّار إلى سحب ودائعهم وتحصيل العملات الأجنبية من السوق السوداء. وإلى جانب التضخّم، الذي ارتفع نتيجة انخفاض سعر الصرف، فقد اجتمعت هذه التطورات مع بعضها البعض لتقود إلى أزمةٍ في السيولة النقدية. وبات مشهد الطوابير الطويلة أمام البنوك من المشاهد الدائمة في طرابلس منذ بداية عام 2016.

وبحسب صاحب المقالة، فإن أزمة السيولة زوّدت المجموعات المسلّحة بالمزيد من الفرص، خاصةً وأن هذه المجموعات كانت في موقعٍ أفضل يتيح لها إمكانية سحب رواتبها نقداً بمجرد وصول الأوراق المالية إلى أحد فروع البنوك. وقام قادة الميليشيات بتطوير مجموعةٍ من الزبائن من بين المواطنين العاديين، وقد تم ذلك عبر تزويدهم بامتياز الوصول إلى السحوبات النقدية. كما تم تحقيق الأرباح بر شراء الشيكات من المواطنين بسعرٍ مخفّض. وكان يجري بعد ذلك تحويل الشيكات إلى أموال نقدية مقابل قيمتها الاسمية. كما قامت المجموعات المسلّحة بتحصيل دفعاتٍ شهرية لقاء حماية فروع البنوك، وذلك إلى جانب ما يحصل عليه عناصرها من رواتب الدولة. وباتت عقود توفير الأمن المدفوعة معياراً تعتمد عليه جميع الشركات التي تملكها الدولة ولمباني المكاتب الرئيسية.

وتشير التغييرات الحاصلة على الأساس المالي لميليشيات طرابلس إلى أن تنافس هذه الميليشيات بين بعضها البعض يحمل في طياته بعداً اقتصادياً قوياً، فضلاً عن أن التوسّع المناطقي قادرٌ على البقاء من الناحية الاقتصاية في ظل توفير المناطق الجديدة لموارد الدخل الجديدة.

من ميليشيات إلى مافيات

Translation- Fayez al-Sarraj
رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السرّاج أثناء زيارته لمقر اللجنة الانتخابية الليبية في العاصمة طرابلس وذلك بعد استهدافه من قبل انتحاريين يوم 2 مايو 2018. المصدر: AFP.

يرى لاخر أن تحالف الميليشيات في طرابلس قد تحوّل إلى كارتل احتكاري تحت أنظار ومسامع المجلس الرئاسي ولم تعد الميليشيات عبارة عن مجموعات مسلّحة تمارس نفوذها باستخدام القوّة العارية، إذ نمت هذه المجموعات لتصبح شبكاتٍ تسللت إلى أروقة السياسة والإدارة والأعمال.

ولعبت مخططات الاحتيال التي تدور حول الاعتمادات المستندية دوراً رئيسياً في إحداث هذا التطوّر. وربط رجال الأعمال أنفسهم بقادة الميليشيات للاستفادة من احتيالات الاعتمادات المستندية، ليقوموا بعد ذلك باستثمار جزءٍ من أرباحهم في المجموعة المسلّحة التي تحالفوا معها. وبات الإطار القانوني الناظم للاعتمادات المستندية أكثر تعقيداً بسبب تشديد البنك المركزي للرقابة. كما قامت وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة الوفاق الوطني بتشكيل لجنة للإشراف على الإجراءات المرتبطة بالاعتمادات المستندية، وقام ديوان المحاسبة بتعليق عددٍ متزايد من الاعتمادات المستندية الموافق عليها. وتوجّب على جميع الجهات الفاعلة المرتبطة بانتهاكات الاعتمادات المستندية فرض نفوذها على تلك المؤسسات المختلفة وفي فروع البنوك وإدارة الجمارك لمتابعة نشاطاتها.

وفي إطار المساعي الرامية لمواصلة هذه الممارسات غيرها من الممارسات الاحتيالية، فقد بدأ قادة المجموعات المسلّحة الكبيرة في طرابلس بوضع عملاء لهم في جميع أنحاء الإدارة. وبحسب صاحب المقالة، فإن إجراء التعيينات الجديدة في الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى تعرضت لضغط الميليشات الكبير منذ أواخر عام 2016. وباتت الشبكات المرتبطة بالميليشيات قادرةً بشكلٍ أكبر عبر ممثليها في الإدارة على العمل بطريقةٍ منسقة في مختلف المؤسسات. وبحسب السياسيين، وقادة الميليشيات، والعاملين في الإدارة في طرابلس، فقد بات المجلس الرئاسي مع حكومة الوفاق الوطني بمثابة واجهة تقف خلفها المجموعات المسلّحة، وأصبحت المصالح المرتبطة بهذه المجموعات تهيمن على الحدث. وتجدر الإشارة إلى حصول أبناء طرابلس على حصّة الأسد من الأشخاص الذين تم تعيينهم في المناصب، ما أدى إلى تقويض معادلة التناسب الجغرافي التي اعتمدتها حكومة الوفاق الوطني.

وبحسب صاحب المقالة، فقد أدى الخناق الذي فرضه كارتل الميليشيات الاحتكاري على الإدارة حالياً إلى حصر الاستفادة من الأرباح الناتجة عن نهب أموال الدولة بمجموعاتٍ أصغر من القوى الفاعلة أكثر من أي وقت مضى منذ عام 2011. وليس من المستغرب أن يؤدي هذا الوضع إلى إثارة توتراتٍ خطيرة. ويلفت لاخر النظر إلى وجود مجموعات من ميليشيات مصراتة في طرابلس، حيث تقوم هذه المجموعات بدعم الوضع القائم هناك. ويرى صاحب المقالة أن استياء معظم مجموعات مصراتة المسلّحة، والعديد من سياسييها، بات في تصاعد نتيجة تهميشهم على يد كارتل ميليشات طرابلس الاحتكاري. وترافقت حالة الاستياء التي شهدتها في مدينة الزنتان، التي تتواجد فيها ثاني أكبر القوات غربي ليبيا، مع الرغبة الطويلة بالعودة إلى العاصمة والتخلّص مما واجهته مجموعاتها المسلّحة من ذل في عام 2014، حيث تم حينذاك طرد قوات الزنتان بالقوة من العاصمة على يد التحالف التي قادته مصراتة. ولم تعد تعيينات أبناء الزنتان الأخيرة في المناصب القيادية بطرابلس كافية لتهدئة هذه الطموحات. كما تتواجد قوة أخرى تخطط للتواجد في العاصمة وهي موجودة حالياً في مدينة ترهونة.

وحاولت القوى الفاعلة من هذه المدن الثلاث ببناء تحالفٍ لدخول طرابلس بالقوّة خلال الأشهر الأولى من عام 2018. وتجدر الإشارة إلى أن تعقيد التحالفات المحيطة بالعاصمة وانخراط بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الموضوع قد حال حتى الآن دون شن مثل هذا الهجوم. وطالما بقي الوضع الحالي في طرابلس على حاله، فمن المرجح أن تبدأ مثل هذه القوات بنزاع جديد على العاصمة.

استنتاجات

أعطى مسؤولو حكومة الوفاق الوطني والدبلوماسيون الغربيون على مدى العام الماضي انطباعاً بأن طرابلس في طريقها نحو الاستقرار. إلا أن المظهر الحالي لحالة الاستقرار مخادع، فالطريقة التي تم التوصل فيها لهذه الحالة تخفي في جعبتها تلافيف نزاعٍ جديد. كما أن ترسيخ حضور كارتل الميليشيات الاحتكاري في مؤسسات الدولة سيكون بمثابة عقبة في طريق التوصل إلى اتفاق سياسي مستقبلي. ومن الصعب التوصل إلى اتفاقٍ جديد حول تقاسم السلطة أو تسليمها للمؤسسات المنتخبة طالما كان شاغلو المناصب الحكومية الرسمية على دراية بأنهم تحت ضغط الميليشيات التي تسيطر على وزاراتهم.

ويرى صاحب المقالة أن الحكومات الغربية والأمم المتحدة لها نصيبٌ من المسؤولية عن الوضع الذي تعيشه طرابلس. وقامت الحكومات الغربية والمنظمة الدولية بتقديم دعمٍ ضمني لتأسيس احتكار من الميليشيات، حيث تم القيام بذلك على أساس اعتقاد خاطئ يفضي بأن مثل هذا الاحتكار سيساعد حكومة الوفاق الوطني على الحكم وتأسيس سلطتها. كما يدعم الحضور الدبلوماسي الغربي في طرابلس كارتل الميليشيات الاحتكاري، وهو ما يبرز الحاجة الملحّة لإحداث تغييرٍ في هذا التوجه. ويتوجب على الأمم المتحدة التوسّط بين الجهات المعنية في العاصمة وحولها، بالتزامن مع محاولة التفاوض حول ترتيباتٍ أمنية جديدة. ولا يمكن لهذه الترتيبات انتظار إحراز تقدّم في العملية السياسية، خاصةً وأنها شرطٌ مسبق لإحداث مثل هذا التقدّم.

ويختم لاخر مقالته بالتالي: “ليست هناك أية حلول سريعة ومباشرة للترتيبات الأمنية في طرابلس. ولا يمكن البدء بتشكيل قوات الأمن النظامية ووضع المسؤولية على عاتقها إلا بعد التوصل إلى اتفاق سياسي أكثر استدامة. ولا يسمح الوضع السياسي الراهن إلا بحلول مؤقتة مخصصة. وقد يتمثل أحد الحلول في التفاوض على عمليات الانتشار الدورية والمشتركة بين قوتين أو ثلاث قوى، وليكن ذلك ابتداءً من بعض المواقع الرئيسية، وبعد ذلك يمكن تطبيقها في عموم العاصمة إذا ما أثبتت نجاحها. ومهما كانت المعادلة التي يتم التوصل إليها، فإن بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا ستحتاج على الأرجح لتبني موقف فاعل في الإشراف على تطبيقها. ولا يمكن تطوير أي استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع المجموعات المسلحّة في ليبيا إلا بجهد حقيقي للتعامل مع التحديات المباشرة التي تطرحها هذه المجموعات”.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.