تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تونس: العصور القديمة

معبد روماني في دقة / Photo Shutterstock

منذ حوالي 200,000 سنة، سكنت تونس جماعات من العصر الحجري، تعود أصولها إلى أعماق إفريقيا، وكانت تعيش على صيد الحيوانات وجمع الثمار وصيد الأسماك. كان مناخ تونس حينها أكثر رطوبة ممّا هو عليه اليوم، وكان الجنوب عبارة عن مراعٍ وغابات. ومع التغيّر المناخي بعد العصر الجليدي الأخير، منذ حوالي 8000 سنة، أمست البلاد أكثر جفافاً وتشكلت الصّحراء جنوب تونس. وفي وقت لاحق، أتت الحضارة القبصيّة من الشرق. اعتمد القبصيّون على الزراعة، وأدخلوا الحياة القروية إلى تونس، واشتهروا بصناعة الفخار.

قرطاج

حوالي عام 1200 قبل الميلاد، وصل الفينيقيون إلى شمال إفريقيا، بما فيها ما يعرف اليوم بتونس. وطوال الحقبتين البونيّة والرومانيّة، كانت تونس المنطقة الرئيسية لاستيطان الفينيقيين، في منطقة يسكنها البربر تقليدياً. كان البربر يعيشون في قرى زراعيّة ضمت وحدات قبلية لها زعيم محلي يساعده مجلس شيوخ. كانت مدينة أوتيكا، شمال غرب تونس، أولى المستوطنات الفينيقية. إلا أن قرطاج أصبحت المدينة الأكثر أهمية، المدينة التي تأسّست حوالي عام 810 قبل الميلاد بالقرب من تونس الحالية. تقول الأسطورة إن ابنة بجماليون ملك صور هي التي أسست قرطاج، جزئياً لمواجهة النفوذ اليوناني المتزايد في المنطقة. وسريعاً ما تحولت قرطاج لتصبح القوة الأهم في المنطقة، وبسطت سيطرتها من الساحل غرب ليبيا حتى الأطلسي. وبعد أن سيطر الفينيقيون على أجزاء كبيرة من الشريط الساحلي، بدأوا باستيطان الداخل، خاصة وادي مجردة وشبه جزيرة الرأس الطيب التي وفرت لهم الأرض الخصبة للزراعة. حارب القرطاجيون الإغريق على جزيرة صقلية واستولوا عليها في القرن الثالث قبل الميلاد.

خاضت قرطاج ثلاث حروب بونية ضد الإمبراطوريّة الرومانية. تشتق اللفظة “بوني” من “بونيشي”، اللفظة اللاتينية لكلمة “قرطاجيين (فينيقيين)”. عام 263 قبل الميلاد، هاجمت روما قرطاج للمرة الأولى بهدف استعادة جزيرة صقلية. ودامت الحرب، التي قادها القائد حملقار برقا، 20 سنة قبل استسلام قرطاج، التي أصبحت شبه مفلسة في ذلك الوقت. وبعد أربعة أعوام، نجح الرومان في الاستيلاء على جزيرتي سردينيا وكورسيكا. ونتج عن إفلاس قرطاج المزيد من المشاكل، خاصة بعد أن بدأ الجنود الذين لم يكونوا يتقاضون أجورهم بالاحتجاج والتمرد.

قاد هنيبعل ابن حملقار برقا القرطاجيين في الحرب البونية الثانية، واستولى على إسبانيا عام 221 قبل الميلاد. وبعد أن أقسم العداء لروما في التاسعة من عمره، اتجه إلى إيطاليا على رأس جيش يتألف من 90,000 من المشاة و 12,000 من الخيالة و 37 فيلاً (لم ينجُ منهم سوى 23,000 جندياً و 17 فيلاً أثناء عبور جبال الألب). وعلى الرغم من براعة هنيبعل في القتال – خصوصاً في معركة كاناي التي هزم فيها الجيش الروماني المؤلف من 80,000 جندي – لم ينجح في احتلال روما التي كان عدد قواتها يفوق عدد جيشه إلى حد كبير.

لهزيمة قرطاج التي أضعفتها الحرب البونية الأولى والثانية، شنّت روما الحرب البونية الثالثة عام 149 قبل الميلاد. وتمكن الجيش الروماني من الاستيلاء على مدينة أوتيكا بعد ثلاثة أعوام من القتال. خلفت الحرب دماراً كبيراً في المدينة ومحيطها. وكانت تلك نهاية استقلال قرطاج .

تونس تاريخ حرب
الحرب بين قرطاج و رومة 264-241 قبل الميلاد

الحقبة الرومانية

بعد الاستيلاء على قرطاج في أعقاب الحرب البونية الثالثة، ترك الرومان في البدايةً العديد من الأراضي التي كانوا قد استحوذوا عليها للحكام البربر في نوميديا والمملكة الليبية القديمة في الجزائر وجزء صغير من تونس الغربية (202-46 قبل الميلاد). في السابق، كانت نوميديا مهمّشة نظراً لهيمنة قرطاج على المنطقة، بيد أنها نجحت في إنشاء مملكة ضمّت ليبيا وغرب الجزائر. حاولت روما في عدة مناسبات تقسيم المملكة للحد من هيمنتها الإقليمية قبل أن تنجح في إحكام السيطرة عليها كلياً عام 46 قبل الميلاد.

شهدت المنطقة التي تعرف اليوم بتونس فترات طويلة من الازدهار في القرون اللاحقة. أعاد الرومان بناء وتنظيم أجزاء كبيرة من أراضي قرطاج ومدنها. وأعاد يوليوس قيصر بناء قرطاج التي أصبحت المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية وعاصمة مقاطعة أفريقية. ومن بين المدن الأخرى التي أعيد بناؤها: شالة ووليلي وموكادور (في المغرب). أتى الناس من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية إلى قرطاج، نظراً إلى غنى المناطق المحيطة بها للزراعة؛ فعلى سبيل المثال، كانت هضبة التل ووادي مجردة ينتجان أكثر من 60% من إنتاج الإمبراطورية من القمح. وفي ظل الحكم الروماني، لم تصبح المدينة مركزاً اقتصادياً فحسب، وإنما أيضاً ازدهرت ثقافياً.

في حين بقي بعض البربر فقراء في الحقبة الرومانية، تمكّن آخرون من الارتقاء في السلم الاجتماعي، مثل أبوليوس، الشاعر الذي جاب جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. كما حصل العديد من البربر على الجنسية الرومانية. وأنشأ بعض الأثرياء مسارح وحمامات ومعابد لا يزال بعضها مواقع أثرية اليوم، كما في “دقّة”، الموقع الروماني الأكثر أهمية في تونس وأحد مواقع اليونسكو للتراث العالمي. تقع دقّة على تلة في ريف شمال تونس.

الفاندال

تونس الفاندال
المصدر: @Fanack

في القرن الخامس الميلادي، قام جايسريك ملك الفاندال، مجموعة قبلية من المسيحيين الأريوسيين الجرمان، مع حلفائه الألانيين الإيرانيين، بمهاجمة الأراضي الرومانية في شمال إفريقيا، والتي اعتقدوا أنه من السهل غزوها.

عام 429، هاجر حوالي 80,000 شخص من رجال ونساء وأطفال إلى نوميديا الواقعة غرب قرطاج. عام 439، استولى الفاندال على مدينة قرطاج، والتي أصبحت مركز مملكتهم. ولضمان تفوّقهم، عقد الفاندال تحالفات مع البربر. قام الملك جايسريك بتوسيع أراضيه، واحتل روما، التي كانت قد أضعفتها الخلافات الداخلية، عام 455. كما احتل جزر صقلية وسردينيا وكورسيكا.

على الرغم من تحالف البربر مع الفاندال، إلا أنهم عانوا من اضطهاد ديني شديد في عهدهم. غير أن قوتهم تعاظمت على مر السنين وشكلوا تهديداً لأمن الفاندال. لم يقم الفاندال ببناء ثقافة أو بنية تحتية اقتصادية، مما أسهم في انحطاطهم. دام حكمهم على المنطقة التي تضم ما يُعرف اليوم بتونس أقل من قرن من الزمن.

الإمبراطورية البيزنطية

موزاييك في متحف باردو

أعاد جستينيان، الذي حكم الإمبراطورية البيزنطية من القسطنطينية، إحياء القسم الشرقي من الإمبراطورية التي تحولت إلى المسيحية. ولتنفيذ خطط مماثلة في القسم الغربي، أرسل القائد فلافيوس بيليساريوس لمحاربة الفاندال، فتمكن من هزيمتهم عام 533. وهذا ما مهد الطريق للحكم البيزنطي الذي دام 150 عاماً وأدى إلى تعاظم النفوذ المسيحي في المنطقة التي تضمّ تونس. غير أن الحكم البيزنطي المباشر اقتصر على المدن الساحلية التونسية، فيما بقي داخل البلاد تحت سيطرة قبائل بربرية مختلفة.

في مطلع القرن السابع، واجهت الإمبراطورية البيزنطية تحديات عديدة أسهمت في تشكيل كيانها في السنوات اللاحقة. في ذلك الحين، كان البيزنطيون في حالة حرب شبه دائمة مع الفرس الساسانيّين. بينما نتج عن هذه الحروب تغييرات طفيفة في الحدود بشكل عام، إلا أن الإمبراطورية البيزنطية ضعُفت كثيراً في مطلع القرن السابع بعد هزيمة الإمبراطور موريس من قبل السّاسانيين الفرس وغزوها اللاحق في عهد كسرى الثاني.

جلس هرقل، ابن حاكم ولاية قرطاج، على عرش روما عام 619 واستعاد الإمبراطورية. وبنى دفاعات وأعاد تنظيم الحكومة لمواجهة الفرس الذين تابعوا غزوهم دون مقاومة تُذكر. استولى هرقل على إنطاكيا عام 611 والقدس عام 614 والإسكندرية عام 619. وعندما حاول الفرس احتلال القسطنطينية، أرسل هرقل جيشاً رومانياً للدفاع عن المدينة. وبشكل غير متوقع، كان النصر حليف قوات هرقل، وقتل كسرى الثاني ملك الفرس عام 628. بعد أن ضعفت بلاد فارس، تمكّن هرقل من استعادة السيطرة على المنطقة التي تشمل الآن مصر وسوريا.

لكن في ذات الوقت تقريباً، تعرضت الإمبراطورية البيزنطية لتهديد جديد من الجنوب. فقد جاء النبي محمّد (570-632) بدين جديد طمح العرب إلى نشره في كل أنحاء المنطقة. وفي معركة اليرموك (636)، هزم العرب المسلمون البيزنطيين واستولوا على مصر وسوريا.