فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تونس / من الماضي الى الحاضر / التونسيون ممن يشعرون بخيبة أمل يتجهون إلى التهريب وإلى أوروبا

التونسيون ممن يشعرون بخيبة أمل يتجهون إلى التهريب وإلى أوروبا

Tunisia= Tunisian migrants
امرأة تجلس بجوار نعش أحد أحبائها خارج مستشفى في مدينة صفاقس التونسية في 4 يونيو 2018، بعد أن غرق أكثر من 50 مهاجراً في البحر المتوسط. Photo AFP ©AFP ⁃ Sofienne HAMDAOUI

غالباً ما يستشهد المراقبون العاديون بتونس على أنها قصة نجاح الربيع العربي، الذي أشعلته بعد الإطاحة بالدكتاتور السابق زين العابدين بن علي في يناير 2011. ومنذ ذلك الحين، انتقلت البلاد من الديكتاتورية إلى الديمقراطية التمثيلية.

ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد المتعثر والعزلة السياسية يحرمان الآلاف من الشباب التونسي من حقوقهم. النتيجة: عبور المزيد من الشباب التونسي بشكلٍ غير شرعي إلى أوروبا بحثاً عن حياة بسيطةٍ ولكن كريمة.

ففي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2017، سجلت إيطاليا وصول 1,400 تونسي إلى أراضيها. وفي الأسابيع الخمسة التالية، عبر عددٌ أكبر من التونسيين البحر المتوسط مقارنةً بالسنتين السابقتين مجتمعتين. وإجمالاً، تم إلقاء القبض على ما مجموعه 8700 تونسي من قبل الحرس البحري في تونس وإيطاليا على حد سواء في عام 2017، وهو رقمٌ يعتقد بعض المراقبين أنه مجرد جزء بسيط من الرقم الحقيقي.

ومع ذلك، لم تتم ملاحظة الارتفاع في مستويات الهجرة في تونس إلى أن اصطدم قارب صيدٍ مكتظ بأحد السفن في أكتوبر 2017، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 30 تونسياً. في حين وقعت آخر كارثةٍ في 4 يونيو 2018 عندما غرق 46 مهاجراً – بينهم تونسيون – قبالة سواحل البلاد.

إن ظاهرة سفر التونسيين إلى أوروبا بطرقٍ غير شرعية ليست بالظاهرة الجديدة. فخلال ثورة الياسمين (اسم آخر يُطلق على الربيع العربي) في عام 2011، فر أكثر من 28 ألف تونسي بقوارب صغيرة إلى أوروبا، مستغلين انهيار أجهزة إنفاذ القانون.

ومثلما كان الحال في ذلك الوقت، أصبح نقص العمالة وارتفاع تكاليف المعيشة أكبر العوامل التي دفعت التونسيين من المناطق الجنوبية والداخلية إلى الهجرة. فقد بلغ معدل البطالة في تونس 15% في عام 2014- في بعض أجزاء البلاد، حيث يمكن أن تصل نسب البطالة في ولاية القصرين في أقصى الجنوب، إلى ضعف نسبها في بعض المناطق الساحلية.

ويعتقد أيضاً أن بعض المهربين الذين اعتادوا على استغلال المهاجرين من جنوب الصحراء في ليبيا نقلوا عملياتهم إلى تونس منذ أن بدأ الاتحاد الأوروبي “حربه على التهريب” في عام 2015. فقد بدأ العديد من الشباب التونسيين بالتعامل مع هؤلاء المهربين بعد أن انهارت التجارة العابرة للحدود مع ليبيا في صيف عام 2017.

في ليبيا، كان المدنيون يحتجون آنذاك ضد مهربي الوقود، الذين يبددون مورداً ثميناً وسط الانهيار الاقتصادي. ودفاعاً عن قضيتهم، بدأت العديد من الميليشيات الليبية في شن حملاتٍ على هذه التجارة. إلا أن الحملة قضت على سبل عيش مهربي البنزين والباعة التونسيين، إذ فقد الكثيرون مصدر دخلهم الرئيسي، في حين كانت ولا تزال الوظائف ضمن نطاق الاقتصاد الرسمي نادرة. وحتى ذلك الحين، كان تهريب البنزين يُعيل نحو 5600 شخص، مما أدى إلى ضخ 320 مليون دينار تونسي (117 مليون دولار) إلى المنازل كل عام.

في ذلك الوقت، كانت تونس أيضاً تشن حربها على الفساد، حيث سمحت بإنفاذ القانون لاتخاذ إجراءاتٍ صارمة ضد مقرضي الأموال الذين يقومون بتمويل وتسليف الأنشطة غير الرسمية في المغرب العربي. فبدلاً من إيجاد طرقٍ لإضفاء الشرعية على النظام المالي غير الرسمي، يكتب مات هيربرت وماكس غالين من المجلس الأطلسي، أدت الإستجابة الأمنية إلى تقييد الوصول إلى رأس المال الأساسي في المناطق الفقيرة بالفعل في تونس.

عندما أقرت الحكومة أخيراً مشروع قانونٍ لوضع مبادلات العملة هذه، وعملتها الصعبة، تحت مظلة السوق الرسمية، طلبت من جميع شركات صرف العملات دفع 50 ألف دينار إلى الحكومة والحصول على شهادة بتخصص المالية لمواصلة العمل. وعليه، جردت هذه المتطلبات العشرات من تجار العملة غير الرسميين من دخلهم.

Tunisia- Sfax
شباب ينتظرون سماع أخبارٍ عن أصدقائهم وأقاربهم في مدينة صفاقس التونسية في 4 يونيو 2018، بعد أن غرق أكثر من 50 مهاجراً في البحر المتوسط. Photo AFP ©AFP ⁃ Sofienne HAMDAOUI

ومع تدهور الاقتصاد غير الرسمي، بدأت الحكومة في بداية عام 2018 بإجراءات تقشفٍ خانقة في ظل ضغوطاتٍ من صندوق النقد الدولي. أشعلت هذه الخطوة اضطراباتٍ في تونس حيث خرج الكثيرون إلى الشوارع للاحتجاج.

وقالت لنا أميمة بن عبد الله، وهي باحثة مساعدة سابقة في هيومن رايتس ووتش وتعمل اليوم محللة في الشأن التونسي، في فَنَك، إن على الحكومة بذل المزيد من الجهد للحد من عدم المساواة في المنطقة. كما أكدت على ضرورة زيادة الأجور حتى يتمكن الشباب التونسي من تحمل تكاليف الحياة، بينما اقترحت أن على الحكومة أيضاً تمكين أصحاب المشاريع وتقديم القروض لقادة الأعمال الصغيرة.

إذ قالت: “في الوقت الحالي، لا يتوفر للشباب حلول لكل هذه المشاكل [الاقتصادية].” وأضافت “لقد اختفى الأمل في حياةٍ أفضل بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية وعدم وجود إجراءات فعالة لتحسين الاقتصاد.”

كما عبر حسن شوشان، وهو عاطلٌ عن العمل يبلغ من العمر 27 عاماً حاول عبور الحدود إلى صقلية العام الماضي، عن هذا الشعور. فعندما اعترض حرس البحرية التونسية القارب الذي يقله، قال لرويترز إنه “يفضل الموت في البحر أكثر من البقاء في تونس دون كرامة.” وذكرت رويترز أن شوشان صرخ في وجه حرس السواحل “أرجوكم دعونا نواصل رحلتنا. نحن لا نريد أن نبقى هنا،” وتعهد بمحاولة العبور مرةً أخرى.

وعلى الرغم من تزايد أعداد التونسيين الذين يعبرون بشكل غير شرعي إلى أوروبا، إلا أن الرقم لا يزال منخفضاً نسبياً مقارنةً بالهجرة من أماكن أخرى في إفريقيا والشرق الأوسط. ومع ذلك، وضع تنامي كراهية الأجانب في إيطاليا المهاجرين التونسيين ضمن إطار مجموعات الإرهابيين الذين تم العفو عنهم في الآونة الأخيرة.

ولكن كتب ستيفانو م. توريلي، وهو زميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والذي تابع هذه القضية، أن هذه الاتهامات تتخطى بقليل كونها مجرد ترويجٍ للخوف السياسي. ففي عام 2016، أصدر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عفواً عن 1538 سجيناً، لم يُدان أي منهم بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية. وعلاوة على ذلك، تم الإفراج عن 412 فقط ممن تم العفو عنهم في أواخر عام 2017.

ومع ذلك، من المتوقع أن يزداد عدد الشباب التونسي الذين يغادرون البلاد إلا إذا ما حسنت الحكومة من الوضع الاقتصادي الحالي. ويعدّ هذا تحدياً ذلك أن معظم الشركات الأجنبية تفضل إنشاء فروع في المدن الساحلية بتونس، التي تعدّ أكثر تطوراً إلى حدٍ كبير من المناطق الداخلية للبلاد.

فقد لاحظ هربرت وغالين، الخبراء من المجلس الأطلسي، أن الإيمان بوعود الثورة بات يتزعزع، إن لم يكن قد تحطم بالفعل. فقد أخبرهم أحد الشباب من مدينة مدنين الجنوبية الشرقية أن كل ما يريده هو كسب المال الكافي لبناء منزل وشراء سيارة. إذ ذكر بعدها مثلاً شعبياً يقول “رضينا بالهم، والهم ما رضي بينا.”

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ Sofienne HAMDAOUI | ©AFP ⁃ Sofienne HAMDAOUI

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.